الأرقام المفزعة للمؤشر الاقتصادي العام: أسوأ أداء في تاريخه

أيار 31, 2021

جريدة المدن - علي نور

في جميع أنحاء الجمهوريّة اللبنانيّة، تسود اليوم جميع علامات الخراب المالي العظيم، في ظل الانهيار الشامل الذي يشهده لأوّل مرّة القطاع المالي بهذا الشكل. المؤشر الاقتصادي العام، هو أحد المؤشرات التي ينشرها دورياً مصرف لبنان، بهدف قياس أداء الاقتصاد المحلي، من خلال جمع عدّة نسب وإحصاءات، تعكس وضعيّة القطاعات الأساسيّة في البلاد. وبعد جمع هذه النسب والاحصاءات في رقم واحد وفق معادلة معيّنة، يصبح بالإمكان رصد التغيّرات التي تطرأ على الدولة والظروف المعيشيّة فيها.

وفق آخر الأرقام التي نشرها مصرف لبنان، تبيّن أن المؤشّر الاقتصادي العام انخفض خلال خلال فترة سنة واحدة من 265 نقطة في نهاية العام 2019، إلى نحو 173 في نهاية العام الماضي، ما يعني أن المؤشّر خسر في هذه الفترة ما يقارب 35% من قيمته دفعة واحدة. وعملياً، عاد المؤشّر اليوم إلى المستوى نفسه الذي كان عليه عام 2007، أي أن القطاعات الاقتصاديّة الأساسيّة خسرت خلال عام واحد ما راكمته طوال السنوات 14 الماضية من نمو وزيادة في الإنتاج. أما أهم ما في الموضوع، فهو أن المؤشّر سجّل أسوأ انخفاض سنوي له في تاريخه، أي أنّه لم يشهد في السابق هذا المستوى من التراجع والركود في أي مرحلة من المراحل.

وفي التفاصيل، هذا تحديداً ما حل بكل من العناصر التي تدخل من ضمن المعادلة التي يتم احتساب المؤشّر الاقتصادي العام على أساسها:

حجم التجارة الدوليّة
يعكس حجم التبادلات التجاريّة بين لبنان والخارج ظروف اقتصاده المحلي من عدة جوانب. فلغاية شهر تشرين الثاني من العام الماضي، كان حجم الاستيراد الإجمالي قد تراجع بنحو 45.78% قياساً بالفترة المماثلة من العام السابق، وقد جاء هذا التراجع تحديداً بفعل انهيار سعر الصرف وتراجع القدرة الشرائيّة لأجور اللبنانيّة.

مع العلم أن هذا التراجع في حجم الاستيراد لم يتوازَ مع أي زيادة في قدرة القطاعات الإنتاجيّة على المنافسة في الخارج، بفعل عامل تراجع سعر الصرف، إذ أن صادرات لبنان تراجعت في الوقت نفسه بنسبة 4.3%. وقد جاء التراجع في حجم الصادرات مدفوعاً بعامل تفشي وباء كورونا وإقفال الأسواق العالميّة، بالإضافة إلى تردي ظروف القطاعات الإنتاجيّة محليّاً نتيجة الانهيار الحاصل اليوم.

حركة الشيكات في المصارف
يعتمد المؤشر على حركة الشيكات في المصارف كأحد العناصر القادرة على قياس مستوى التداولات الماليّة في الأسواق. وحسب الأرقام، تراجع عدد الشكيات المتداولة بالليرة اللبنانيّة خلال العام الماضي بنسبة 38% قياساً بالعام السابق، فيما تراجع عدد الشكيات المتداولة بالدولار الأميركي بنسبة 43%. وقد جاءت هذه التطورات بسبب الضمورالذي أصاب الحركة التجاريّة في البلاد، بالإضافة إلى انعدام الثقة بالمصارف ورغبة التجار بالابتعاد عن التداولات الماليّة التي تمر عبرها. كما ساهمت إجراءات المصارف بمفاقمة هذا الوضع، وخصوصاً تلك التي وضعت قيوداً على تداول الشيكات في الحسابات المصرفيّة.

