30% يتسربون من مدارس المناطق المهمشة اللبنانية

أيلول 24, 2021

جريدة الاخبار - رحيل دندش

 المناخ المدرسي في المناطق المهمشة، بيئة ضاغطة وقاسية يسودها العنف والتمييز والعقوبات القوية وقلة التعلّم والاكتساب وعدم الثقة، ما يعزّز نقمة الشباب ويؤدي إلى تسرّبهم

 

ليس مجازفةً القول إن تلامذة لبنان خسروا عامين دراسيين، أو في أحسن الأحوال لم يحققوا المكتسبات التعليمية المطلوبة، في فترة هي من أعقد الفترات لناحية الانهيار الاقتصادي مصحوباً بالتعلّم عن بُعد نظراً إلى ظروف الحجر بسبب جائحة «كوفيد 19». لكن النتائج جاءت أقسى بكثير في المناطق المهمشة التي انتهت بتسرّب الكثير من الطلاب، وتدنّي تحصيل الكفاءات والمهارات لمن استمر منهم ورُفّع إلى صفوف أعلى.

عدم الاستقرار الاجتماعي وسوء الأحوال الاقتصادية وتراجع مستوى المعيشة والتعليم عن بعد، كلها عوامل أثّرت في جاهزية التعليم ونفسية المديرين والمعلمين والطلاب. وبذلك يكون «التعلم هو الخاسر الأكبر»، بحسب ما خلصت إليه مجموعة دراسات ميدانية قامت بها الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، بالشراكة مع «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية في بيروت، وبإشراف الباحث عدنان الأمين بعنوان «فقر التعليم وعنف الجو المدرسي». الدراسات تقصّت واقع التعليم في المناطق المهمشة (المناطق الفقيرة اللبنانية، المخيمات الفلسطينية والتجمعات السورية)، وتناولت الحياة المدرسية للشباب من وجهة نظرهم ومن وجهة نظر المديرين والمعلمين.
في جيوب الفقر اللبنانية، يغادر 30 في المئة من الطلاب اللبنانيين المدرسة، ويستمر 70 في المئة في التحصيل العلمي، بما ينسجم مع ثقافة الأسرة اللبنانية التي تمسّكت تاريخياً بتعليم الأبناء تحقيقاً لحراك مهني اجتماعي.
غير أن الدراسة تشير إلى ضعف الرأسمال الثقافي لدى الطلاب رغم استمرارهم في المدرسة، مضافاً إلى أن ثقافة المدرسة في البيئات المهمّشة تقليدية في الغالب، وهذا لا يحقق لهم الحراك الاجتماعي المرتجى.
الشباب المشاركون وصفوا المستوى التعليمي في مدارسهم بالسيئ، وأفاضوا في الحديث عن «قلة كفاءة بعض المعلمين، فهؤلاء يعلمون أكثر من مادة ولا يعرفون الكثير عن كلٍّ منها، ويغلّبون مصلحتهم المادية في أكثر الأحيان». قلة من الطلاب كوّنوا صورة إيجابية عن حياتهم المدرسية تجلّت بدعم المعلمين وبناء صداقات معهم.

46% من الشبان الفلسطينيين المشاركين في الدراسة غادروا المدرسة


في مدارس المخيمات الفلسطينية، ترك 46 في المئة من الشباب الفلسطيني الذين شاركوا في الدراسة المدرسة مقابل 54 في المئة ما زالوا يتابعونها. الإدارات تعزو هشاشة التعليم إلى الأعداد الكبيرة في الصفوف وتهالك الأبنية في المخيمات، فيما يتحدث الطلاب عن غياب الأخلاق المهنية لدى المعلمين، والتمييز في الأنشطة الترفيهية واستبعاد «الطلاب الضعاف». ويرى بعض المعلمين أن الفصائل الفلسطينية تقدم نفسها سلطة بديلة وتفرض فرصاً مضادة لثقافة المدرسة وبيئة مثالية للتمرد والاحتجاج والانخراط في التحركات الاجتماعية والسياسية، مقابل تراجع المستوى التعليمي في مدارس «أونروا».
وتعد الحياة المدرسية كما عاشها الشباب في التجمعات السورية الأقسى من بين الفئتين السابقتين، خصوصاً لناحية اختلاف المنهج اللبناني عن المنهج السوري «المعرّب»، فشكلت اللغة الأجنبية عقبة أمام الكثير من الطلاب السوريين الذين تركوا الدراسة بسببها.
في المدارس السورية في لبنان، لا حوافز ولا إغراءات للطلاب كوجود مواد إجرائية (فنون، مسرح، رياضة) ونشاطات ترفيهية محفزة تعزز ثقة الطلاب بأنفسهم، والسبب من وجهة نظر الأساتذة دوام التعلم بعد الظهر. كما أن الأنشطة الخارجية تحتاج إلى موافقة من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. علماً بأن دوام التعلم المسائي اضطر الكثير من الطلاب لترك المدرسة، إذ يقول أحدهم: «لا توجد دراسة، نذهب ونعود بلا فائدة، والدوام المسائي يسبّب لنا الاكتئاب». في مدارس تعليم السوريين تكرّر ذكر الطلاب لتعرضهم للتعنيف والضرب بذريعة أنهم لا يفهمون المنهاج، بدلاً من التشجيع!
إلى ذلك، أدت البيروقراطية المركزية إلى تعطيل التعليم في المناطق الفقيرة خصوصاً في فترة الحجر الصحي، من وجهة نظر غالبية المديرين في المدارس الخاصة والرسمية، إذ عجز بعض المديرين عن اتخاذ القرارات المستقلة الملائمة للسياق الذي يعيشون فيه، مع غياب الرعاية المهنية لوزارة التربية، وعدم توفر الحد الأدنى من متطلبات التعليم والتعلم (الأجهزة الإلكترونية، الكتب، الإنترنت…). أما المعلمون فيعانون من صعوبات لوجستية ومهنية وقلة الدعم والمتابعة التربوية المخصصة للهيئة التعليمية، ما يحدّ من فعالية المكتسبات التعلمية. وتحدث بعض المعلمين عن الضياع واللامنهجية وعدم الحصول على وسائل وتقنيات التعليم ولا سيما في فترة التعلم عن بعد لمعلمين أغلبهم فقراء، إضافة إلى عدم تقاضي الرواتب، ما جعل التعليم يتهاوى في المناطق المهمشة.
تخلص الأوراق إلى اعتبار التعليم في حالة طوارئ، وتطرح تساؤلات عدة بشأن الآليات التي ينبغي اعتمادها لدعم الشباب في مناطق التهميش والفقر وإعادة دمجهم في المسار الدراسي ولا سيما أن تغيّب الطلاب وعدم التزامهم بالتعليم يُنذر بفاقد تعليمي متراكم يستلزم خطة دعم مدرسي شاملة ومبنية على دراسة دقيقة لحاجاتهم.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
هل تسرّعت حكومة تصريف الأعمال بإطلاق البطاقة التمويلية أم أن الحكومة الحالية تمنع تحريرها؟ العائلات الفقيرة متروكة لمصيرها و"المسؤولون بالتصفيات الكيدية... يتسلّون"

هل تسرّعت حكومة تصريف الأعمال بإطلاق الب…

تشرين1 14, 2021 20 مقالات وتحقيقات

من أين أتت الـ70 مليون دولار؟

من أين أتت الـ70 مليون دولار؟

تشرين1 14, 2021 23 مقالات وتحقيقات

الدولار قفز 7100 ليرة خلال شهر: مستوردو …

تشرين1 14, 2021 22 مقالات وتحقيقات

"المدن" تنشر تقرير البنك الدول…

تشرين1 14, 2021 23 مقالات وتحقيقات

الوزراء يعملون ليل نهار.. والوضع المعيشي…

تشرين1 14, 2021 20 مقالات وتحقيقات

بدران رئيساً لـ«اللبنانية»... وملف العمد…

تشرين1 13, 2021 22 مقالات وتحقيقات

إنشاء الوكالة الوطنية للدواء من لجنة الم…

تشرين1 13, 2021 21 مقالات وتحقيقات

أكلت "البيضة والتقشيرة" وفي طريقها لـ "إلتهام دجاجة" البلد بـ "ريشها" المصارف تقترح "موت" البلد لـ"تحيا" وحيدة

أكلت "البيضة والتقشيرة" وفي طر…

تشرين1 13, 2021 23 مقالات وتحقيقات

لبنان المحاصر من سوريا "يستجدي" خفض الرسوم على بضائعه

لبنان المحاصر من سوريا "يستجدي…

تشرين1 13, 2021 20 مقالات وتحقيقات

حياة المواطن: البنزين أوقفَ النقل والمازوت التدفئة.. والغاز ألغى الطهي

حياة المواطن: البنزين أوقفَ النقل والماز…

تشرين1 13, 2021 21 مقالات وتحقيقات

إطفاء الخسائر المصرفية بـ "دموع" المودعين قد "يحرق" ورقة التفاوض مع صندوق النقد الدولي "لعنة" طباعة النقود "تحاصر" اللبنانيين وتسدّ عليهم منافذ الخروج من الأزمة

إطفاء الخسائر المصرفية بـ "دموع…

تشرين1 12, 2021 24 مقالات وتحقيقات

المدن" تنشر خطة المصارف: الاستيلاء على أصول الدولة -

المدن" تنشر خطة المصارف: الاستيلاء …

تشرين1 12, 2021 27 مقالات وتحقيقات

مع رفع سعر صفيحة البنزين.. "المشوار" بات للأغنياء فقط!

مع رفع سعر صفيحة البنزين.. "المشوار…

تشرين1 12, 2021 16 مقالات وتحقيقات

أول اجتماع لتصحيح الاجور: الكل في مأزق

أول اجتماع لتصحيح الاجور: الكل في مأزق

تشرين1 12, 2021 22 مقالات وتحقيقات

الأمم المتحدة: اللاجئون السوريون في لبنان يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة وسط أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية تشهدها البلاد منذ عقود

الأمم المتحدة: اللاجئون السوريون في لبنا…

أيلول 30, 2021 61 مقالات وتحقيقات

العمل النقابي في القطاع العام: ما بين التشتت وهيمنة أحزاب السلطة

العمل النقابي في القطاع العام: ما بين ال…

أيلول 30, 2021 83 منشورات المرصد

هل تهزم الضائقة المعيشية الجيش الابيض؟  مستشفى صيدا الحكومي لن يستقبل المرضى

هل تهزم الضائقة المعيشية الجيش الابيض؟ …

أيلول 30, 2021 78 مقالات وتحقيقات

عيين رئيس «اللبنانية» ضربة جديدة للجامعة

عيين رئيس «اللبنانية» ضربة جديدة للجامعة

أيلول 30, 2021 60 مقالات وتحقيقات