المتعايشون مع فيروس نقص المناعة المكتسب "الإيدز" في سوق العمل اللبناني

تموز 08, 2019
  • المرصد

حنان حمدان- "جبروني وقع طلب استقالتي وهددوني ما يعطوني معاش الشهر يلي اشتغلتوا حتى بعد ما قدمت استقالتي ما دفعوا معاشي ولا التعويض" (رجل 33 سنة).

"اتصلوا فيني تاني نهار بالشغل انو تما بقى ايجي، كحتوني وحتى ما عرضوا علي اشتغل شغل اداري\مكتبي او بغير قسم ما بيكون في تعامل مباشر مع مريض مع الدم" (رجل 24سنة).

"واحد من الموظفين فتش بغراضي وعرف عم باخد دوا الـ"إيدز" طردوني من دون ما يدفعوا تعويض.. مع إني كنت اشتغل على الإستقبال" (رجل 39 سنة).

إحصاءات

هذه حالات من قصص كثيرة حصلت وتحصل باستمرار مع أشخاص مصابين بالـ"إيدز" في لبنان، ممن يتعرضون للإنتهاك والتمييز والتهميش في مكان العمل، مثلما يحصل في كل الحيز العام. لاسيما أنّ عدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشريّة المكتسب الـ "HIV" أو ما يعرف بالـ"إيدز/السيدا" بلغ حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2018، 2366 إصابة في لبنان مسجلين لدى وزارة الصحة، وفق إحصاءات البرنامج الوطني لمكافحة الـ "إيدز" التابع للوزارة.

وقد سجل في العام 2018 لوحده 160 إصابة جديدة. وبحسب البرنامج فإن 98 في المئة من هذه الإصابات حصلت عن طريق علاقات جنسية غير محمية، وتتوزع النسبة الأكبر منها، بالنسبة للفئة العمريّة، بين 30 و49 سنة. فيما يبلغ عدّد الذين يحصلون على علاجهم مجاناً من وزارة الصحة 1470 شخصاً. هذا غير الحالات التي لا تدرك بأنّها مصابة، أو تخاف إجراء الفحوص لاعتبارات إجتماعيّة ضيقة.

واقع أليم

تشّي هذه الإحصاءات بوجود متعايشون من فئة عمريّة شبابيّة يفترض أنّ تكون منتجة في سوق العمل اللبناني، مثل أيّ شبان آخرين، دون تميّيزهم أو تكرّيس الوّصمة تجاههم، وكأنهم مختلفيّن ومغايريّن لمجرّد إصابتهم بهذا الفيروس، لاسيما أنّهم أصبحوا فيمّا بعد متعايشين مع الفيروس، لأنّهم يتلقون العلاج اللازم.

إلّا أنّ ما لا يدركه كثيرون، أنّ المتعايشون يتعرضون لأقسى أنواع التهميش، في أماكن العمل، حين يطلب منهم إجراء فحوص مخبرية تؤكد عدم إصابتهم بهذا الفيروس، كشرط لقبولهم، بمعزل عن كفاءتهم وقدراتهم الإنتاجية وشهاداتهم العلميّة، حين يتمّ إقصائهم أو الضغطّ عليهم من أجل ترك العمل.

وفي هذا التحقيق، نسلط الضوء على هذه الفئة بالذات، من خلال سردّ بعض القصص، والوقوف عند رصد بعض الإنتهاكات ومن ثم التطرق إلى الشق القانوني في الموضوع.  

حالات

طارق (إسم مستعار) شاب في أواخر العشّرينيّات، متعايش مع الـ"إيدز" منذ أكثر من سبع سنوات. بعد مرور ثلاثة أشهر على عمله في إحدى المؤسسات التي تعنى بخدمة التسويق، تفاجأ بإيمايل من المدير المسؤول عن الموظفين، يطلب منه إجراء بعض الفحوص المخبرية كشرط لتوظيفه، ومن بينها، كان فحص الـ"إيدز" فقرر ترك عمله.

يقول طارق أنّه بحسب ما فهم آنذاك، أن هذه الفحوص تجرى ليس لسبب محدّد، بل لأجل إسم الشركة وأضاف "بدهن يتأكدوا إنو كل العالم لي بيشتغلوا عندهن نضاف!" ويضيف "قديه في ظلم إنو ما بشوفوا كفاءتنا، التعاطي بجهل كتير بدايق".

طارق الذي فضّل ترك وظيّفته، يقول أنّ ردّة فعله هذه، كانت لتأكيد رفضه المبدأ، لأنّه لا يحق لأحد التدّخل في خصوصيّات الغيّر. هو اليوم يعمل في مؤسسة "أصغر" بحسب توصيفه، وظّفته ولم تطلب أيّ فحوص، "وهم في المؤسسة حتى اليوم لا يعلمون أنّني متعايش مع هذا الفيروس" مثلمّا يقول. 

