تداعيات الأزمة الاقتصادية على العمالة الفلسطينية في لبنان

كانون1 23, 2021

 - المرصد

  أحمد الصباهي- يعاني لبنان من أزمات اقتصادية منذ سنوات، تجلت مظاهرها بقوة بعد الفشل بالقيام بإصلاحات طلبها البنك الدولي، ووُعد بها الشعب اللبناني في عهد حكومة الرئيس سعد الحريري الثالثة، التي ما لبثت أن سقطت في 17 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2019، إثر احتجاجات شعبية ردا على ارتفاع الضرائب، لتتوالى بعد ذلك الأزمات من تفشي فيروس كورونا وما تبعه من إغلاق شامل، لتصاب القطاعات الاقتصادية بالشلل، وصولا إلى انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الذي تخطى أرقاماً قياسية.

  ووفق دراسة صدرت من الإسكوا تحت عنوان "الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان (2019- 2021) تبين أن نسب الفقر قد ازدادت بفعل تراجع النشاط الاقتصادي وتدهور الاستقرار السياسي، لتصل وفق معايير متعددة الأبعاد اعتمدتها إلى 82% . كما بلغت نسبة التضخم في لبنان 28% في الفترة بين حزيران/يونيو 2019 وحزيران 2021، وقفز خط الفقر ليتجاوز الحد الأدنى للأجور.

 هذه الظروف والأزمات التي تعصف بلبنان ألقت بظلالها على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فقراً وبطالة.

 نسب الفقر للاجئين الفلسطينيين بالأرقام

   لا تتوفر دراسات وإحصاءات علمية دقيقة عن تأثير الأزمة الاقتصادية خلال السنوات الثلاث الماضية، وتداعياتها المعيشية على اللاجئين الفلسطينيين، وآخر دراسة يمكن الاستناد إليها صدرت عام 2015 قامت بها (الأنروا) بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت، ومولها الاتحاد الأوروبي.

وأظهرت الدراسة الأرقام التالية: 6.6 % من الفلسطينيين يعانون من الفقر الشديد (المدقع)، أي أنهم عاجزون عن تلبية حاجاتهم اليومية الأساسية من الغذاء؛ 66.4% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان فقراء، أي أنهم عاجزون عن تلبية حاجاتهم الغذائية وغير الغذائية الضرورية.

ويتبين بشكل جلي أن معدلات الفقر كبيرة، وبالتالي في ظل عدم تغير وضع اللاجئين نستنتج بطريقة منطقية أن الأوضاع ازدادت سوءا في الآونة الأخيرة بعد الانهيار الاقتصادي.

 

العمالة الفلسطينية في لبنان أرقام وإحصائيات

وفق الدراسة السابقة الذكر، فإن نسب البطالة في صفوف اللاجئيين الفلسطينيين في لبنان هي 56%، أما أعمال اللاجئيين الفلسطينيين فتتوزع على المهن التالية :

 

النسبة المئوية

المهنة

11%

كبار المسؤولين والمديرين

5%

الفنييون والمهنييون

15%

عمال الخدمة ومبيعات المتاجر والسوق

46%

العمال المهرة (الزراعة صيد الأسماك) عمال الحرف والصناعات

46%

عمال الحرف والصناعات ذات الصلة

23%

المهن الأولية

 

ويؤمن القطاع الخاص النسبة الأعلى للعمالة الفلسطينية في لبنان بحوالي 77%، ولقد أظهرت الدراسة القطاعات التي يعمل من خلالها اللاجؤون الفلسطينيون كالتالي:

النسبة المئوية

القطاع

0.7%

المؤسسات الفلسطينية الرسمية

4.6%

وكالة الغوث (الأنروا)

3.8%

منظمات غير حكومية

2.8%

الأحزاب السياسية

76.7%

القطاع الخاص

11.3%

أعمال أخرى

 

ونظرا لهذه الأرقام، فإن الغالبية العظمى من الوظائف والعمالة الفلسطينية لحقها  أزمات، نظرا لارتباط الغالبية العظمى منها بالقطاع الخاص.