إنتاج الكهرباء
يمثّل حجم الإنتاج الكهربائي، من خلال مؤسسة كهرباء لبنان وعبر المولدات الخاصّة، مؤشراً بالغ الأهميّة لمستوى نشاط الاقتصاد المحلّي، لكونه يعكس حجم الطاقة التي تستهلكها القطاعات الصناعيّة والزراعيّة والسياحيّة، كما يعكس من جهة أخرى قدرة الأسر على استهلاك الكهرباء لمعيشتها. خلال شهر آب 2019، كان الإنتاج الكهربائي للبلاد في ذروته، عند مستويات وصلت إلى حدود 1.46 مليار كيلواط في الساعة. لكن مع موجة إقفال المؤسسات التجاريّة والإنتاجيّة، ومع تراجع القدرة الشرائيّة للأسر اللبنانيّة، انخفض مستوى هذا الإنتاج إلى مستويات قياسيّة بلغت حدود 0.64 ألف كيلواط في شهر تموز 2020، أي ما يقارب 44% فقط من مستويات الإنتاج السابقة.

حركة المطار والحركة السياحيّة
تشكّل حركة المطار، وحركة الزائرين الأجانب، أبلغ معطى يمكن قياسه لتتبع ظروف القطاع السياحي بالتحديد. ومن المعروف أن العام 2020 بالتحديد شهد انخفاضاً بنسبة 70% في حركة العبور عبر مطار بيروت مقارنة بالعام السابق، ليقتصر العدد على 2.44 مليون راكب، في حين أن هذا الرقم وصل إلى حدود 8.69 مليون راكب في العام 2019. في الواقع، نتج هذا التراجع عن تقاطع عدة عوامل، منها تفشي وباء كورونا وحالة الإقفال العام خلال مراحل عديدة من العام الماضي، بالإضافة إلى انفجار بيروت وما نتج عنه من أضرار في المناطق المحيطة، بالإضافة إلى حالة التوتّر الاجتماعي والسياسي الدائمة.

استيراد المحروقات
يعطي حجم وقيمة المحروقات المستوردة مؤشّراً بالغ الأهميّة بالنسبة إلى النشاط الاقتصادي في البلاد، من ناحية انتاجية المؤسسات الاقتصاديّة بمختلف أشكالها، وقدرة الأفراد على الاستهلاك. في سنة 2020، انخفض حجم المحرقات المستوردة بنسبة 14%، ليبلغ نحو 7.69 مليون طن متري، في مقابل أكثر من 8 مليون طن متري في العام السابق.

علماً أن هذا الانخفاض حصل رغم انخفاض أسعار المحروقات عالمياً خلال عام 2020، ورغم استمرار الدعم المقدّم لاستيراد هذه السلع في تلك السنة، ما يعني أن البلاد مقبلة على انخفاض إضافي في استيراد المحروقات هذه السنة، بسبب ارتفاع أسعارها عالمياً بنسب مرتفعة، وبعد رفع الدعم عنها خلال المرحلة المقبلة. مع الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من حجم استيراد المحروقات سنة 2020 يرتبط بعمليات التهريب، التي تستفيد من عمليات الدعم في الاستيراد من أجل تهريب هذه المواد إلى سوريا. ومن المؤكد أن هذا النوع من الاستيراد لا يمثّل عملياً أي نشاط اقتصادي انتاجي أو استهلاك محلّي.

حركة البناء وتسليم الاسمنت
يلجأ المؤشر الاقتصادي العام إلى أرقام تسليم الاسمنت لتتبع حركة البناء في لبنان، سواء تلك المتعلّقة بالقطاعات الاقتصاديّة الانتاجيّة أو بنشاط تجارة البناء. حجم الاسمنت المسلّم في السوق اللبنانيّة كان قد بلغ 342.5 ألف طن شهريّاً في أيلول من العام 2019، أي قبيل انفجار الانهيار المالي الصريح في الربع الأخير من العام 2019. أما في نهاية العام الماضي، فانخفض هذا الرقم إلى نحو 204.4 ألف طن شهرياً فقط في شهر كانون الأوّل، ما يعني أن هذا الرقم انخفض بنحو 40%.