روني (إسم مستعار) شاب في منتصف العشّرينيّات، متعايش مع الفيروس أيضاً، كان يعمل في أحد المطاعم، قبل أنّ يصرف من عمله، بعد أن أخبر عنه أحد العاملين في المطعم. فما كان من أصحاب العمل إلّا أنّ صرفوه من عمله. ما حصل مع روني أدخله حالة من الإكتئاب، اضطر بعدها أن يعمل في تخصص أخر، وهي مهنة أقل وبراتب أدنى.

أحد المتعايشين يقول "يجب أن يكون هناك دعم من وزارة العمل، يكون إلنا حق نشتكي!، معتبرين السيدا تابو ممنوع نحكي فيه".

إحدى القصص التي استمعت إليها، كانت تتحدث عن أنّه في بعض المؤسسات تم بطريقة ما إثبات أنّ الشخص غير مصاب من أجل الحصول على الوظيفة.

رصد

تقول المديرة التنفيذيّة في جمعيّة العناية الصحّيّة (SIDC) ناديا بدران، "لأنّ غالبية المتعايشين لم يتعدوا عمر الثلاثين، فهم يبحثون عن عمل ويحتاجونه بقوة من أجل البقاء والإستمرار، مثل أيّ شخّص غير متعايش" وأضافت "منذ أربع سنوات والجمعيّة، ترصد الإنتهاكات التي تحصل بحق هذه الفئة، يدخل ضمنها ما له علاقة بأماكن العمل، إضافة إلى الإنتهاكات في المراكز الصحية وبين الأهل والأصدقاء، تمّ رصدها في مناطقة مختلفة من لبنان". 

الإنتهاكات

""إرفع صوتك" من أجل حقوق المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية"، هو عنوان مشروع تولّت تنفيذه جمعيتا العناية الصحية و Vivre Positifفي العام 2016، الى جانب 14 منظمة غير حكومية، خلص في نهايته إلى أن 50 فردا من المتعايشين مع الفيروس أبلغوا عن انتهاكات متنوعة لحقوقهم في سياقات متنوعة، منها في بيئة العناية الصحية، مثل سوء المعاملة والإهمال وحتى العزل، في الأسرة لجهة اللوم الدائم والتعدي على الخصوصية والتهميش، مع الأصدقاء، في مكان العمل والدوائر الحكومية والمجتمع، مثل الحرمان من الحق في التعليم حرمان من الوظيفة، وما هو مرتبط بالإهمال ووصمة العار وانتهاك السرية.

مكان العمل

 بالنسبة لمكان العمل، أنواع الإنتهاكات بدت على الشكل التالي:

طرد من العمل، أو طلب إجراء الفحص، أو الضغط عليه كي يترك عمله بعد أن علم المحيط الذي يعمل فيه، بإصابته.

وتتنوع أماكن العمل بين مراكز صحية وغير صحية، كالمصارف مثلاً، وأكثرها مؤسسات لا يوجد أيّ خطر بانتقال الفيروس من خلال استعمال الكمبيوتر أو الملفات داخل المكاتب.

الطرد التعسفي

وفقاً للبيانات التي جمعت، تبين أنّ أفراد كثر تعرضوا للطرد التعسّفي لاسيما في القطاع الخاص بالدرجة الأولى، وهذه تدابير مخالفة للقانون الذي لا يجيز الطرد التعسفي ولا يحدد ضرورة إجراء اختبار الـ"إيدز"  كشرط للتوظيف. وفي بعض الحالات، ترغم الإدارة المتعايش على الاستقالة لأسباب شخصية، وأفاد المبلغون عن تعرّضهم للتهديد من قبل أرباب العمل في بعض الحالات حيث أجبروا على توقيع طلب استقالتهم.

الحرمان من فرص العمل

معظم المتعايشين يواجهون عدم قدرتهم على الحصول على فرصة عمل، وتجلى هذا الإنتهاك للحقوق الإنسانية في القطاع الخاص مثل المصارف، الفنادق، المستشفيات وشركات التمريض المنزلي وغيرها الكثير. وطلب إجراء اختبار الفيروس بصرف النظر عن أنواع الوظائف.

"مع إنو كان عندي مرجع بيقدر يدعم طلبي للتوظيف بالأوتيل، بس وقت عرفت إنهن بيطلبوا الفحص كل ثلاثة أشهر، سحبت طلبي" (رجل 23 سنة).

"مقدم على عدة شركات... لما بيجوا يطلبوا مني أعمل الفحص... طيب شو بدي قلهن!" (رجل، 22 سنة).

"اجتمعوا بالمستشفى وما قدروا يخلوني بالشغل بسبب قوانين التوظيف بالمستشفى" (رجل، 56 سنة). 

"كل عمل رسمي في الفنادق يطلبون فحص الـ"إيدز"" (رجل، 23 سنة).

