مشكلات قطاع الادوية تتنامى.. فهل من مخرج؟

شباط 18, 2022

 

المرصد: 18-2-2022

ندى غازي – شبكة عملي - حقوقي
يشكل قطاع الادوية ركنا أساسيًا في النظامين الصحي والاقتصادي، الا ان لبنان لم يعطِ اهتمامًا كبيرًا لهذا القطاع لاسيما لناحية تحقيق الاكتفاء الذاتي من الدواء، بل دعم الاستيراد من الخارج بدل التصنيع المحلي، ما ساهم في انتشار شركات لاستيراد الدواء والمستلزمات الطبية، تتحكم بالأسعار وبالكميات.
إنّ كارتل الشركات المستوردة موجود في لبنان منذ سنة 1867، "نالت الشركات وكالات في أعوام 1897 و1927 و1946 و1959، فتشكّل العامود الفقري الأساسي للكارتيل" (سكرية 2021) .
كما يُشير موقع نقابة استيراد الدواء إلى أنّ عدد المؤسسات التي تمتلك إجازة والمرخص لها باستيراد وتوزيع الأدوية " يبلغ عددها حوالي 120 مؤسسة، ثلثهم متوقف أو غير موجود الآن في السوق، و44 مؤسسة تعمل وهي عضو في النقابة ويشكلون90 % من مستوردي الأدوية" والباقي غير منضوٍ في النقابة. هذه الشركات تحصل على منافع وامتيازات من الدولة وفقاً لدراسة أعدّها الاقتصاديّان إسحاق ديوان وجمال إبراهيم حيدر عن الشركات اللبنانية. أما أبرز الشركات المستوردة التي تستحوذ على أكثر من نصف السوق فهي: مرساكو، مجموعة فتّال، أبيلا أخوان، مستودع أدوية الاتحاد (Droguerie de l’Union)، وأومنيفارما (المفكرة القانونية 2020). تحصل هذه الشركات على دعم من مصرف لبنان لاستيراد الادوية من الخارج تجنبًا لعدم ارتفاع أسعارها، لكن قرار رفع الدعم جزئيا عن الادوية، ضاعف من قدرة هذا الشركات على التحكم بسوق الدواء الذي ارتفعت كلفته بشكل جنوني.
أما مصانع الادوية المرخص لها العمل في لبنان، فيبلغ عددها حوالي 12مصنعًا، يؤمن أكثر من 1200 دواء بالإضافة إلى الأمصال. تبلغ حصّة صناعة الأدوية المحليّة من حجم السوق 7% فقط. بالمقابل تبلغ نسبة استيراد الدواء والمستلزمات الطبية من الخارج 90% من احتياجاته (عراجي 2021).
أما شركات توزيع الادوية، فلا يوجد أرقام دقيقة حول عددها، فغالبيتها تابعة لشركات استيراد الدواء الموكلة بالاستيراد والتوزيع معًا. ويشير ج.ش الموظف لدى أحد شركات التوزيع إلى أنّ عدد شركات التوزيع هائل، لكن الشركات الاكثر انتشارًا ونشاطًا عددها حوالي 14 شركة.
فيما خص قطاع الصيدلة، فإنّ عدد الصيدليات في لبنان يفوق الـ 7000 صيدلية "أي 4 أضعاف العدد المطلوب في لبنان"، بحسب تصريحات نقيب الصيادلة السابق د. غسان الامين عام 2019. يحاول هذا القطاع الاستمرار بالرغم من "تراجع العمل وأزمة الدولار...نعيش كل يوم بيومه" حسب ما جاء على لسان غالبية الصيادلة الذين تحدثنا اليهم. كما يلفت أحد الصيادلة إلى ان حوالي 600 صيدلية أقفلت منذ عام 2020 حتى الآن جراء الأزمة الاقتصادية.
للوقوف أكثر على واقع هذا القطاع وقضاياه وصحة المعلومات والأرقام المتداولة، طلبنا تحديد لقاء مع كل من نقيب مستوردي الادوية ومصانع الادوية وبعض شركات الاستيراد، لكن حتى الان لا جواب.
العاملون في القطاع ما بين خيار الهجرة أو الرضوخ
يلفت الموظف ج.ش إلى ان العديد من زملائه تقدموا باستقالاتهم بسبب تدني رواتبهم، كما جرى صرف "القدماء" في الشركة " فمن أصل سبعة موظفين بقي اثنان فقط، والأغلبية منهم سافر للعمل في الخارج. ويضيف: "أعمل أكثر من 10 ساعات يوميًا، متنقلا بين المناطق من صيدلية إلى اخرى وراتبي لا يتخطى الـ 3 مليون ليرة "، الأمر الذي دفعني للاستقالة منذ حوالي شهر والبحث عن فرصة عمل في الخارج.

