الحماية الاجتماعية للعاملين والعاملات مفقودة في القطاع الصحي في لبنان

كانون1 28, 2021

المرصد: 28-12-2021 

د. سعيد عيسى


أظهرت الدولة اللبنانية تجاهلا سافرا لصحّة وسلامة العمال والعاملات في القطاع الصحي، في ظلّ الانهيار المالي والاقتصادي وجائحة كورونا، وفقدان الليرة اللبنانية حوالي 92٪ من قيمتها، وتضاعف معدّلات الفقر وارتفاع البطالة بشكل غير مسبوق وتخطي التضخم حوالي 138% .
وفي ظلّ واقع صحي مهدّد بالإفلاس والانهيار "بدأت بوادره تظهر من خلال تكرار حدوث مشكلات بين المرضى والمستشفيات" ، بالإضافة إلى نقص الأدوية وهجرة العاملين في الطب التي تهدّد بحرمان لبنان من كفاءات وموارد بشرية في بلد "كان يوما مركزا طبيا لمنطقة الشرق الأوسط " . إضافة إلى صرف عدد كبير من العاملين في القطاع الصحي تصدّرته مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت بأعلى نسبة صرف إذ بلغ عدد المصروفين منها نحو 560 عاملا وعاملة .
مصير مساعدات البنك الدولي للقطاع الصحي؟
في نيسان \ أبريل 2020 خصّص البنك الدولي حوالي 40 مليون دولار لمساعدة لبنان على الاستجابة لفيروس كورونا، بما يشمل عمال\ت القطاع الصحي ، ويقول وزير الصحة د. فراس أبيض الذي كان مديرا لمستشفى رفيق الحريري الجامعي "أنه لم يتلقّ أية أموال من هذا القرض ليساعد بها العمال\ت في المستشفى"، ويضيف د. جورج غانم "أنّ لا شفافية على الإطلاق في كيفية توزيع القرض على المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي، ولا يستطيع أحد إخبارنا كيف صرف هذا القرض".

 

