الحقيقة تقترب.. 20 دولاراً في الشهر فقط للمحظوظين

تموز 12, 2021

جريدة الجمهورية - انطوان فرح

 

بدأ المشهد الحقيقي للأزمة يتظهّر تباعاً، وهذا أول الغيث، لأنّ معالم المأساة سوف تتضح في غضون الاشهر المقبلة، بعدما انتهى زمن إنفاق الأموال في مصرف لبنان لتغطية هول الكارثة مرحلياً، واقتربنا من نقطة الحقيقة، حيث سيتم اكتشاف المعالم الحقيقية للانهيار الكبير.

 

من الواضح انّ اللبناني، ورغم مرور حوالى سنتين على بداية الأزمة، التي بدأت عملياً قبل 17 تشرين الاول 2019، عندما ظهرت معالم ما اتفق على تسميته في حينه الشح في الدولار، لم يدرك بعد مفهوم الفقر الذي بدأت معالمه بالظهور تباعاً. هذه المعالم مُرشّحة للتبلور اكثر في الاشهر القليلة المقبلة، حين سيصبح مصرف لبنان عاجزاً عن تأمين الدعم بكل أنواعه، وسيُترك المواطن لمواجهة قدره منفرداً، وفق المعطيات والحقائق التالية:

 

اولاً - معدل الاجور بالدولار سينخفض من حوالى الف دولار (مليون و500 الف ليرة) كما كان قبل الأزمة، الى حوالى 75 دولارا على سعر الصرف الحالي، وقد يتراجع الى حوالى 35 أو 40 دولارا على سعر الصرف الجديد الذي سيفرض نفسه بعد بضعة أشهر. أما الحد الأدنى والذي اصبح اليوم حوالى 38 دولارا، قد يتراجع الى حوالى 20 دولارا، فقط للمحظوظين الذين لا يزالون في أشغالهم ولم يتحولوا الى عاطلين عن العمل، أي اكثر من نصف دولار بقليل في اليوم (حوالى 67 سنتاً). مع التذكير بأنّ خط الفقر العالمي وفق مفهوم البنك الدولي اصبح منذ العام 2015 حوالى 1,90 دولار في اليوم. وحتى قبل رفع خط الفقر، تمّ اعتماد دولار واحد في اليوم لتحديد خط الفقر، وكل ما عدا ذلك هو فقر مُدقع يلامس المجاعة الحقيقية.

 

ثانياً - ستكون الدولة عاجزة عن تقديم اي خدمات، وبالتالي سيصبح قطاع الاستشفاء عبر الجهات الرسمية الضامنة في خطر. واذا استمر، فإنه لن يشبه أبداً الخدمات الصحية التي كان يحظى بها اللبناني قبل الأزمة. سيصبح المشهد الصحي شبيهاً بالمشاهد الصحية في الدول المُعدمة، حيث نوعية الاطباء متواضعة، ونوعية الخدمات اكثر من متواضعة، والادوية والمعدات شبيهة بالعالم الثالث الاكثر فقراً وتخلفاً.

 

ثالثاً - سيكون مشهد المواطن مختلفاً عن الوضع الحالي. ومع مدخول وسطي لمن لا يزال يعمل يبلغ 40 أو 50 دولارا في الشهر، لا يمكن الافتراض انّ استخدام السيارات الخاصة سيحافظ على وتيرته الحالية. هناك مشهد مختلف سيتظهّر في الطرقات، وسيبدأ من الاقتراب من مشهد الفقر، سواء لجهة عدد السيارات في الشوارع، او لجهة نوعيتها وحالتها.

 

 

رابعاً - مع تراجع معدل الاجور بالدولار الى المستويات القياسية هبوطاً، سيتم القضاء على الطبقة الوسطى بالكامل، والتي ستتحول الى طبقة فقراء.