حلا خريجة علوم حياة كانت تعمل لدى شركة أدوية في منطقة الجناح، تلفت النظر إلى المشاكل العامة التي يعاني منها موظفي هذا القطاع تقول: “ألزمتنا الشركة في عقد العمل عدم ترك الوظيفة قبل سنتين من تاريخ بدء العمل تحت طائلة دفع مبلغ قدره ثلاثة آلاف دولار أميركي". كما تشير إلى المعاشات المتدنية في الشركة التي لم تتجاوز المليون ليرة حتى عام 2019. وتضيف: "الأوضاع ليست أفضل في باقي الشركات، فزملاء لي في شركة الامصال يعانون بدورهم من المعاشات المتدنية، فالشركة على اثر ارتفاع سعر صرف الدولار رفعت اسعار الأمصال من خمسة آلاف ليرة الى أربعين ألف ليرة، بينما قبض موظفيها رواتبهم على أساس سعر 2250 ليرة فقط وبالتالي انخفضت قيمة الراتب، فالموظف الذي كان يتقاضى 400$ على أساس سعر 1515 اصبح راتبه في الشركة حوالي 40$ فقط على سعر 22500.
موظفة اخرى (فضلت عدم التصريح عن اسمها) تشكو بدورها من تدني راتبها. فهي تخرجت من كلية الصيدلة وبدأت العمل منذ حوالي السنة لدى احدى الصيدليات في بيروت، تقوق: "معدل أجري في الساعة حوالي 12 ألف ليرة فقط أي ما يعادل 65 سنتًا فقط على سعر 22500 ليرة".
الصيادلة يعانون من نقص الادوية، زيادة التكاليف، والهاجس الامني...
يقول مدير احد الصيدليات في فرن الشباك الذي يعمل لوحده داخل صيدليته، انطلاقًا من رفضه توظيف أشخاص للعمل معه "ما بدي وجع راس، ومتابعة الضمان وغيره". معتبرًا ان المشاكل التي يعاني منها الصيادلة مردها "غياب الدولة".
نهى تعاني من مرض السكري، صودف تواجدها في الصيدلية تقول أنّ دخلها لا يتعدى المليون ونصف المليون ليرة، بحاجة شهريًا لشراء عبوة إبر الوخز لفحص معدل السكر في الدم، ثمنها مليون ومائتا ألف ليرة أي ما يوازي دخلها الشهري.
في السياق نفسه، تؤكد مديرة لإحدى الصيدليات في فرن الشباك على ان الأدوية التي لا توزع هي أساسية للمرضى ولا غنى عنها. كما أنّ سوء الأوضاع الراهنة دفعها الى تقليص عدد ساعات عمل موظفيها لعدم قدرتها على زيادة رواتبهم، "منذ بداية الازمة رفعت المعاشات بنسبة 50% لكن الآن لم أعد اتحمل أي زيادة أخرى"، مضيفة: “في حال رفع بدل الإيجار، قد تقفل غالبية الصيدليات".
روجيه مدير صيدلية في مارالياس يتحدث بدوره عن المعاناة التي يتحملها الصيدلي، من بينها تردي الاوضاع الامنية في البلد. يقول وهو يشير الى الرفوف الفارغة: "70% من الناس تسأل عن أدوية غير متوفرة وكلفة الدواء الباهظة تدفع الناس إلى اللجوء لأدوية بديلة إن وجدت أصلا، كما أنّ ارتفاع كلفة اشتراك الكهرباء والإنترنت إضافة إلى الضرائب المتوجبة على الصيدلي من بلدية ومالية وغيرها جعل مسألة التوظيف امر صعب"، ويضيف: "في الآونة الاخيرة وبسبب تردي الاوضاع الأمنية، أصبحنا أنا وزملائي في الشارع نقفل باكرًا تخوفًا من أي تعدي أو سرقة...فلا أحد يحمينا".
إنّ مشكلة قطاع الادوية متشعبة ومعقدة، وهو كسائر القطاعات ضحية الفساد والسياسات الخاطئة التي تعتمدها الجهات المعنية المعروفة منها وغير المعروفة. ان دعم الدولة لكارتل شركات الاستيراد وإهمال التصنيع المحلي، سمح لشركات الاستيراد التحكم بسوق الدواء لناحية السعر والكميات. إنّ رفض شركات الاستيراد الكشف عن أي معلومات، كذلك تحفّظ الصيادلة الذين قابلنهم عن ذكر الشركات المستوردة، يثير الكثير من الشكوك والتساؤلات. أما فيما خصّ موظفي قطاع الادوية، فهم يواجهون أحد الخيارين، الهجرة أو البقاء وتحمل الظروف القاسية. يبقى الحل بإعداد خطة طوارئ تنتشل هذا القطاع الحيوي الأساسي من أزمته وتخفف عن العامل والمواطن القهر والذل اللذين يتعرضان لهما.

