Print this page

البطاقة التمويليّة إلى السقوط: لا أحد يريد تمويلها

تموز 15, 2021

جريدة

من حيث المبدأ، أصدر المجلس النيابي قانون البطاقة التمويليّة لتكون إحدى آليات الدعم البديلة التي يمكن أن تخفّف عبء مرحلة رفع الدعم عن السلع الأساسيّة، وخصوصاً بالنسبة إلى الفئات المحدودة الدخل.

لكنّ جميع تطورات الأيام الماضية تقودنا إلى الاعتقاد بأن المشروع سيبقى حبراً على ورق لأشهر طويلة، بانتظار توفّر التمويل المطلوب لإطلاقه. فحاكم المصرف المركزي يرفض أن يموّل، والحكومة لا تبذل أي جهد فعلي لإنجاح المشروع، أما البنك الدولي فلا يريد التورّط في بطاقة لا يملك أدوات ضبط توزيعها وتمويلها. الجميع يتقاذف كرة البطاقة التمويليّة، بعد أن رماها المجلس النيابي بعيداً، بإقرار القانون على عجل من دون حسم مصادر تمويلها، أو حتّى البحث في ذلك. باختصار: رحلة البحث عن 556 مليون دولار لتمويل البطاقة قد لا تنتهي قريباً.

البنك الدولي: لا نثق بكم
رحلة البحث عن الأموال المطلوبة لتمويل البطاقة بدأت بالبنك الدولي، المرشّح التقليدي لتمويل هذا النوع من المشاريع. الرهان الأساسي كان على القروض المرصودة للبنان من قبل البنك لتمويل مشاريع أخرى، وغير المستعملة بعد، من أجل إعادة تخصيصها –أي تغيير غايتها- واستعمالها لتمويل البطاقة. وبعد دراسة هذه القروض والمشاريع، راهنت الحكومة تحديداً على القرض المخصص لمشروع إعادة إصلاح النقل العام، وهو قرض بقيمة 295 مليون دولار، من أجل تحويل المبالغ المرصودة له لتمويل مشروع البطاقة بالدولار الطازج.

لكن البنك الدولي امتلك حسابات أخرى. فمشروع قانون البطاقة التمويليّة فضفاض وضبابي، ولا ينص على أي آليات رقابيّة من النوع الذي يحرص عليها البنك قبل تمويل أي مشروع لمنع إساءة استعماله. لا بل كان من الواضح أيضاً أن حكومة تصريف الأعمال غير جديّة في تطوير المشروع لتضمينه هذه الآليات، قبل إعادة تخصيص القرض، ولم تبذل حتّى الجهد الكافي لفهم أولويات البنك الدولي من هذه الناحية. ومن ناحية أخرى، كان لدى لبنان سجل حافل في مجال إساءة استعمال المساعدات الإنسانيّة وتحويلها إلى باب من أموال الزبائنيّة والتنفيعات، فيما تزداد المخاوف من تكرار هذه السيناريوهات على أعتاب الانتخابات النيابيّة وحاجة الأحزاب إلى شراء الولاءات في مختلف المناطق.

ولهذا السبب، رفض البنك الدولي توريط أمواله في مشروع البطاقة التمويليّة بأي شكل، معلناً الفيتو القاطع في وجه هذا الطرح. المقترح البديل الذي يمكن أن يوافق عليه البنك، هو استعمال أموال قرض النقل العام لإضافتها للقرض المخصص لتمويل مساعدات العائلات الأكثر فقراً، كون البنك الدولي يفاوض أساساً الحكومة على آليات إنفاق هذه المساعدات وكيفيّة توزيعها. ومن الأكيد أن مشروع هذه المساعدات لن يبصر النور قبل التزام الحكومة بشروط الشفافيّة وآليات الرقابة التي يطلبها البنك الدولي. مع الإشارة إلى أن انطلاقة هذا المشروع غير مضمونة بعد، بعد محاولة المجلس النيابيّة التملّص من شروط الشفافيّة والرقابة هذه.

في حال السير بهذا الطرح، ستتمكن الحكومة من إحالة نسبة معينة من المستفيدين من البطاقة التمويليّة إلى مشروع المساعدات المخصصة للأسر الأكثر فقراً، من خلال التمويل المستجد. لكن هذا المقترح لن يؤمّن أي تمويل للبطاقة، وهو ما يعيد النقاش إلى نقطة الصفر: كيف سينطلق مشروع البطاقة التمويليّة بغياب التمويل؟

حاكم مصرف لبنان يرفض
بعد سقوط الرهان على البنك الدولي، تركّز الرهان الثاني على مصرف لبنان، خصوصاً كون المصرف أكّد مسبقاً إمكانية استعمال الاحتياطات الإلزاميّة وإقراضها للحكومة، وفق شروط تعطي هذه القروض امتياز –أي أفضليّة في السداد- على سائر الديون السياديّة بمختلف أشكالها.

