الفساد ليس فقط مالي: نموذج نقابة معلّمي الخاص

تشرين2 11, 2019

نعمة نعمة

11-11-2019

لقد بات معلومًا كيف تعمل أحزاب السلطة، فهي تتوحّد في لائحة توافقية في وجه أي معارض أو كتلة مستقلّة. وقد شهدت السنوات السابقة انتخابات نقابية ومهنية عديدة نجح فيها هذا التوافق في كمّ أفواه النقابيين المستقلّين ما عدا بعض الإستثناءات، لماذا، وما مصلحة أحزاب السلطة المباشرة وغير المباشرة في هذا التوافق وكيف تستفيد منه؟
نموذج نقابة المعلّمين في القطاع الخاص يوضح بعض جوانب الإفادة للسلطة.
لما طالبت هيئة التنسيق النقابية بتصحيح الأجور وبعد نضال استمرّ عدة سنوات، تمّ إقرارالقانون 46 في 8/2017 (النسخة الأولى) أي قبل الإنتخابات النيابية بـ 9 أشهر.
أقرّ المجلس النيابي مكرهًا القانون 46 مدفوعًا بضغط الشارع ولإرضاء الحشد (ناخبيهم) في تظاهرات هيئة التنسيق قبيل الانتخابات النيابية وهكذا برّأ المجلس نفسه من قضم حقوق الناس.
من المفيد التذكير أن التكتلات النيابية هي عبارة عن ترداد لرأي الزعماء وهم 5 أو 6 شخصيات تتكرر وجوههم في كل من المجلس النيابي والحكومة والعديد من الهيئات الرقابية والقضائية والشركات والمؤسسات الكبرى والمصارف والنقابات.
واستكان الشارع، فالمال المدفوع في القطاع العام هو مال الدولة – لا مشكلة، أمّا قطاع التعليم الخاص لم يحصل على حقوقه، لماذا؟
بكل بساطة لأنّ المؤسسات التربوية مملوكة من هيئات ومؤسسات دينية وغير دينية وأفراد على صلة بالزعماء أو تابعة لهم أو لها مصالح مشتركة معهم أو غيره. وكان العذر القبيح للرفض أن السلسلة سترفع أقساط المدارس على الأهالي، أما الحقيقة فهي أن أرباحهم ستتدنى لأن أي تغيير في الأقساط سيرفع منسوب الغضب عند الأهالي ويدفعهم للمطالبة بتطبيق القانون 515 ومراقبة تنفيذه وهو الناظم للموازنات المدرسية الذي تغاضوا عن وجوده عشرات السنوات وعطّلوه.
نقابة المعلمين (التابعة لنفس الزعماء) مدفوعة بضغط منتسبيها تطالب بتنفيذ القانون 46، المؤسسات التربوية (التابعة للزعماء أو ذوي المصالح المتقاطعة مع الزعماء) ترفض تطبيق القانون 46 بغطاء واضح من السياسيين وترفع الأقساط المدرسية (للضغط من خلال صرخة الأهالي).
النقابة تعرف سلفًا ان مطالبها لن تتحقق لأن أصحاب المؤسسات وبغطاء سياسي من نفس الزعماء ترفض تنفيذ القانون 46 ومعه القانون 515 وبالتالي تعرف أنها حتى لو تقدمت بإستشارة إلى الهيئات القضائية المعنية .. لن تقوم المؤسسات بتنفيذ القانون 46 أو 515 لأنه يضرّ بمصلحة الزعماء الشركاء في المؤسسات التربوية وزعماء النقابة معًا.
وتلعب الحكومة (عبر وزير التربية) وأحياناً رئاسة الجمهورية دور الوسيط الشكلي لطمس تنفيذ القانونين 46 و515 كما يجب كونهما جزء من السلطة التنفيذية والرقابية (المؤلفة من الزعماء أنفسهم) فلا يقومان إلا بتأجيل وتفريغ وطمس وتحوير الحقوق وتسويف تنفيذ القانون لحماية مصالحهم ومصالح أصحاب المؤسسات التربوية كما إحكام سيطرتهم على المحاكم التربوية وتعطيلها وكل المرجعيات القضائية والرقابية.
وتظهر مؤشرات تسييس هيئة النقابة برفضها لشعارات الثورة والحراكات المطلبية ومن ضمنها "كلن يعني كلن" كما يصرح النقيب رودولف عبود بالإضافة الى الشتائم التي أطلقها بعض المتظاهرين، فالواضح أن قرار الزعماء على مختلف مشاربهم يرفضون هذا الحراك- الثورة من خلال تغييب النقابات عن الساحة، مع العلم أن العديد من غالبية المعلّمين والمعلمات والمستقلين من النقابات تشارك بشكل كبير وقد إبتدعت أطر مختلفة للتعبير مثل "مهنيات ومهنيين مع الحراك".
نقابة المعلمين التابعة للزعامات كان بإمكانها المشاركة بوضع أسس تحركها وخط سير ولائحة مطالب ومشاركة آلاف العائلات والتلامذة الذين ينزلون إلى الشارع وتضُمّ لائحة مطالبها إلى الحراك المطلبي وتكون جزءً من الشعب وحقوقه.
الفساد لا يعني بالضرورة سرقة المال العام، بل يعني أيضًا التغاضي عن تنفيذ القوانين وخلق نقابات تابعة تتعمد تعطيل تنفيذ القوانين. نقابة المعلمين كما غيرها من النقابات ليست سوى أداة لقمع الحريات والمراوغة فلا منطق ان تكون النقابة ممثلةً لزعماء هم انفسهم أصحاب المؤسسات أو مستفيدون منها يمتنعون عن تنفيذ قانون أقرّه نفس الزعماء في المجلس النيابي والمقترح من حكومة مؤلفة من نفس الزعماء وبتغاضي قضاء مُكلَّف ومُعَيِّن من الزعماء!
أليس هذا بفساد يدفع ثمنه حوالي 40 ألف معلم ومعلمة في القطاع الخاص.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة