حقوق العمال تتآكل في ظل استسلام عمالي وكسل نقابي وتجاهل رسمي

كانون1 17, 2018

- المرصد

مريم سيف الدين- في ظل الوضع المعيشي الصعب وتراجع فرص العمل، تتآكل حقوق العمال حتى يكاد يتحول العمل إلى عبودية. فبالكاد تحصل شريحة كبيرة من العمال على ما يكفيها للإستمرار على قيد الحياة، للعودة إلى العمل كل يوم. ويزداد تحايل أصحاب العمل على قانون العمل، عبر التوظيف بعقود متجددة أو عقود شفهية للتهرب من تثبيت العمال وتسجيلهم في الضمان الإجتماعي، ترقيتهم ومنحهم العطل والتعويضات. وأيضاً عبر الضغط على العمال بهدف صرفهم تعسفياً بشكل مقنع، فيما تبدو الدولة غائبة عن المشهد.

في مقابل كل هذا، يغيب العمل النقابي الفعلي الذي يهدف إلى الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة. وتأتي انتخابات وتعيينات نقابية بين الحين والآخر، لتذكر فجأة بوجود نقابات. أما الإتحاد العمالي العام والذي عيِّن "الهيئة الأكثر تمثيلا للأجراء على جميع الأراضي اللبنانية"، فيظهر بمظهر المتآمر على العمال إن من خلال الصمت حيال مسائل جوهرية تمسهم، أو من خلال تماشيه، من حيث يدري أو لا يدري، مع رغبة السلطة المواجهة للعمال. وبحسب جريدة الأخبار، فإن رئيس الإتحاد بشارة الأسمر شارك رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد، ورئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير في زيارة  لرئيس الجمهورية ميشال عون قدما خلالها ورقة اقتصادية تتضمن طروحات ضدّ العمال، لا بل تشير بوضوح إلى أن الأزمة الاقتصادية سببها إقرار سلسلة الرتب والرواتب!

أسباب الكسل النقابي:

السبب الأبرز لتراجع العمل النقابي والذي بات معلوماً لأي لبناني سواء كان مطلعاً أم لا على الشأن العمالي، فهو هيمنة الأحزاب على النقابات وتقويض دورها، لتتحول هي الأخرى إلى وسيلة لتحقيق منافع فئوية ضيقة. لكن عوامل أخرى تساهم أيضاً في تراجع العمل النقابي.

يرى الدكتور نجيب عيسى، الباحث في شؤون العمل، أن التراجع في العمل النقابي ظاهرة عالمية. ويقول أنه حتى البلدان المتقدمة التي انطلق منها العمل النقابي باتت تشهد تراجعاً فيه. فهناك عوامل عالمية مشتركة، وعوامل أخرى خاصة بلبنان. من العوامل العالمية مسألة الصناعة، فالصناعة كانت مهد قيام الحركات النقابية، لكن انتقالها إلى البلاد الآسيوية، وتجزئة العملية الإنتاجية حيث لم يعد هناك تجمع واحد للعمال المشاركين في عملية الإنتاج ساهما بتراجع تضامن العمال. وكذلك دفع التقدم التكنولوجي بالعديد من العمال للعمل من المنزل، وهو ما ساهم أيضاُ بإضعاف تجمع العمال، وبالتالي العمل النقابي. كذلك فإن ضعف الأحزاب العمالية واليسارية يؤدي إلى تعطيل العمل النقابي.

يشرح عيسى أن هذه العوامل العالمية يضاف إليها في لبنان عوامل إضافية كتفشي الأعمال الهامشية التي لا يمكن على أساسها اجتماع عمال تربطهم مصالح مشتركة. وتراجعت الصناعات اللبنانية في السنوات الأخيرة، فيما بقي قطاع الخدمات القطاع الأساسي، والخدمات بطبيعتها قطاعات متفرقة لا مصالح تجمع عمالها. سبب أهم يؤدي إلى تفرق العمال، وهو صغر حجم المؤسسات اللبنانية، "فما بين 90 و95% من مؤسسات الإنتاج صغيرة حيث لا يتجاوز عدد العمال 10 أشخاص، كما تأخذ المؤسسات طابع عائلي".

يلفت عيسى أنه وفي ظل ارتفاع نسب البطالة يصبح هم العمال الحفاظ على عملهم، فلا يتحمسون للمطالبة بتحسين ظروف العمل والأجور. ويذكر بالإنقسامات السياسية والإجتماعية ذات طابع الطائفي، حيث يتدخل الزعيم في منح فرص العمل، فتصبح العلاقة بين العامل والزعيم بدل العامل والنقابة، و"من هنا العديد من التحركات النقابية كانت بتوجيهات من زعيم".

 

تجربة عمال سبينيس

 

يؤكد سمير طوق، أحد مؤسسي نقابة عمال سبينيس، الدور الذي يلعبه خوف العمال من خسارة وظيفنهم في ردعهم عن المطالبة بحقوقهم. فحتى عندما أقرَّ مجلس الوزراء مرسوماً قضى بزيادة أجور هؤلاء العمال، ورغم رفض الإدارة في حينها تنفيذ المرسوم غير أن قلة من عمال المؤسسة ناضلت بهدف الضغط على الإدارة من أجل تطبيقه. ولم يكمل المعركة سوى أربعة عمال تعرضوا للترهيب والترغيب، عملت الشركة على الضغط عليهم عبر الصرف غير المباشر.

يقول طوق:" حاولنا مع مجموعة صغيرة إقناع الناس داخل المؤسسة بضرورة المطالبة بتطبيق مرسوم الأجور. وخلقنا بدائل لكننا لم نتمكن من إقناع الناس. فقد ووجهنا بالتهويل على الموظفين، عدد منهم قال لنا بأن تحركاتنا ستخرب المؤسسة وستضر بالعاملين فيها. كما رفض البعض المطالبة بحقه بحجة أن لا فرص عمل بديلة في حال طرد من عمله".

لكن الصورة لم تكن سوداوية بالكامل، فقد تمكن عمال سبينيس من إنشاء نقابة. وبحسب طوق دفع ضغطهم بالإدارة لتثبيت بعض العمال الذين كانت تنوي تسريحهم ومنح زيادة لآخرين خشية انضمامهم إلى النقابة. يرى طوق أن الإكراه علق في ذهن العاملين أكثر من صمود المطالبين، وأن مفاعيله كانت أوضح من مفاعيل الإنجازات التي تحققت. "فالعاملين شاهدوا أن زملاؤهم طردوا ولم ينظروا إلى المسار الآخر".

بالنسبة لطوق تكمن المشكلة بالفهم الناقص لمسألة الحقوق، وبأن العمال بحالة خضوع للأمر الواقع، يعتقدون أن الحق هو ما يفرضه صاحب العمل. أما الأخطر فتسليمهم بأن لا إمكانية للقيام بأي شيء وبأن القرار بيد صاحب العمل، "فغالبية الناس تستضعف نفسها".

 

ضرورة تدخل الدولة:

يشير الباحث غسان صليبي إلى أن التراجع الذي نشهده، سببه التراجع على عدة مستويات: الدولة والعمال وأصحاب العمل. "فلسنا في دولة عادلة، والدولة لا تتدخل حتى في المكان الذي يمكنها التدخل فيه أو الذي اعتادت على التدخل فيه لصالح العمال. وقد زاد الوضع الإقتصادي السيء الأمور سوءًا، إذ يشكل ظرفاُ غير ملائم للمفاوضات. وهو ما قد يكون صحيحاً أحياناً وحجة للتهرب في أحيان أخرى".

يشدد صليبي على ضرورة تدخل الدولة في المفاوضات بين العمال وأصحاب العمل لإيجاد حل للمشاكل المطروحة. فسلطة أصحاب العمل قوية جداً في لبنان، ويمكن ردعها إما بضغط من قوة عمالية تمثيلية، أو ضمن أطر من خلال الحوار الإجتماعي. لكن ضعف القوة العمالية التمثيلية وافتقاد معظم النقابات والقطاعات للأطر اللازمة للقيام بمفاوضات جماعية لا تمكن العمال من الدفاع عن حقوقهم بمفردهم. "لذلك هناك حاجة ً لنوع من التدخل من قبل السلطات لتسهيل الوصول إلى اتفاقيات. فوظيفة الدولة القيام بوساطة للوصول إلى اتفاقات مشتركة".

عن تجربة سبينيس يقول صليبي أنها افتقدت لدعم من قبل نقابة قطاعية تضغط على أصحاب العمل, "فمن الخطأ استراتيجياً البدء بتأسيس نقابة في المؤسسة وحدها لأن في ذلك عزل للنفس. بل يجب توزيع القوى على عدة مؤسسات لتخفيف الضغط عن عمال المؤسسة".  يضيف "لا يمكن تحميل  العمال وحدهم مسؤولية ما جرى، فهم لم يتمكنوا من تحقيق أهدافهم لظروف سياسية وغير سيايسية".

العبء المالي يمنع العمال من الإدعاء:

تذكر المحامية المختصة في شؤون العمل ميراي نجم شكرالله أن المشكلة في لبنان تكمن أيضاً في غياب وجود ممثل عن الأجراء في المؤسسات، والذي تكون وظيفته التفاوض مع المدير باسم العمال. وحتى على الصعيد الفردي يتدخل عامل الخوف ويمنع العمال من التقدم بشكوى ضد صاحب العمل. "هم لا يشتكون إلا لدى خسارة كل شيء". وتضيف أنه وحتى بعد خسارة العمل قد لا يدعي العمال على صاحب العمل حتى وإن لم يمنحهم أجرهم، "فأحياناً تتجاوز تكاليف الإدعاء المال الذي سيحصله العامل، فيفضل عدم الإدعاء في ظل غياب قانون يفرض على صاحب العمل دفع تكاليف الدعوى في حال خسرها". وتلفت أن نقابات المهن الحرة قوية لأنها تملك طابعاً مختلفاً عن النقابات العمالية حيث تنخفض جداً نسب الإنتساب.

