Print this page

المصارف والمركزي: اتفاق على تصفية أموال المودعين

كانون2 03, 2022

جريدة المدن - خضر حسان

دَخَلَت المصارف ومصرف لبنان عام 2021 بعلاقة متوتّرة، على خلفية التعميم 154 المتّخذ في العام 2020، والذي يوجب على المصارف زيادة رساميلها بنسبة 12 بالمئة وإعادة تكوين نسبة 3 بالمئة في حساباتها لدى المصارف المراسلة الأجنبية، بالإضافة إلى إلزامها على "حث" عملائها، الذين قاموا بتحويلات تفوق قيمتها الـ500 ألف دولار، إلى الخارج، اعتباراً من أوّل تموز 2017، ولغاية 27 آب 2020، على إعادة نسبة 15 في المئة منها وإيداعها في حسابات مجمّدة لمدّة خمس سنوات. أمّا إذا كان العميل المعني معرّض سياسياً، أو من أحد رؤساء أو أعضاء مجالس إدارة المصارف، أو أحد كبار المساهمين فيها، فعليه إعادة نسبة 30 في المئة من تحويلاته.

هذا التعميم يزيد الضغط على المصارف، إذ يحمّلها مسؤولية التحضير لإعادة أموال المودعين عبر تكوين احتياطات نقدية بالدولار، و"يُغربِل" المصارف غير القادرة على تأمين سيولة والبقاء ضمن النظام المصرفي. وقد رفضت المصارف بداية الأمر هذا التعميم، ليتراجع اعتراضها وتحافظ جميعها على عملها، وسط صمت مصرف لبنان حيال حقيقة التزام جميع المصارف بتأمين السيولة. أما الجزء المتعلّق بإعادة الودائع إلى أصحابها، فجرى التواطؤ على القفز فوقه والاتفاق على التخلّص من الودائع بما يضمن مصلحة المصارف ويبرىء ذمة مصرف لبنان. فعادت المياه إلى مجاريها، وسلكت المصارف طريق تصفية الودائع، واشتدّت شراستها عليها خلال العام 2021 وستتواصل في العام الجديد.

هدايا بالدولار
لتحسين موقعها وتحسين صورته أمامها، أهدى المركزي المصارف تعاميم عدة، أبرزها التعميم رقم 157 والتعميم رقم 158 إلى جانب التعميم رقم 161.

في التعميم الأول، أعطيت المصارف حق ممارسة أعمال الصرافة، وفق أسعار منصة صيرفة، بهدف "تأمين الحاجات التجارية والشخصية لعملائها، وفقاً للعرض والطلب في السوق". فيما ألقي على عاتق لجنة الرقابة على المصارف مهمة "التدقيق بصحة المعلومات المتعلقة بالتعامل مع المنصة وبمراقبة مدى تقيّد المصارف بأحكام القرار (التعميم)".
دخول المصارف على خط البيع والشراء، زاد الطلب على الدولار وأشعل عملية المضاربة بفعل شراء الدولار بأعلى من أسعار السوق السوداء، وتحوَّلَت قيادة السوق من الأحادية القطبية للصرافين إلى الثنائية القطبية. ومع اشتداد المنافسة بين الصرافين والمصارف على الدولار، سلكت العملة الخضراء درب الارتفاع المتزايد لتتبخّر قيمة الودائع أكثر، وتعزّز المصارف موجوداتها بالعملة الخضراء.

