من يحمي النساء من عنف الدولة والأديان؟

تشرين2 27, 2016

 

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-11-26 على الصفحة رقم 4 – لبنان

 

قبل شهر من اليوم وعندما كان القاضي جون القزي يلقي إحدى محاضراته حول كتابه «القاضي اللبناني في مواجهة قوانين العالم» عن الزواج المدني، وقف رجل بين الحضور وقال: «غداً سأزوج ابني وفق قوانين الأحوال الشخصية الدينية ولكن لن اقبل بتزويج ابنتي إلا مدنيا». الرجل نفسه وردّاً على التفات الحضور نحوه، فسّر لهم أن الزواج المدني يحمي ابنته ويحقق لها المساواة مع زوجها، أما الزواج الديني، فيصب لمصلحة ابنه.
اليوم، ومع بداية حملة الـ 16 يوماً العالمية لمواجهة العنف ضد النساء، يجد المجتمع المدني والنسوي اللبناني نفسه أمام حقيقة ليست بجديدة، ولكن مجريات الأمور سواء في قضية بحجم الممانعة الشرسة لمنح المرأة اللبنانية جنسيتها، إلى سجن فاطمة حمزة لإصرارها على حقها بحضانة طفلها، ربما تعيد ترتيب الأولويات المتمثلة بكيفية مواجهة عنف الدولة والأديان ضد النساء.
تتصدر هذه الأولوية الآن بعدما نجح الحراك المدني والنسوي في لبنان في فرض قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري قبل عامين ونصف، مع التحفظ على بعض بنوده وعلى رأسها تجريم الأذى الجسدي الناتج عن الاغتصاب الزوجي وليس فعل الاغتصاب نفسه، إلى ربط حماية أولاد المرأة المعنّفة معها بسن الحضانة، كما إطاحة النيابة العامة الأسرية ومحكمة الأسرة، على سبيل المثال.
وليس أفضل من نتائج تطبيق قانون العنف الأسري لتبيان أهميته وهو الذي أدى حتى اليوم إلى صدور نحو 170 قرار حماية لمصلحة النساء المعنّفات، فيما تشير أرقام منظمة «كفى عنفاً واستغلالاً» إلى وصول أعداد النساء اللواتي يطلبن المساعدة إلى الف سيدة جديدة سنوياً، في «كفى» وحدها.
وفي إطار مواجهة عنف الدولة والأديان نفسه، يعود النقاش إلى بديهيات التكتيك النضالي: هل كان علينا أن نخوض حرباً شاملة نحو تحقيق الدولة المدنية ووضع قانون لبناني مدني للأحوال الشخصية؟ أم نكسب معارك صغيرة من هنا وهناك في طريقنا نحو «النضال الأكبر»؟
فالدولة تتسلح بالمادة التاسعة من الدستور لتتخلى عن واجبها في وضع قانون لبناني موحد للأحوال الشخصية وتعاملنا كرعايا في طوائفنا وليس مواطنين فيها. وعلى سيبة النظام الطائفي تصلب النساء وحقهن بمنح جنسيتهن لأسرهن مراعاة لذريعة التوازن الديموغرافي الطائفي. هنا تتطيح الدولة بمبدأ المساواة بين جميع المواطنين الذي تنص عليه المادة السابعة من الدستور في انتقائية يسعى المسؤولون عبرها إلى تبرير الذهنية الذكورية والأبوية التي تحكم البلاد.
وتكمن كارثة الكوارث في المادة 522 من قانون العقوبات التي تكافئ المغتصب بمنع العقاب عنه في حال «عقْد زواج صحيح بين الضحية والجاني». فعن أي زواج «صحيح» نتحدث بين مغتصِب ومغتَصبة؟ اليس في المادة تشجيع واضح لأي رجل ترفضه امرأة فيقوم باغتصابها للزواج منها؟ وألا تكافئ الدولة الجاني بدل معاقبته؟
أما التمييز في القوانين الاقتصادية، وبرغم ما تم تعديله حتى الآن، ما زال أمامنا الكثير، عدا أن ملفات قتل النساء في المحاكم لم تصل إلى خواتيمها المرجوة.
ومن عنف الدولة إلى عنف الأديان التي تزوج القاصرات ـ الأطفال، وتجعل الرجال قوامين على النساء بعيداً عن أي مساواة تنسجم مع روحية الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تعهّد لبنان بها، مروراً بسن الحضانة المتدني والمخالف لشرعة حقوق الطفل، وحرمان الأمهات من أولادهن في حال الطلاق، وتبرير الاغتصاب الزوجي تحت شعار الحق بالجُماع وترك الاستنسابية لرجال الدين في تحديد النفقة التي غالباً ما يتهرب الزوج منها.
في الطريق نحو تحقيق الدولة المدنية وقانون لبناني موحد للأحوال الشخصية لا بد من تعليق بعض الأمل على دور القضاء وخصوصاً قضاة الأحوال الشخصية الذين يمكنهم الإفادة من حقيقة قدم القوانين وعدم تماشيها مع العصر للاجتهاد والخروج بأحكام منصفة للنساء في وجه التمييز الديني الصارخ نحوهن.
هنا، لا يسعنا سوى تذكر القاضي فوزي خميس (عندما كان قاضي أحداث) حيث أصدر قراراً بحماية قاصر خلافاً لقوانين الأحوال الشخصية مراعياً مصلحة الطفل العليا، وكذلك منح القاضي جون القزي (قاضي الأحوال الشخصية) الوصاية على الأطفال لسيدة متزوجة مدنياً، وسمح لعائلة أخرى بالتبني ضمن زواج مدني أيضا وشطب عبارة غير شرعي عن قيد الطفلة المتبناة، برغم المانع الديني في الحالتين.