نماذج من الوضع الحالي للعمال الفلسطينيين بعد الانهيار الاقتصادي

يعاني العامل الفلسطيني في لبنان من عدم وجود قوانين تحميه وتحفظ حقوقه، فهو عرضة للاستغلال، ومهدد دائماً بفقدان عمله، بالإضافة إلى أن القوانين اللبنانية تحظر على الفلسطيني العمل في العديد من المهن تصل إلى خمسين مهنة، وبالرغم من مساهمة الفلسطيني في الدورة الاقتصادية جراء إنفاقه كل ما يجنيه في البلاد، بخلاف العامل الأجنبي من الجنسيات الأخرى. وبالرغم من كل "الجهود" المبذولة من قبل منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التابعة لمجلس الوزراء لتحصيل الحقوق، إلا أن الأمور بقيت على حالها. وقد أظهر التقرير السنوي لمؤسسة شاهد لحقوق الإنسان الفلسطينية للعام 2020  الملاحظات التالية:

- لم يجر أي يتطور أو تعديل إيجابي في علاقة الدولة اللبنانية ومؤسساتها المختلفة مع اللاجئين الفلسطينيين.

- استمرار منع اللاجئين من العمل.

 و في إطار متابعتنا لأوضاع العمال من المخيمات الفلسطينية في لبنان، قمنا باختيار عينات عشوائية من المخيمات التالية، من مدينة بيروت ( مخيم شاتيلا ومخيم برج البراجنة) ومن مدينة صور، (مخيم الرشيدية).

 

لم يستطع تسجيل أولاده في المدرسة والتحقوا بسوق العمل

 التقينا بالعامل (و.ح) من مخيم شاتيلا، وهو عامل في ورش البناء، لديه 7 أبناء، يعيش في منزل بالإيجار. بعد الأزمة الاقتصادية تراجع عمله بفعل تأثر ورش العمل بالأزمة، وإذا وجد عملاً، فإن أجرة العامل لم تتحسن كثيرا، وهو مضطر للعمل بأي طريقة لسد حاجاته، ولا يستطيع أن يطالب رب العمل بتحسين الأجرة، فهو يخشى من فقدان عمله، كما لم يلتحق أولاده جميعاً بالمدرسة هذا العام، فلقد اضطر أن يرسل أولاده للعمل.

وهذا بدوره نتيجة لغياب جهود الأنروا لجهة إغاثة العائلات الفقيرة، وتأمين مستلزمات التعليم للأطفال، منعاً لانتشار عمالة الأطفال وما يتبعها من أمية واستغلال.

 

اضطر لتغيير عمله ويعمل ساعات إضافية من دول بدل

وفي مخيم برج البراجنة التقينا بالعامل ( م.ح) وهو عامل في مصنع، متزوج ولديه أربعة أبناء، اضطر لترك عمله بسبب عدم رفع الأجرة، فالتحق بعمل جديد في مصنع تحسنت فيه أجرته، لكنها لا تكفي لسد احتياجاته. ونظراً لغياب القوانين والرقابة الحافظة لحقوق العامل الفلسطيني، فليس لديه تأمين صحي، وغير مسجل في الضمان الاجتماعي، فضلاً عن عدم حيازته على إجازة عمل. وأضاف أنه يضطر للعمل في بعض الأحيان لساعات إضافية من غير أن يتقاضى بدلاً إضافياً، وهو مضطر للبقاء في هذا العمل بحكم الحاجة وقلة الأعمال.

أجرة العامل الزراعي ارتفعت دون سد حاجاته

أما فيما يخص مخيم الرشيدية فالعمالة الفلسطينية في الأغلب هي من طبقة العمال الزراعيين، تعمل في الأراضي الزراعية داخل المخيم وخارجه في مدينة صور.

وللوقوف على أحوال العمالة الفلسطينية الزراعية تواصلنا مع مسؤول لجنة المزارعين الفلسطينيين في المخيم ياسر الحاج موسى، الذي أشار أن وضع  العمال مزر، بسبب تراكم الأزمات من جائحة كورونا وصولاً إلى ارتفاع سعر صرف الدولار الذي الذي أثر بدوره على المردود المالي للعمال، في ظل عدم رفع أرباب العمل أجرة العامل الفلسطيني، الذي كان يتقاضى قبل ارتفاع سعر صرف الدولار عشرين ألف ليرة لبنانية يومياً داخل المخيم، وخمسين ألف ليرة خارج المخيم، لترتفع الأجرة بعد الأزمة إلى ثلاثين ألف ليرة داخل المخيم، وخمسة وسبعين ألفاً خارجه، من غير وجود تأمين صحي أو حماية للمزارعين.

ارتفاع أسعار الأسمدة والحبوب

وأضاف موسى أن ارتفاع أسعار الأسمدة والحبوب الزراعية أثر على قدرة أصحاب الأراضي داخل المخيم لاستثمار أراضيهم الزراعية، في ظل عدم تقديم نقابة عمال المزارعين اللبنانية أي مساعدة، مما انعكس سلبا على أصحاب الأرض، مما اضطرالعامل

الفلسطيني للجوء إلى خارج المخيم، ليعمل بشروط أصحاب الأراضي وبالأجرة التي يحددونها، والتي لا تكفي صاحب الأسرة ليعيل نفسه في ظل ارتفاع الأسعار.

وطالب موسى نقابة العمال  اللبنانية بتطبيق وعودها، والتي بدورها وعدت بتقديم مساعدة لجهة فحص خصوبة تربة الأراضي الزراعية داخل المخيم، وتقديم سماد زراعي وحبوب بسعر الكلفة، إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق حتى الآن.

 

 نقابة العمال الفلسطينية

  من الجدير ذكره أن العمال الفلسطينين الذين أجرينا معهم مقابلات لم يسمعوا بوجود نقابة للعمال الفلسطينيين في لبنان، باستثناء مسؤول لجنة المزارعين الذي أفاد أن النقابة قدمت بعض المساعدات.

وهذا بدوره يعبر صراحة عن غياب النقابة، لجهة التواصل مع العمال، خصوصا أنه ليس لدى النقابة موقعاً على الإنترنت، ولا صفحة على الفايس بوك.

 ومن الضرورة بمكان الإشارة إلى أن نقابة العمال الفلسطينييين في لبنان تسيطر عليها حركة فتح، ولدى طلبنا مقابلة نقيب العمال للوقوف على جهود النقابة، تم إحالتنا إلى نائب أمين سر الاتحاد غسان البقاعي.

 ولدى سؤالنا عن أوضاع العمال الفلسطينيين بشكل عام بعد الأزمة الاقتصادية، أفاد أن الأمر لم يتوقف عند حدود الأزمة الأخيرة، بل يعود إلى العام 2019 بعد قرار وزير العمل اللبناني السابق كميل أبو سليمان بالتشديد بحصول الفلسطيني على إجازة عمل قبل ممارسة أي مهنة أو وظيفة، والذي، أدى بدوره إلى ازدياد نسب تفشي البطالة في صفوف اللاجئيين، للتوالى الأزمات من كورونا وما سببته من إغلاقات، وصولا إلى ارتفاع سعر صرف الدولار الذي أثر على قطاع الأعمال، أدى إلى الاستغناء عن الكثير من العمال الفلسطينيين، نظرا لغياب القوانين الحامية لحقوقهم والضامنة لها.

 

 جهود نقابة العمال الفلسطينية

 اقتصرت جهود النقابة كما أفادنا البقاعي بالوساطة بين العمال وأرباب العمل، حيث أجرت تسويات للحصول على تعويضات العمال، نظرا لإغلاق المحاكم اللبنانية في كورونا، وما زالت تمارس هذا الدور، كذلك قامت في الآونة الأخيرة برفع دعاوي قضائية في المحاكم ضد أرباب العمل، عندمت تفشل جهود الوساطة .

اما أجرة العمال، فأشار  البقاعي إلى أنها  لم ترتفع إلا قليلا، والعامل الفلسطيني مضطر للقبول بهذه الزيادة الطفيفة، خشية خسارة عمله، في ظل تعطل المصالح، وهذا حال الغالبية العظمى من العمال الفلسطينيين في لبنان.

ويرى البقاعي أن المستقبل مجهول جدا وضبابي، نظرا لتقلبات الأوضاع السياسية والأزمات الاقتصادية التي يمر بها لبنان.

 

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الطعن بقانونية هيئة مكتب الإتحاد العمالي العام يتفاعل: أعضاء هيئة المكتب برئاسة الأسمر  يتخلفون عن تزويد وزارة العمل بمحاضر انتخابات نقاباتهم   

الطعن بقانونية هيئة مكتب الإتحاد العمالي…

كانون1 29, 2021 184 عمالية ونقابية

الطعن بقانونية هيئة مكتب التحاد العمالي العام يتفاعل:

الطعن بقانونية هيئة مكتب التحاد العمالي …

كانون1 28, 2021 97 مقالات وتحقيقات

حراس الامن والحماية»: يعانون التهميش والاستغلال

حراس الامن والحماية»: يعانون التهميش وال…

كانون1 28, 2021 85 مقالات وتحقيقات

الحماية الاجتماعية للعاملين والعاملات مفقودة في القطاع الصحي في لبنان

الحماية الاجتماعية للعاملين والعاملات مف…

كانون1 28, 2021 270 مقالات وتحقيقات