 

خامساً - مستوى التعليم سيتراجع بدوره بنسَب مختلفة، ولن تتمكن كل المدارس من تأمين المعونات والدعم لضمان استمراريتها. وبالتالي، ستبقى هناك مدارس خاصة صامدة، لكنها ستتحول مع الوقت الى مدارس نخبوية، لا تستطيع الطبقة المتوسطة الانخراط فيها. ورغم الدعم الفرنسي للقطاع التربوي الّا انّ ذلك لن يكون كافياً لضمان المستوى التعليمي وانتشاره كما كان قبل الأزمة.

 

سادساً - مع الوقت، ومع انتشار الجوع فعلياً لدى عدد اكبر من الناس، ومع نضوب الاموال الاحتياطية لدى فئة من المواطنين، سيكون من الصعب التصديق انّ المشهد الأمني الداخلي لن يضطرب، خصوصاً انّ الأزمة تضرب المؤسسات العسكرية والامنية بقوة. وبالتالي، لن يكون سهلاً حماية الناس من بعضهم البعض، مهما كانت قبضة الامن قوية وصارمة.

 

هذا المشهد الأسود يمضي إليه البلد بخطى ثابتة حتى الآن، وهو ما استدعى التحركات الدولية التي شهدناها في الفترة الأخيرة، والتي استفزّت بعض الاطراف والقوى. ما يحاول ان يفعله المجتمع الدولي حالياً، بقيادة أميركية-فرنسية، لا يتعلق بالانقاذ بقدر ما يرتبط بتخفيف عمق المأساة المقبلة، حيث بدأ البحث جدياً يتناول كيفية منع انتشار الجوع، والفوضى الاجتماعية والامنية التي قد تنتج عن هذا الوضع. ويبدو انّ متتبعي التطورات يخشون ان يصبح مصرف لبنان بدوره، عاجزاً عن فتح اعتمادات، في المصارف الخارجية، ولذلك يتم التركيز في المحادثات الخارجية على تأمين خطوط ائتمان تكون بديلاً لوقف الاعتمادات متى حصل. لكن خطوط الائتمان لا تشمل استيراد الكاجو والنسكافيه، بل تقتصر على القمح والسكر والارز وربما العدس وما شابه، مع القليل من المحروقات لِسد رمق بعض القطاعات المنتجة، وتأمين بضعة ساعات من الطاقة.

 

من المؤكد انّ لبنان ليس الدولة الوحيدة التي واجهت كارثة الانهيار المالي والاقتصادي، وقد لا يكون لبنان ايضاً من الدول الوحيدة التي بقيت السلطة فيها واقفة تتفرّج على الانهيار بعد حصوله، ولم توقف الحفر، لكنّ الحالة اللبنانية تكاد تكون فريدة من نوعها من حيث انّ الوصول الى الانهيار لم يكن لا عن طريق حصول حرب، ولا عن طريق زلزال مدمّر، ولا حتى عن طريق انقلابات وحروب داخلية متنوعة، بل جاء الانهيار بطريقة انسيابية مذهلة، حيث كانت السلطة تتفرّج على البلد يغرق على مهل، ولم تتركه في هذا الوضع، بل دفعته مراراً لتسريع الغرق. انه البلد الوحيد الذي لم يدفشه أحد لكي يقع، بل ان سلطته ارتفعت به الى اعلى نقطة ممكنة، ورَمته من هناك، وهي تتفرج اليوم على سقوطه الحر والسريع.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة

وقفة رمزية لسائقي الباصات في طرابلس

أيلول 24, 2021 13 مقالات وتحقيقات

عمال المؤسسات التجارية حقوقهم مهدورة، والحد الادنى لا يكفي النقل

عمال المؤسسات التجارية حقوقهم مهدورة، وا…

أيلول 24, 2021 41 مقالات وتحقيقات

30% يتسربون من مدارس المناطق المهمشة اللبنانية

30% يتسربون من مدارس المناطق المهمشة الل…

أيلول 24, 2021 17 مقالات وتحقيقات

خفْض الأسعار مسرحية... "زعبرة" على عين "الاقتصاد"