 

  1. الأكثر قراءة
حركة طلابية لمواكبة الحراك المطلبي

حركة طلابية لمواكبة الحراك المطلبي

كانون2 18, 2019 0 تربية وتعليم

الزميل مرتضى إلى «المطبوعات»

الزميل مرتضى إلى «المطبوعات»

كانون2 15, 2019 10 أخبار

فرمان عثمان: إدفعوا لنقمعكم!

فرمان عثمان: إدفعوا لنقمعكم!

كانون2 15, 2019 10 المجتمع المدني

الثورة التكنولوجية تتطلب اختصاصات ووظائف جديدة... استعدوا لها

الثورة التكنولوجية تتطلب اختصاصات ووظائف…

كانون2 15, 2019 21 مقالات وتحقيقات

حكم بالحبس على مايكل رايت: عمال سبينس يربحون الجولة الأولى

حكم بالحبس على مايكل رايت: عمال سبينس ير…

كانون2 11, 2019 937 مقالات وتحقيقات

أين تعويضات موظفي أوجيرو؟

أين تعويضات موظفي أوجيرو؟

كانون2 09, 2019 24 عمالية ونقابية

لماذا لا يقول سلامة الحقيقة في قضية «سيدروس»؟

لماذا لا يقول سلامة الحقيقة في قضية «سيد…

كانون2 09, 2019 30 مقالات وتحقيقات

قضايا العمال والموظفين في التشريعات النفطية تنتظر توضيحات

قضايا العمال والموظفين في التشريعات النف…

كانون2 08, 2019 48 مقالات وتحقيقات

«ماكنزي»: خفض الرواتب وزيادة الـ TVA!

«ماكنزي»: خفض الرواتب وزيادة الـ TVA!

كانون2 07, 2019 31 مقالات وتحقيقات

العمالي ينفّذ «إضراباً منزلياً»: ضرب سياسي أم فخّ من «سبعة»؟

العمالي ينفّذ «إضراباً منزلياً»: ضرب سيا…

كانون2 04, 2019 39 مقالات وتحقيقات

الاضراب العام والاحتجاجات بين التحرك العفوي والتحريك السياسي

الاضراب العام والاحتجاجات بين التحرك الع…

كانون2 03, 2019 147 مقالات وتحقيقات

منتوجات إسرائيلية في «سبينيس»؟

منتوجات إسرائيلية في «سبينيس»؟

كانون2 03, 2019 54 عمالية ونقابية

غداً إضراب... العمال يلتزمون و«الهيئات» تتحفّظ

غداً إضراب... العمال يلتزمون و«الهيئات» …

كانون2 03, 2019 40 مقالات وتحقيقات

عام 2018 :فضيحة الشهادات المزورة ومخالفات الجامعات السلسلة تراوح في المدارس الخاصة ونكسات في التعليم الرسمي

عام 2018 :فضيحة الشهادات المزورة ومخالفا…

كانون2 02, 2019 37 مقالات وتحقيقات

«الضمان» يُلاحق أكثر من ألف طبيب

«الضمان» يُلاحق أكثر من ألف طبيب

كانون1 26, 2018 47 مقالات وتحقيقات

الحراك المطلبي: للخروج من عشوائية المطالب نحو توحيدها وتحديدها

الحراك المطلبي: للخروج من عشوائية المطال…

كانون1 24, 2018 82 مقالات وتحقيقات

الدليل في تقديم الشكاوى (مجلس العمل التح…

كانون1 21, 2018 67 منشورات المرصد

الدليل في عقود العمل

كانون1 20, 2018 70 منشورات المرصد

التقرير السنوي للتحركات والاحتجاجات للعا…

كانون1 20, 2018 69 منشورات المرصد

تقرير التحركات الاحتجاجية والمطلبية للعا…

كانون1 20, 2018 64 منشورات المرصد

تقرير التحركات والتحركات والاحتجاجات للعام 2013

تقرير التحركات والتحركات والاحتجاجات للع…

كانون1 20, 2018 71 منشورات المرصد

قصور النظام الصحي: «البقاء للأغنى»!

قصور النظام الصحي: «البقاء للأغنى»!

كانون1 19, 2018 60 مقالات وتحقيقات