لكن ما إن تمّت مفاتحة مصرف لبنان بهذه المسألة، حتّى جاء الرفض الحاسم من جهة الحاكم. فالقروض التي تحدّث المصرف المركزي عن إمكانيّة منحها للحكومة، محصورة بالسيولة التي يمكن استعمالها لدعم استيراد السلع الأساسيّة، والتي فرض تأمينها بعض الكارتيلات المستفيدة من آليات الدعم الحاليّة، وخصوصاً في قطاع المحروقات الذي يشهد عمليات تهريب بالاستفادة من هذا الدعم. أما مشروع كالبطاقة التمويليّة، فلا يوجد من يضغط لأجل تأمين تمويله بالدولار في دهاليز المصرف المركزي، ولا يملك أحد أولويّة الضغط على الحاكم للسير بهذا الإتجاه.

أما المفاجأة الكبرى، فكانت في اقتراح الحاكم تمويل البطاقة بالليرة اللبنانيّة، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من توسّع إضافي في خلق النقد وضرب قيمة الليرة. وبذلك، بدا أن الحاكم أقل حرصاً من مجلس الوزراء على مستقبل العملة المحليّة وقيمتها، رغم أن منطق الأمور يفرض أن يحمل مصرف لبنان بالتحديد هذه الأولويّة.

الحكومة تماطل
هكذا، وبعد سقوط جميع الخيارات المتاحة، عادت الكرة مجدداً إلى ملعب حكومة دياب، التي تتابع الملف من خلال لجنة وزاريّة تم تفويضها وضع الخطة العامة للمشروع. ما رشح حتّى اللحظة من عمل اللجنة يوحي بأنّها تسير ببطىء شديد ومتعمّد، وبأنها لم تبذل أي جهد جدّي على مستوى التوصّل إلى تفاهم لتمويل البطاقة مع مصرف لبنان أو البنك الدولي، باستثناء المداولات الأوليّة التي أفضت إلى نتائج سلبيّة. ولعلّ تقاعس اللجنة عن لعب أي دور فاعل في هذا الملف ينسجم مع السياسة التي يتبعها دياب منذ استقالة حكومته، والتي قضت بتقليص نطاق مبادرات حكومته إلى أدنى حد في جميع الملفّات، وهو ما ظهر أساساً من خلال إرسال مشروع قانون البطاقة إلى المجلس النيابي من دون تضمينه الحد الأدنى من آليات التوزيع والرقابيّة والتمويل.

مصادر حكوميّة متابعة للملف تشير إلى أن مسألة البطاقة باتت عالقة في دوامة مفرغة من تقاذف المسؤوليات، التي سدّت جميع نوافذ التمويل المتاحة. ولذلك، فالسيناريو المرجّح هو استمرار المماطلة على هذا النحو طوال الأشهر المقبلة، بانتظار حصول لبنان على حصّته من عمليّة إعادة توزيع مخصصات حقوق السحب الخاصّة، وهي عمليّة يصعب إنجازها قبل بداية الخريف المقبل. وهنا تبرز المخاوف مجدداً من دخول الأموال الناتجة عن هذه العمليّة في دوامة السجالات والمشادات على خلفية طريقة استعمالها، وهو ما يمكن أن يحول دون استعمالها أيضاً في شبكات الحماية الاجتماعيّة التي يستفيد منها محدودو الدخل.   

في الخلاصة، من الواضح أن مشروع البطاقة التمويليّة مجرّد مثال آخر على قانون جرى تمريره على عجل، ومن دون الحد الأدنى من البحث في آليات تطبيقه. وإذا كان هدف المجلس النيابي من تمرير القانون بهذا الشكل "رفع العتب" على مشارف مرحلة رفع الدعم، فمن الأكيد أن الحكومة لم تحاول حتى تطوير المشروع ليدخل حيّز التنفيذ فعلياً. أما مصرف لبنان، فيستمر بالاستفادة من الشغور الحاصل نتيجة غياب حكومة مكتملة الصلاحيات، ومن انسحاب حكومة تصريف الأعمال من مسؤولياتها كافة، ليقرر من طرف واحد مآل ما تبقى من دولارات بحوزته. 

المدن - علي نور