 

بديل العمل النقابي:

يجمع عيسى وصليبي على عدم إمكانية توقع ملامح أي إطار جديد قد يشكل بديلاُ عن العمل النقابي أو آلية جديدة تمكن العمال من الدفاع عن مصالحهم. فوفق عيسى "الجديد لا يمكن تخيله إنما يرتكز على الواقع، وعلينا أن ننتظر تطور البيئة الإنتاجية في لبنان، وعلى ضوئها يمكن معرفة إمكانية نشوء حركة عمالية جديدة". ووفق صليبي لم تظهر حتى الآن بوادر ظهور شكل آخر، فهناك فقط بعض التحركات في ظل استرخاء عام. بينما ترى شكرالله أن للنقابات هيكلية جيدة يمكن الإستمرار من خلالها، لكن القانون بحاجة لبعض التعديلات،  منها ما يتعلق بالحاجة لإذن مسبق لتشكيل نقابة وهو ما يتعارض مع المواثيق الدولية.

  1. الأكثر قراءة
حركة طلابية لمواكبة الحراك المطلبي

حركة طلابية لمواكبة الحراك المطلبي

كانون2 18, 2019 0 تربية وتعليم

الزميل مرتضى إلى «المطبوعات»

الزميل مرتضى إلى «المطبوعات»

كانون2 15, 2019 10 أخبار

فرمان عثمان: إدفعوا لنقمعكم!

فرمان عثمان: إدفعوا لنقمعكم!

كانون2 15, 2019 10 المجتمع المدني

الثورة التكنولوجية تتطلب اختصاصات ووظائف جديدة... استعدوا لها

الثورة التكنولوجية تتطلب اختصاصات ووظائف…

كانون2 15, 2019 21 مقالات وتحقيقات

حكم بالحبس على مايكل رايت: عمال سبينس يربحون الجولة الأولى

حكم بالحبس على مايكل رايت: عمال سبينس ير…

كانون2 11, 2019 937 مقالات وتحقيقات

أين تعويضات موظفي أوجيرو؟

أين تعويضات موظفي أوجيرو؟

كانون2 09, 2019 24 عمالية ونقابية

لماذا لا يقول سلامة الحقيقة في قضية «سيدروس»؟

لماذا لا يقول سلامة الحقيقة في قضية «سيد…

كانون2 09, 2019 30 مقالات وتحقيقات

قضايا العمال والموظفين في التشريعات النفطية تنتظر توضيحات

قضايا العمال والموظفين في التشريعات النف…

كانون2 08, 2019 48 مقالات وتحقيقات

«ماكنزي»: خفض الرواتب وزيادة الـ TVA!

«ماكنزي»: خفض الرواتب وزيادة الـ TVA!

كانون2 07, 2019 31 مقالات وتحقيقات

العمالي ينفّذ «إضراباً منزلياً»: ضرب سياسي أم فخّ من «سبعة»؟

العمالي ينفّذ «إضراباً منزلياً»: ضرب سيا…

كانون2 04, 2019 39 مقالات وتحقيقات

الاضراب العام والاحتجاجات بين التحرك العفوي والتحريك السياسي

الاضراب العام والاحتجاجات بين التحرك الع…

كانون2 03, 2019 147 مقالات وتحقيقات

منتوجات إسرائيلية في «سبينيس»؟

منتوجات إسرائيلية في «سبينيس»؟

كانون2 03, 2019 54 عمالية ونقابية

غداً إضراب... العمال يلتزمون و«الهيئات» تتحفّظ

غداً إضراب... العمال يلتزمون و«الهيئات» …

كانون2 03, 2019 40 مقالات وتحقيقات

عام 2018 :فضيحة الشهادات المزورة ومخالفات الجامعات السلسلة تراوح في المدارس الخاصة ونكسات في التعليم الرسمي

عام 2018 :فضيحة الشهادات المزورة ومخالفا…

كانون2 02, 2019 37 مقالات وتحقيقات

«الضمان» يُلاحق أكثر من ألف طبيب

«الضمان» يُلاحق أكثر من ألف طبيب

كانون1 26, 2018 47 مقالات وتحقيقات

الحراك المطلبي: للخروج من عشوائية المطالب نحو توحيدها وتحديدها

الحراك المطلبي: للخروج من عشوائية المطال…

كانون1 24, 2018 82 مقالات وتحقيقات

الدليل في تقديم الشكاوى (مجلس العمل التح…

كانون1 21, 2018 67 منشورات المرصد

الدليل في عقود العمل

كانون1 20, 2018 70 منشورات المرصد

التقرير السنوي للتحركات والاحتجاجات للعا…

كانون1 20, 2018 69 منشورات المرصد

تقرير التحركات الاحتجاجية والمطلبية للعا…

كانون1 20, 2018 64 منشورات المرصد

تقرير التحركات والتحركات والاحتجاجات للعام 2013

تقرير التحركات والتحركات والاحتجاجات للع…

كانون1 20, 2018 71 منشورات المرصد

قصور النظام الصحي: «البقاء للأغنى»!

قصور النظام الصحي: «البقاء للأغنى»!

كانون1 19, 2018 60 مقالات وتحقيقات