قوى الأمن الداخلي

قالت إحدى المشاركات في المشروع أنّ حقوقها إنتهكت في أحد مخافر الشرطة، حين علمت قوى الأمن بإصابتها بفيروس نقص المناعة البشريّة، وأشهروا ذلك أمام جميع السجناء، فخسرت وظيفتها وأصدقائها، ولم يعد أمامها سوى تغيير مكان سكنها والهجرة.

أكثر من خطوة

تقول بدران، أنّ هدف الرصد "تحقيق وعي أكبر لدى هذه المؤسسات حول موضوع الـ"إيدز" وكيفية إنتقاله"، إذ يبدو أنّ هناك لغط حيال هذا الموضوع لدى أكثر النّاس. لذا "نظمنا إجتماعات عديدة مع وزارة العمل والبرنامج الوطني لمكافحة الـ"إيدز" وجهات معنية أخرى، للوقوف عند رأيهم حيال الموضوع، وعبروا عن رفضهم لمثل هذه الممارسات تجاه فئة المتعايشين"، ما يعني أن ما يجري هو عمل فردي، ولا يستند لأي بند قانوني.

واللافت أنّ من بين القطاعات التي تطلب إجراء الفحوص المخبريّة، هي القطاع المصرفي. لذلك، لجأت الجمعية الى عقد لقاءات مع بعض المصارف، والتوعية داخل مكان العمل، للقول أن "الفيروس ما بخوف وما بينتقل".

وقد أتت التبريرات على  إجراء هذه الفحوص كالتالي:

البعض قال أنّ الأمر مرتبط بالكلفة التي سيتكبدها المصرف لعلاج الموظف، والبعض الآخر، ربط الموضوع بشركات التأمين، وبأنّها هي الجهة التي تطلب مثل هذه الفحوص. إلّا أن أحد المتعايشين مع الفيروس قال "كان لدي تأمين، ولكن أصّر المسؤول على إجراء الفحوص".

على مقلب أخر، وجدت الجمعية أن أرباب عمل كثر علموا بوجود متعايش مع الفيروس داخل مكان العمل ولم يتخذوا أيّ إجراء بحقه، أو طرده تعسفياً.

وفي نفس الوقت، هناك بعض المؤسسات التي يعمل فيها متعايشون ولا يدرك أرباب العمل ذلك، لأن المتعايشون يخافون البوح بهذا السر، ويوجد بعض الأشخاص الذين قرروا ترك العمل عندما طُلب منهم إجراء الفحوص. وفي بعض الأحيان، كان طبيب العمل هو الطرف الذي سرّب خبر إصابة الموظف الى مكان العمل، فيما يفترض أنه مؤتمن على المرضى لديه ويحترم سرية طبابتهم.

وفي بعض الحالات كان التسريب يحصل من أحد الأصدقاء، أو من مسؤول شؤون الموظفين، وبالتالي كان المتعايش في أكثر الأحيان يقرر ترك العمل والهروب بعيداً عن هذا المكان الذي تعاطى مع حالته بطريقة عنصرية تكرس الوصمة تجاه المتعايش.

قانونياً

يتعرض المتعايشون للتمييز في الحيز العام وهذا التمييز ينتقل حتماً الى سوق العمل، ويتبلور في عدم توظيفهم أو طردهم. ولا يوجد قانون يحمي المتعايشون ولا أي فئة مهمشة من التمييز، بل لا يوجد في المنظومة القانونية كلها هكذا حماية.

تقول المحامية نيرمين سباعي من جمعية العناية الصحية "نحن لا نحبذ فكرة إيجاد قانون خاص يحمي الأشخاص المتعايشين لأننا بذلك نزيد التمييز والوصمة بحقهم"، وتضيف "لذا يجب إقرار قانون عام لعدم تمييز كل الفئات ويكون رادعاً لكل جهة تميز أو تخالف".

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات الخارجيّة هي أكبر مصدر للتمويل والتنمية

تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات…

تموز 29, 2019 2196 مقالات وتحقيقات

مأساة نساء الفريز

مأساة نساء الفريز

تموز 26, 2019 2287 مقالات وتحقيقات

التعليم الرسمي يعتصم

التعليم الرسمي يعتصم

تموز 26, 2019 159 أخبار

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا «العيش المشترك»!

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا …

تموز 26, 2019 149 مقالات وتحقيقات

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التصميم يولّد الإعاقة

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التص…

تموز 25, 2019 160 المجتمع المدني

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبية»: هل الهدف إرسال الفلسطينيين إلى السجون أم ترحيلهم؟

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبي…

تموز 25, 2019 174 مقالات وتحقيقات

لبنان يبتعد أكثر فأكثر عن التعليم الشامل الموازنة التقشفية تهميش للأولاد ذوي الإعاقة؟

لبنان يبتعد أكثر فأكثر عن التعليم الشامل…

تموز 24, 2019 181 مقالات وتحقيقات