2022 قد تكون للبنان اسوأ من سابقتها

كانون2 03, 2022

استقبل لبنان سنة 2022 على وقع استمرار الازمات الانهيارية نفسها في اسوأ كارثة مالية واقتصادية واجتماعية عرفها في تاريخه من دون اي بوادر للمعالجة على رغم ترقب انطلاق مفاوضات مع صندوق النقد الدولي من اجل اطلاق خطة اقتصادية تبدأ المسار الانقاذي للبنان.

واولى البوادر لذلك لم يكن استمرار تعطيل اجتماعات الحكومة التي لم يظهر اي مؤشر لاعادة استئنافها فحسب بل ايضاً ظهور بوادر ازمة سياسية متفاعلة على الاقل بناء على مواقف اطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي وحتى البطريرك الماروني بشارة الراعي والتي تظهر جميعاً مقاربات متناقضة لطاولة حوار محتملة بين الافرقاء السياسيين.

وما لا يقل اهمية كان استمرار انهيار سعر الليرة اللبنانية على نحو يثبت انه امر مفتعل في ايام الاغلاق بمناسبة نهاية السنة في الوقت الذي واصل السياسيون المتضررون من التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت تعطيل هذه التحقيقات بأي ثمن، وقطع الطريق على ملاحقتهم عبر الدعاوى التي تقدم ضد المحقق العدلي طارق البيطار في محاولة لكف يده عن الملف، أو أقله تجميد إجراءاته في الفترة الفاصلة ما بين انتهاء الدورة العادية للبرلمان اللبناني الممتدة في الأول من كانون الثاني المقبل، وعودة انعقادها في منتصف شهر آذار المقبل. وقد تبنى الثنائي الشيعي الذي يضم رئيس حركة ” امل” رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله” مهمة تعطيل الحكومة حتى ازاحة البيطار الذي يلاحق ثلاثة نواب حاليين هم غازي زعيتر وعلي حسن خليل ونهاد المشنوق، إضافة إلى رئيس الحكومة السابق حسان دياب ووزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس، بجرائم «الإهمال وعدم القيام بواجبهم عبر التغاضي عن تخزين آلاف نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت لمدة سبع سنوات.
وقد استمرت الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الممتدة في لبنان في التأثير سلباً على حياة اللبنانيين على نحو غير مسبوق ويذكر بدول شهدت ازمات جوع وفقر حادة كالصومال او انهيار كبير كالارجنتين مع تفوق لبنان الذي اعتبر البنك الدولي بأن ازمته هي احدى ثلاث ازمات تاريخية خلال مئة عام، اذ تزايدت مستويات الفقر والنقص الحاد في الوقود والأدوية. ووفقًا لتقدير قدمته في الأول من تشرين الأول منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في لبنان نجاة رشدي، فقد تضمن ان أكثر من مليون لبناني بات يحتاج “إلى مساعدات إغاثية لتغطية احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك الغذاء”.

ففي التاسع من تشرين الاول مثلا أُغلقت شبكة الكهرباء في لبنان بعد نفاد الوقود من محطتي الطاقة الرئيسيتين في البلاد. وحين تمت استعادة الطاقة إلى مستويات ما قبل الإغلاق فإن ذلك لم يتخط توفير ساعة إلى ساعتين من الكهرباء يومياً ، مما يُلزم الناس بالاعتماد على المولدات الخاصة التي تتطلب وقوداً لا يمكن تحمل اسعاره بشكل متزايد وقد تخطى توفير بضع امبيرات فقط اضعاف الحد الادنى للأجور أو غير متوفر.