المستوى الثالث من الكتلة النقديّةM3
رغم التعقيد في التسمية، يعبّر المستوى الثالث من الكتلة النقديّة عن مفهوم بغاية البساطة: كل أشكال السيولة المتداولة وغير المتداولة بمختلف أشكالها، بما فيها النقد المطبوع بالعملة المحليّة، والودائع والحسابات الجارية في المصارف. هذا المستوى من الكتلة النقديّة شهد الكثير من التخبّط والتذبذب لأسباب مختلفة، منها تسارع عمليات طبع النقد في المصرف المركزي، وانخفاض مستوى الودائع في المصارف بعد انفجار الأزمة على مصراعيها، ناهيك عن توقف عمليات الإقراض. ما يعني تلقائياً انخفاض حجم السيولة التي يتم تداولها في المصارف. بمعنى آخر، لم يعد هذا المؤشّر يعبّر عن نشاط الاقتصاد الحقيقي فقط، بل أيضاً عن متغيّرات مرتبطة بأزمة القطاع المالي نفسه.

في كل الحالات، انخفض حجم هذه الكتلة النقديّة من 208 ألف مليار ليرة قبل الأزمة، في تشرين الأول 2019، إلى ما يقارب 202 ألف مليار ليرة مؤخراً في شهر آذار. في الواقع، وقع هذا المؤشر بين عاملين معاكسين: زيادة النقد المطبوع، وانخفاض قيمة الحسابات في المصارف. لكن النتيجة كانت انخفاض قيمته الإجماليّة.

الأزمة السائبة
تختزل أرقام المؤشّر الاقتصادي العام أزمات البلاد المتلاطمة من مختلف جوانبها: من انخفاض القدرة الشرائيّة وتدني مستويات الاستهلاك، إلى أزمات القطاع المالي وتراجع السياحة وحركة السيولة في المصارف وغيرها... وكان من المفترض أن تكون كل هذه المتغيّرات عناوين عريضة لحل شامل يتعامل مع الأزمة بكل عناصرها من دون أستثناء. لكن كما بات واضحاً، لا حياة لمن تنادي، فأقطاب السياسة لم يبادروا حتّى اللحظة إلى العمل لتشكيل الحكومة المسؤولة عن التعامل مع هذه المشاكل، وحكومة تصريف الأعمال ترفض أن تقوم بأي مبادرة في أي ملف حالياً، حتى حين يتعلّق ذلك بمسائل داهمة لا يمكن التغاضي عنها. أما المصرف المركزي، فلا يجد نفسه معنياً بالتنسيق مع أحد لصياغة حل شامل يتعامل مع أزمة القطاع المالي، بل يغنّي على ليلاه بتعاميمه التي يحيطها الكثير من الإلتباس والغموض.

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة

وقفة رمزية لسائقي الباصات في طرابلس

أيلول 24, 2021 13 مقالات وتحقيقات

عمال المؤسسات التجارية حقوقهم مهدورة، والحد الادنى لا يكفي النقل

عمال المؤسسات التجارية حقوقهم مهدورة، وا…

أيلول 24, 2021 41 مقالات وتحقيقات

30% يتسربون من مدارس المناطق المهمشة اللبنانية

30% يتسربون من مدارس المناطق المهمشة الل…

أيلول 24, 2021 17 مقالات وتحقيقات

خفْض الأسعار مسرحية... "زعبرة" على عين "الاقتصاد"