 

 

 

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
رابطة موظفي الادارة العامة: الاضراب مستمر

رابطة موظفي الادارة العامة: الاضراب مستم…

تموز 07, 2022 8 مقالات وتحقيقات

زيادات "غب الطلب" على رواتب القطاع العام قد تبقى حبراً على ورق في أحسن الأحوال الدولة الشرهة على الفساد "تنهش" من "أكتاف" موظفيها

زيادات "غب الطلب" على رواتب ال…

تموز 07, 2022 8 مقالات وتحقيقات

مافيا الطحين بالأسماء: متى يستفيق القضاء؟

مافيا الطحين بالأسماء: متى يستفيق القضاء…

تموز 07, 2022 8 مقالات وتحقيقات

الكهرباء تحت رحمة شركة خاصة: الفيول ليس المعضلة الوحيدة -

الكهرباء تحت رحمة شركة خاصة: الفيول ليس …

تموز 07, 2022 9 مقالات وتحقيقات

الاضراب المفتوح يشلّ القطاع العام المتعثر ولا حلول فعالة في الافق

الاضراب المفتوح يشلّ القطاع العام المتعث…

حزيران 22, 2022 270 مقالات وتحقيقات

الأحكام الدستوريّة تضمن تسديد الودائع بقيمتها الفعليّة... هل يفتح القضاء أبواب المساءلة الجدّية؟

الأحكام الدستوريّة تضمن تسديد الودائع بق…

حزيران 19, 2022 96 مقالات وتحقيقات

موظفو الإدارة العامة يتقاضون دولاراً في اليوم ويُحرمون من المساعدة الاجتماعية وبدل النقل الدولة المحتضرة "تقتل" من يخدمها

موظفو الإدارة العامة يتقاضون دولاراً في …

حزيران 14, 2022 115 مقالات وتحقيقات

تعريف المرصد

حزيران 10, 2022 102 من نحن

إضراب مفتوح لموظّفي الإدارة العامة بدءاً من هذا التاريخ

إضراب مفتوح لموظّفي الإدارة العامة بدءاً…

حزيران 09, 2022 554 مقالات وتحقيقات

الحرارة تعود إلى "المطبخ" التشريعي والعين على "النضوج" الإصلاحي التغيير الحقيقي يبدأ في إقرار المتأخر من القوانين

الحرارة تعود إلى "المطبخ" التش…

حزيران 09, 2022 111 مقالات وتحقيقات

مؤسسات لم تطبق زيادة "غلاء المعيشة".. هل ستلتزم؟

مؤسسات لم تطبق زيادة "غلاء المعيشة…

حزيران 08, 2022 129 مقالات وتحقيقات

الشعبوية وانعدام النية لإصلاح "الطاقة" يكبّدان المواطنين أكلافاً بعشرات الأضعاف التوازن المالي في "الكهرباء" المقدمة للاستغناء عن المولّدات

الشعبوية وانعدام النية لإصلاح "الطا…

حزيران 08, 2022 90 مقالات وتحقيقات