أوضاع الممرضين والممرضات
تقول ميرنا ضومط نقيبة الممرضين\ت: "أنّه منذ بدء الأزمة الاقتصادية في أواخر عام 2019 طرد أكثر من 40٪ من العاملين في القطاع الصحي ومن ضمنهم الممرضين والممرضات، ما زاد الضغط على القوى العاملة المتبقية الذين خفضت رواتبهم وفقدوا أكثر من 80٪ من قدرة أجورهم الشرائية" .
هذا وقد انتهكت الدولة اللبنانية "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، الذي صادقت عليه، وهو يلزم الدولة اللبنانية بالحدّ من خطر الحوادث والأمراض خلال ممارسة المهنة، بما في دلك الحرص على تأمين المعلومات الصحية والملابس والوقاية المناسبة للعمال\ت .
صرف العمال والموظفين
وتحت حجة الوضع الاقتصادي غير المستقر لجأت المستشفيات إلى صرف عدد كبير من الموظفين، ما حدّ من جهوزيتها لمواجهة فيروس كورونا. إضافة إلى التأخّر في دفع رواتب الطواقم الطبية والتمريضية. ونتيجة تراجع قيمة الدخل الفعلي لموظّفي القطاع الصحي بحدود 80٪، وفقدانهم الثقة في قدرة الدولة على معالجة الأزمات العديدة التي تعصف بلبنان، غادر لبنان عدد كبير من الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات علما أنّ كثيرين منهم من بين الأكثر كفاءة. ويقول د. أبو شرف نقيب الأطباء في لبنان في هذا الصدد "أنّ أكثر من 400 طبيب وطبيبة هاجروا العام الماضي نتيجة الأزمة وكثير من الأطباء يخططون حاليا للهجرة" . وتضيف نقيبة الممرضين\ت: "إنّ القطاع الصحي يشهد هجرة جماعية أدت إلى زيادة الأعباء على القوى العاملة في المستشفيات واضطرار عدد كبير منهم للعمل ساعات إضافية" والضغط على العاملين في القطاع الصحي كبير جدا، إذ يوجد ممرض\ة لكل 20 مريض\ة في بعض المستشفيات، وهذا يخالف المبادئ التوجيهية للنقابة التي تنصّ على وجود ممرض\ة لكل 8 مرضى في الأجنحة العادية ووجود ممرض\ة لكل مريضين في وحدة العناية الفائقة، وهذا انتهاك للمبادئ التوجيهية للنقابة ولمعايير المستشفيات"
شهادات العاملين والعاملات في القطاع
وتدليلا على وضع العمال\ت في القطاع الصحي تقول الممرضة ن. ب. التي تعمل في قسم الطوارئ في مستشفى خاص في منطقة جبل لبنان: "المشكلة التي نواجهها هي نقص الموظفين نتيجة عمليات الصرف التي قامت بها الإدارة من أجل توفير المال، لدينا عدد كبير من المرضى في قسم الطوارئ، عادة دوامي 4 أيام في الأسبوع، لكن اليوم أداوم 5 و6 أيام وأحيانا يوم إجازتي الأسبوعية، وأنا أداوم في الليل، أحيانا أضطر للبقاء في العمل 24 ساعة متواصلة" .
وتضيف الممرضة ع. ز. التي تعمل في مستشفى في بيروت: "راتبي لم يعد كافيا، أتقاضى مليون و300 ألف ل.ل. بالكاد تكفيني لتغطية الحد الأدنى من المعيشة، وعلى أن أدفع الإيجار والفواتير والأكل والشرب والتنقل، صراحة لا أدري ماذا أفعل، لا زيادة على الرواتب ولا تعديل، ولا مكافآت ولا شيء بتاتا" .
وأمّا الممرضة ح. ر.: فتقول " لم أتقاضَ أجري منذ ثلاثة أشهر، وأنا غير مسجلة في الضمان، ولا تعطيني المستشفى إجازات أسبوعية، وعندما طالبت بأجري قال لي مدير المستشفى إذا لم يعجبك يمكنك ترك العمل والمغادرة" .
ماذا أظهر المسح الاجتماعي السريع للقطاع الصحي الذي أجراه المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين
وفي مسح اجتماعي سريع أجراه "المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين" للعاملين في القطاع الصحي (تشرين الأول 2021) أظهر تميّز القطاع الصحي في لبنان بغالبية من القوى العاملة النسائية (حوالي 55٪ من العاملين فيه من النساء، وبتمركزه في ثلاث مناطق رئيسة هي بيروت وجبل لبنان والبقاع (حوالي 77٪ من المؤسسات الصحية). وأنّ غالبية العمالة النسائية تتركّز في التمريض والمختبرات والصيدلة والإدارة والتنظيف.
كما أظهر المسح فروقات كبيرة في الأجور بين العاملين، (بلغ الفرق بين متوسط أجور الطبيب\ت والعمال\ت حوالي 21 مليون ل.ل.) وفروقات بين أجور العمال اللبنانيين وغير اللبنانيين، وغياب سلم للرتب والرواتب وعدم الالتزام بمراسيم غلاء المعيشة (71٪ من المؤسسات لا تلتزم بها).
وأظهر المسح أنّه نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية خفضت المؤسسات الصحية أجور العمال\ت، وحوّلت عدد منهم إلى دوام جزئي، وصرفت بعضهم الآخر دون دفع تعويضات لهم\ن وأظهر قصورا في التجهيز التام للمؤسسات للمعوقين ولذوي الاحتياجات الخاصة (حوالي 33٪ من المؤسسات غير مجهزة).
وظهر في المسح أيضا محدودية العمل النقابي في المؤسسات وبحصول إضرابات واحتجاجات فيه نتيجة عمليات الصرف والتأخر في دفع الأجور الناتجة عن الأزمة الاقتصادية والمالية والكورونا.
بالإضافة إلى وجود انحياز وتمييز لمصلحة العمال الذكور ضد العاملات الإناث، وحصول تحرّش جنسي في العديد من المؤسسات في أمكنة العمل. وانتهاك حق المرأة العاملة في إجازة أمومة مدفوعة الأجر، وعدم دفع أجور العمال\ت الذين أصيبوا بالكورونا، (65٪ من الذين تغيبوا عن العمل بسبب الإصابة بالكورونا أو بسبب الحجر والإقفال لم تدفع لهم أجورهم).
خاتمة
خلاصة القول أظهرت نقابات القطاع الصحي تقصيرا فاضحا في حماية العمال والعاملات من الضغوطات وفي منع الانتهاكات التي تعرضوا لها بسبب الكورونا وترافقها مع الانهيار المالي والاقتصادي. وعدم معرفة مصير الأموال التي رصدت لمساعدة العاملين في القطاع بالإضافة إلى غياب آلية حماية للذين واللواتي صرفوا من أعمالهم وتحولوا إلى عاطلين عن العمل أو حُولوا إلى دوامات جزئية وغُيّرت طبيعة عقود عملهم وعملهن. كما يتوجب على المعنيين من النقابات أو الجمعيات طرح تعديلات على قانون العمل اللبناني تحاسب على التحرّش في مكان العمل ومنع التمييز من أي نوع كان سواء بين العاملات والعمال أو بين العمال اللبنانيين وغير اللبنانيين ومنع الصرف تحت حجة القوة القاهرة إلا بأمر قضائي وبعد مراجعة قضائية.

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الطعن بقانونية هيئة مكتب الإتحاد العمالي العام يتفاعل: أعضاء هيئة المكتب برئاسة الأسمر  يتخلفون عن تزويد وزارة العمل بمحاضر انتخابات نقاباتهم   

الطعن بقانونية هيئة مكتب الإتحاد العمالي…

كانون1 29, 2021 184 عمالية ونقابية

الطعن بقانونية هيئة مكتب التحاد العمالي العام يتفاعل:

الطعن بقانونية هيئة مكتب التحاد العمالي …

كانون1 28, 2021 96 مقالات وتحقيقات

حراس الامن والحماية»: يعانون التهميش والاستغلال

حراس الامن والحماية»: يعانون التهميش وال…

كانون1 28, 2021 85 مقالات وتحقيقات

الحماية الاجتماعية للعاملين والعاملات مفقودة في القطاع الصحي في لبنان

الحماية الاجتماعية للعاملين والعاملات مف…

كانون1 28, 2021 270 مقالات وتحقيقات