وفي اوائل تشرين الثاني، أُعلن أوليفيه دو شاتر منسق الامم المنسق الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان بعد زيارة للبنان واستطلاع اوضاعه إن الأزمة الاقتصادية في لبنان كان من الممكن تفاديها لكن هذا البلد يعاني من ثلاث أزمات أخرى لخّصها دي شاتر في الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين وانفجار مرفأ بيروت إضافة إلى غياب الرؤية والخطط السياسية لمواجهة هذه الأزمة اذ ان الطبقة السياسية تركز على طلب المزيد من الدعم الدولي فيما ترفض الذهاب الى انعاش الاقتصاد بالاصلاحات المتعلقة بالضرائب وتمويل الخدمات العامة. وهذا يبدو صعبا جدا في الاشهر الاولى من السنة الطالعة مع الاستعداد للانتخابات النيابية مبدئياً في 15 ايار المقبل بحيث يخشى اركان السلطة فشلهم في الانتخابات اذا ذهبوا الى اي اصلاحات جدية. ولذا يترك هؤلاء لاستفحال الازمة الاقتصادية وانهيار سعر الليرة على قاعدة تبادل الاتهامات بالمسؤولية وغياب اي فريق في السلطة عن تحمل المسؤولية. وقد خلص دو شاتر الى ان “الدولة الفاشلة لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.”
ونتيجة لترتيب بين حزب الله وإيران ، تم تسليم الوقود من إيران إلى لبنان في 16 ايلول من دون موافقة الحكومة اللبنانية وفي انتهاك للعقوبات الأميركية الحالية. ولذا في 29 ايلول، وبالتنسيق مع قطر، أعلنت الولايات المتحدة عن فرض عقوبات جديدة تستهدف سبعة أفراد وشركة متهمة بدعم حزب الله مالياً.
وفي حين تم الإعلان عن العديد من المبادرات الدولية لدعم لبنان في الأشهر الأخيرة، إلا أن تأثيرها على الحياة اليومية في لبنان لم يظهر. وفي انتظار بدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي في الأشهر المقبلة او حتى لو انطلقت في ظل اعلان المسؤولين اللبنانيين عن انطلاق المفاوضات منتصف شهر كانون الثاني، فمن غير المرجح أن يتم صرف الأموال قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة. لكن المبادرات الدولية لمساعدة لبنان ترجمت في وصول مساعدات لشعبه على رغم تأليف حكومة جديدة لم توفق سوى في عقد جلستين لمجلس الوزراء قبل ان يعطلها الثنائي الشيعي بشرط ازاحة المحقق العدلي في انفجار المرفأ للسماح لها بالاجتماع. فانعقد “المؤتمر لدعم سكان لبنان” بقيادة فرنسا والأمم المتحدة عبر الفيديو في 4 آب في ذكرى انفجار المرفأ، وجمع 370 مليون دولار، وتعهدت الولايات المتحدة بتقديم ما يقرب من 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية للبنان. وفي أوائل ايلول، تم الإعلان عن خطط لبنان لتلقي الغاز الطبيعي المصري عبر الأردن وسوريا بعد اجتماع على المستوى الوزاري بين مصر والأردن ولبنان وسوريا في عمان. وبدا أن الخطة تحظى بدعم أميركي على قاعدة حصول إعفاء من العقوبات الأميركية على سوريا بالنسبة الى استجرار الغاز من مصر والاردن عبر سوريا فقط وليس اي ملف اخر. وفيما وصلت شحنة وقود من العراق إلى لبنان في 17 ايلول، أعلنت نائبة المنسق الخاص والمنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية نجاة رشدي في 23 منه بدء توصيل الوقود إلى “مؤسسات الرعاية الصحية والمياه الحرجة في جميع أنحاء لبنان”. فيما كانت أعلنت الحكومة اللبنانية أن مصرف لبنان سيتلقى 1.135 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لم يتضح حتى الان كيفية تشغيلها او تشغيل قسم منها ولأي غاية.
وفي حين استمرت المطالبة بالمساءلة عن انفجار مرفأ بيروت في الأشهر الأخيرة من الداخل ومن الخارج على حد سواء، لم يتم إحراز تقدم ملموس من خلال التحقيق المحلي. فناشدت رسالة مشتركة موقعة من 145 منظمة غير حكومية وناجين وأسر ضحايا الانفجار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتماد قرار بإنشاء هيئة تحقيق دولية للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بضحايا الانفجار.
منذ الأحداث التي وقعت في أوائل آب، والتي انطوت على تبادل لإطلاق النار عبر الخط الأزرق (ترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان) ، عاد الوضع في المنطقة على ما يبدو إلى هدوء متوتر. وخلال المبادلات، شن الجيش الإسرائيلي غارات جوية على الأراضي اللبنانية لأول مرة منذ عام 2014.

الا ان الاكثر خطورة من انفجار الحرب بين اسرائيل و”حزب الله” في الجنوب، كانت أحداث 14 تشرين الأول التي اعادت تظهير احتمال حرب اهلية جديدة في لبنان. اذ ابرزت احداث الطيونة على خط التماس التاريخي بين المناطق المسيحية والاسلامية في بيروت على اثر اجتياح عناصر موالية للثنائي الشيعي في اطار مطالبتهم بتنحي القاضي العدلي طارق البيطار شوارع عين الرمانة المسيحية ما ادى الى سقوط قتلى وجرحى. واظهرت هذه التطورات سهولة الانزلاق او التهديد بالانزلاق الى الحرب. اذ أن الأسلحة التي في حوزة حزب الله والجماعات الأخرى في لبنان لا تزال قضية تعيق السلام والاستقرار في البلاد.