بالتوازي، يهدف التعميم 158 إلى "تأمين تسديد تدريجي للودائع بالعملات الأجنبية المكونة في الحسابات المفتوحة قبل 31/10/2019"، عبر تجميد مبلغ مالي لا يزيد عن 50 ألف دولار، في حساب خاص، ويسحب منه شهرياً 800 دولار، تنقسم بين 400 دولار نقداً أو عن طريق تحويله إلى الخارج أو بواسطة البطاقات المصرفية. بالإضافة إلى ما يوازي 400 دولار على أساس سعر 12 ألف ليرة للدولار، يدفع منها 50 بالمئة نقداً والـ50 بالمئة الأخرى تدفع بواسطة بطاقات مصرفية. وبهذه الطريقة تضمن المصارف حجز حتى 50 ألف دولار تحت المقصلة، وتتخلص تالياً من 400 دولار تدفعها بالليرة، وتتحمّل 400 دولار أخرى نقداً، فتوفّر دولارات إضافية كان يفترض دفعها نقداً. فالدولارات الـ400 دولار التي سيدفع منها 200 دولار بسعر 12 ألف ليرة و200 دولار ببطاقات مصرفية، قيمتها الفعلية في السوق لا يقل حالياً عن 28500 ليرة للدولار الواحد، أي تحتفظ المصارف بأكثر من ضعف القيمة الحقيقية التي تزداد مع ارتفاع سعر الصرف.

ثالث تعاميم المصرف المركزي حمل الرقم 161، وينص على دفع المصارف سقوف السحب الشهرية للمودعين ورواتب الموظفين، بالدولار النقدي بدل الليرة، وفق سعر منصة صيرفة. ولتنفيذ العملية، يؤمّن المركزي الدولار للمصارف "على أساس سعر الصرف المعلن بشكل يومي على المنصة الإلكترونية لعمليات الصرافة في اليوم السابق، وذلك ضمن المبلغ المتبقي من السقف المحدد لكل مصرف للشهر الجاري".
ورغم تمديد المركزي مهلة الاستفادة من التعميم، حتى نهاية شهر كانون الثاني الجاري، قابلة للتمديد، إلا أن لا أحد يمكنه تأكيد حجم السقوف التي حصلت عليها المصارف بالدولار، ولا حجم الكتلة النقدية التي أفرجت عنها لمستحقيها، وعليه، من غير المعروف كم بقي للمصارف من دولارات نقدية، لم يوضح المركزي من أين أتى بها ليعطيها للمصارف.

سرقة منظّمة
تنأى لجنة الرقابة على المصارف بنفسها عن التدقيق في ممارسات المصارف بحق المودعين. فالمصارف لا تلتزم بالتعاميم رغم إجحافها بحق المودعين، وخصوصاً في ما يتعلّق بالتعميمين الأوّلين. وفي الخلاصة، تضع المصارف مودعيها أمام خيارين، إما سحب أموالهم بأسعار سعر تقل عن الأسعار الفعلية للسوق، أو تركها مجمّدة لأجل غير مسمّى. ولأن الاضطرار أقوى، تتخلّص المصارف من الليرات وتكتنز الدولارات النقدية، في أكبر عملية احتيال منظّمة برعاية رسمية مستمرة.

وفي الإطار عينه، ابتدعت المصارف لفترة وجيزة، طريقة مبتكرة للاستحواذ على الدولار النقدي، وهي خلق تمييز بين ورقة المئة دولار ذات الطبعة القديمة، والأخرى الجديدة ذات العلامات المميزة، ومنها الخط الأزرق الطوليّ، وباتت المصارف تحسم نسبة معينة على الورقة القديمة، وامتدت الحسومات إلى الصرافين، فبادر حَمَلَة الدولار إلى التخلص من الأوراق القديمة خوفاً من تداعيات قد تستجد مستقبلاً.

من مصلحة المصارف تحسين صورتها الآخذة بالتحطّم منذ نحو عامين، عبر تعزيز ملاءتها وتحفيز نشاطها وحماية خزائنها، والتخلّص ممّا تستطيع من ودائع قد تتحوّل أرقامها إلى خسائر في سجّلات المصارف. والمركزي بدوره يريد لعب دور المنظّم للقطاع بسياسات "حكيمة" تعيد للقطاع رونقه، وإن على حساب أموال المودعين. ولا يتم ذلك خلال علاقة متوتّرة بين الطرفين. لذلك، من غير المستبعد أن يشهد العام 2022 تعاميم تعصر ما تبقّى من ودائع.