خفْض الأسعار مسرحية... "زعبرة"…

أيلول 24, 2021 10 مقالات وتحقيقات

لحاجة ملحّة لمنظومة عصريّة مؤسساتية وإجر…

أيلول 24, 2021 13 مقالات وتحقيقات

تفاؤل المصارف وحاملي السندات: "هذه …

أيلول 24, 2021 11 مقالات وتحقيقات

243 مليون برميل نفط بشخطة قلم

243 مليون برميل نفط بشخطة قلم

أيلول 24, 2021 13 مقالات وتحقيقات

لرفع المظالم عن المتعاقدين

أيلول 22, 2021 16 أخبار

خريطة طريق للبنان الجديد تقوم على دعم كا…

أيلول 22, 2021 19 مقالات وتحقيقات

المازوت يُباع بالدولار حصراً.. والتسعير على "مزاج" الشركات

المازوت يُباع بالدولار حصراً.. والتسعير …

أيلول 22, 2021 19 مقالات وتحقيقات

ينادون بالتغيير .. ولا يريدونه؟!

ينادون بالتغيير .. ولا يريدونه؟!

أيلول 22, 2021 18 مقالات وتحقيقات

من التقنين القاسي الى العتمة الشاملة... كهرباء لبنان الى الإنطفاء

من التقنين القاسي الى العتمة الشاملة... …

أيلول 22, 2021 17 مقالات وتحقيقات

لدكاكين الجامعية: نهاية التعليم العالي؟ الجامعات - الدكاكين: هل يصلح الحلبي ما أفسده المجذوب؟ -

لدكاكين الجامعية: نهاية التعليم العالي؟ …

أيلول 20, 2021 39 مقالات وتحقيقات

تتحجّج بـ"البطاقة التمويلية" لتستمر في "التنكيل بجثة" الاقتصاد ورفض تحرير الأسعار السلطة ترتكب "جريمة" دعم البنزين عن سابق تصوّر وتصميم

تتحجّج بـ"البطاقة التمويلية" ل…

أيلول 20, 2021 37 مقالات وتحقيقات

خراب وهجرات دورية: لبنان يخسر أفضل كفاءاته الشابة

خراب وهجرات دورية: لبنان يخسر أفضل كفاءا…

أيلول 20, 2021 22 مقالات وتحقيقات

موسم الزيتون ينطلق ولكن....

أيلول 17, 2021 36 أخبار

الإيجابيّات "المعنوية" خفّضته بنسبة 68% في أقل من 10 أيام... وانتفاؤها يرفعه أضعافاً تراجع الدولار غير المبني على الأرقام لا يُعَوَّل عليه

الإيجابيّات "المعنوية" خفّضته …

أيلول 17, 2021 44 مقالات وتحقيقات

كلفة التبريد المرتفعة ترفع كيلو التفاح في القفص من 5000 الى 10 آلاف ليرة تحرير المازوت "يضرب" التفّاح أيضاً... ويهدّد الموسم بالكساد

كلفة التبريد المرتفعة ترفع كيلو التفاح ف…

أيلول 16, 2021 35 مقالات وتحقيقات

لاحتكار هو الأداة الأساسية للفوضى المتفشية في لبنان... والحل بضرب هذا الاحتكار

لاحتكار هو الأداة الأساسية للفوضى المتفش…

أيلول 16, 2021 47 مقالات وتحقيقات

مليار و135 مليون دولار... كيف ستنفقها الحكومة؟

مليار و135 مليون دولار... كيف ستنفقها ال…

أيلول 16, 2021 47 مقالات وتحقيقات

فاقت المتوقع بـ275 مليون دولار وفتحت شهية مختلف القطاعات على قضمات كبيرة للخلاص بنفسها من الانهيار "حقوق السحب الخاصة" وقود في "آتون" تجديد شرعية "المنظومة" -

فاقت المتوقع بـ275 مليون دولار وفتحت شهي…

أيلول 14, 2021 38 مقالات وتحقيقات

الشحّ أقفل المحطات: بنزين السوق السوداء يباع في المستشفيات

الشحّ أقفل المحطات: بنزين السوق السوداء …

أيلول 14, 2021 47 مقالات وتحقيقات