وفي أحدث تقرير للأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس حول القرار 1559 في 20 تشرين الاول ، ذكر إنه “لم يتم اتخاذ خطوات محددة” نحو حل ونزع سلاح مليشيات لبنانية وغير لبنانية منذ اتخاذ القرار.
تجدر الاشارة على مستوى اخر الى ان الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المستمرة، بما في ذلك آثارها على قدرة الجيش اللبناني على الحفاظ على الأمن في لبنان، مصدر قلق أيضاً على مستوى المجتمع الدولي في شكل خاص حيث بدأ الاعضاء الدائمون في مجلس الامن وفي مقدمهم الولايات المتحدة البحث في سبل دعوة المانحين الدوليين للوفاء بتعهداتهم لدعم عمليات الجيش اللبناني المستمرة او انشاء صندوق برعاية الامم المتحدة يولى دفع رواتب عناصر الجيش التي انهارت بفعل الانهيار الكلي لليرة اللبنانية. ويشكل هذا الامر ذروة الفشل السياسي والادارة السياسية من الطبقة الحاكمة .
ولذلك واستشرافاً للمستقبل ، فإن إجراء الانتخابات البرلمانية في الوقت المناسب مسألة تحتل اهمية قصوى بالنسبة الى المجتمع الدولي الذي ما فتىء يشدد على أهمية إجراء انتخابات “حرة ونزيهة وشاملة” من دون ان يخفي الخشية من تطورات قد تطيحها نتيجة مخاوف الاحزاب السياسية في الحكم من فشلها في المحافظة على حصصها النيابية او فوزها في الانتخابات. ومع ان مجلس النواب اللبناني صوت في 19 تشرين الاول لإجراء انتخابات تشريعية في 27 آذار 2022، لكن الرئيس اللبناني ميشال عون أعاد مشروع قانون الانتخاب إلى مجلس النواب في 22 تشرين الأول، مطالباً بتحديد موعد إعادة النظر فيه واصر على تحديد 15 ايار موعداً للانتخابات لانه يعطي فرصة اكبر لتياره بتحسين حظوظه.

ومع التحدي الذي تشكله هذه الانتخابات والتي ستعيق اي اصلاح حتى منتصف السنة على الاقل وانطلاق عمل المجلس النيابي الجديد واحتمال ضئيل بتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات، فإن الكباش الداخلي هو بنفس القوة حول انتخابات رئاسية يرجح الا تبقى معقودة اللواء كلياً للمحور الايراني كما هي الحال راهناً، مما يرشح لبنان الى مزيد من التجاذب وتالياً الصعوبات المتزايدة على كل المستويات حتى نهاية السنة الطالعة.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الصندوق السيادي" و"تهريبة" خطة التعافي: القطاع الخاص فاسد ومفسد

الصندوق السيادي" و"تهريبة…

أيار 26, 2022 6 مقالات وتحقيقات

إجراءات خطة التعافي المالية تدعو إلى "الترحم" على شقيقتها النقدية زيادة الضرائب في زمن الانهيار "حكم مؤبد" على الاقتصاد بالانكماش

إجراءات خطة التعافي المالية تدعو إلى …

أيار 26, 2022 7 مقالات وتحقيقات

من اتّفاق بالتراضي تفوح منه رائحة عمولات... إلى اتّهام بالعرقلة: خدعة ميقاتي حول عروض الكهرباء

من اتّفاق بالتراضي تفوح منه رائحة عمولات…

أيار 26, 2022 8 مقالات وتحقيقات

ما هي أبرز بنود استراتيجية الحكومة للنهوض بالقطاع المالي؟

ما هي أبرز بنود استراتيجية الحكومة للنهو…

أيار 24, 2022 22 مقالات وتحقيقات

الدولار يدخل مرحلة الفوضى.. والتجار يسعّرونه للبضائع بـ35000 ليرة

الدولار يدخل مرحلة الفوضى.. والتجار يسعّ…

أيار 24, 2022 15 مقالات وتحقيقات

ينيشنون" على محطات الإنتاج الحرارية "ليصيبوا" تكبير ثرواتهم الطاقة الشمسية حلّ يُغني عن عشرات المعامل

ينيشنون" على محطات الإنتاج الحرارية…

أيار 24, 2022 21 مقالات وتحقيقات

لا وقت ولا مكان ولا مطالب لعمّال لبنان للاحتفال بعيدهم

لا وقت ولا مكان ولا مطالب لعمّال لبنان ل…

أيار 01, 2022 128 مقالات وتحقيقات

النقابات والمودعون يتحرّكون رفضاً للكابيتال كونترول... لحظة مفصلية وشهادات حية

النقابات والمودعون يتحرّكون رفضاً للكابي…

نيسان 28, 2022 84 مقالات وتحقيقات