خفْض الأسعار مسرحية... "زعبرة"…

أيلول 24, 2021 10 مقالات وتحقيقات

لحاجة ملحّة لمنظومة عصريّة مؤسساتية وإجر…

أيلول 24, 2021 13 مقالات وتحقيقات

تفاؤل المصارف وحاملي السندات: "هذه …

أيلول 24, 2021 11 مقالات وتحقيقات

243 مليون برميل نفط بشخطة قلم

243 مليون برميل نفط بشخطة قلم

أيلول 24, 2021 13 مقالات وتحقيقات

لرفع المظالم عن المتعاقدين

أيلول 22, 2021 16 أخبار

خريطة طريق للبنان الجديد تقوم على دعم كا…

أيلول 22, 2021 19 مقالات وتحقيقات

المازوت يُباع بالدولار حصراً.. والتسعير على "مزاج" الشركات

المازوت يُباع بالدولار حصراً.. والتسعير …

أيلول 22, 2021 19 مقالات وتحقيقات

ينادون بالتغيير .. ولا يريدونه؟!

ينادون بالتغيير .. ولا يريدونه؟!

أيلول 22, 2021 18 مقالات وتحقيقات

من التقنين القاسي الى العتمة الشاملة... كهرباء لبنان الى الإنطفاء

من التقنين القاسي الى العتمة الشاملة... …

أيلول 22, 2021 17 مقالات وتحقيقات

لدكاكين الجامعية: نهاية التعليم العالي؟ الجامعات - الدكاكين: هل يصلح الحلبي ما أفسده المجذوب؟ -

لدكاكين الجامعية: نهاية التعليم العالي؟ …

أيلول 20, 2021 39 مقالات وتحقيقات

تتحجّج بـ"البطاقة التمويلية" لتستمر في "التنكيل بجثة" الاقتصاد ورفض تحرير الأسعار السلطة ترتكب "جريمة" دعم البنزين عن سابق تصوّر وتصميم

تتحجّج بـ"البطاقة التمويلية" ل…

أيلول 20, 2021 37 مقالات وتحقيقات

خراب وهجرات دورية: لبنان يخسر أفضل كفاءاته الشابة

خراب وهجرات دورية: لبنان يخسر أفضل كفاءا…

أيلول 20, 2021 22 مقالات وتحقيقات

موسم الزيتون ينطلق ولكن....

أيلول 17, 2021 36 أخبار

الإيجابيّات "المعنوية" خفّضته بنسبة 68% في أقل من 10 أيام... وانتفاؤها يرفعه أضعافاً تراجع الدولار غير المبني على الأرقام لا يُعَوَّل عليه

الإيجابيّات "المعنوية" خفّضته …

أيلول 17, 2021 44 مقالات وتحقيقات

كلفة التبريد المرتفعة ترفع كيلو التفاح في القفص من 5000 الى 10 آلاف ليرة تحرير المازوت "يضرب" التفّاح أيضاً... ويهدّد الموسم بالكساد

كلفة التبريد المرتفعة ترفع كيلو التفاح ف…

أيلول 16, 2021 35 مقالات وتحقيقات

لاحتكار هو الأداة الأساسية للفوضى المتفشية في لبنان... والحل بضرب هذا الاحتكار

لاحتكار هو الأداة الأساسية للفوضى المتفش…

أيلول 16, 2021 47 مقالات وتحقيقات

مليار و135 مليون دولار... كيف ستنفقها الحكومة؟

مليار و135 مليون دولار... كيف ستنفقها ال…

أيلول 16, 2021 47 مقالات وتحقيقات

فاقت المتوقع بـ275 مليون دولار وفتحت شهية مختلف القطاعات على قضمات كبيرة للخلاص بنفسها من الانهيار "حقوق السحب الخاصة" وقود في "آتون" تجديد شرعية "المنظومة" -

فاقت المتوقع بـ275 مليون دولار وفتحت شهي…

أيلول 14, 2021 38 مقالات وتحقيقات

الشحّ أقفل المحطات: بنزين السوق السوداء يباع في المستشفيات

الشحّ أقفل المحطات: بنزين السوق السوداء …

أيلول 14, 2021 46 مقالات وتحقيقات