الانهيار المالي والاخلاقي: مكافحة الآثار الاجتماعية لكورونا بالصدقات بدلا من الحقوق

آذار 16, 2020

- المرصد

أسعد سمور- لم يكن كافيا لنا أن نتحمل العبء الثقيل للنتائج المالية والاجتماعية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية التي تسبب بها النظام الاقتصادي الريعي وقطاع المصارف. قطاع مليارات الدولارات، الممول الأكبر للعقارات والشقق والمنتجعات الفارهة، القطاع الذي امتص كل أموال الفقراء والعمال محدودي الدخل وموظفي القطاع العام وكل من يتحرك على الأراضي اللبنانية، ليبني على بؤس الناس مجده.

المصارف التي "تحكي لغتنا" و"بتشوف أحلامنا قبل أرقامنا" وتؤمن لنا "راحة البال" حجزت على أموالنا، أو بالأحرى سرقتها وهربتها إلى الخارج. قد يظن أحدنا أننا وصلنا إلى الأسوأ لقد تعرضنا للسرقة يا سيادة. لا يوجد أي خيار متاح سوى الاستمرار بالانتفاضة رغم شراسة المعركة. الحكومة التي طلبنا بها افتتحت نشاطها بسد الساحات العامة ببلوكات الباطون، أعقبها حملة توقيفات وتحقيقات مع متظاهرين لتخويفهم وتركيع ارادة الشعب. واستمرار وقح في دعم المصارف وحماية الفساد واستغلال ما تبقى من أموال بين يدي الفقراء.

ربما كانت الكورونا من أكثر الأشياء التي أثارت سرور وغبطة الحكومة اللبنانية ومن خلفها، إنها هدية من الله إلى كل النافذين في الدولة ومن يدعمهم من رجال دين ومؤسسات خيرية. فالكورونا هي الوحيدة الكفيلة بالقضاء على التجمعات. كورونا ستنهي الحركة الاحتجاجية. وربما على وزير الصحة أن يخبرنا بذلك، وقد فعلها حقا وأعلن "خرجنا من مرحلة الاحتواء... نحن في طور الانتشار". فلتذهبوا إلى بيوتكم وتحجروا أنفسكم لأنكم تعلمون أن الحكومة غير قادرة على احتواء ومعالجة الأزمة، فلنذهب جميعا إلى بيوتنا ولنحجر على أنفسنا، ولكن لا داع للهلع لأننا سنموت بعد قليل.

استجابات الحكومة لمنع انتشار الوباء جاءت متأخرة تركت منافذها مشرعة دون وضع ضوابط وقائية أعطت المؤسسات والشركات مهل أطول لتشغيل العاملين أطول فترة ممكنة ولو تسبب ذلك بنقل العدوى اليهم وإلى أهاليهم. ارتفع عدد الوفيات إلى 3 وحملة لا داعي للهلع أخذت مفعولا سلبيا خصوصا أن النظام الصحي وأنظمة الوقاية في المستشفيات سيئة، الجهاز الطبي والتمريضي متخوف أن ينتقل إليه المرض. المستشفيات ستتحول إلى وكر للوباء، تحديدا المستشفيات التي يلجأ إليها الفقراء الذين لا طاقة لهم على تحمل أكلاف المستشفيات المرموقة في البلاد.

إذا أعلنت الحكومة تعليق العمل 15 يوم في المؤسسات والشركات الخاصة والمحلات التجارية ومكاتب أصحاب المهن الحرة مع مراعاة الضرورة القصوى المرتبطة بأوضاع العمل بالتنسيق مع نقابات هذه المهن الحرة باستثناء المطاحن والافران وتصنيع وتخزين المواد الغذائية والمنتجات الزراعية والشركات والمؤسسات العاملة في مجال نقل البضائع.

لدى العمال والعاملات إذا 15 يوم من التعطيل. ولكن من سيعوض عن هؤلاء العمال الأيام التي عطلوها. الكورونا فرصة لا تفوت، إنها فرص للمصارف كي تتلكأ أكثر وأكثر في دفع أموال المودعين، وهي فرصة المؤسسات والشركات الخاصة كي تحرم العاملين من أجورهم، وهي أيضا فرصة للنظام لقتل الانتفاضة.

نحن المهانون في كرامتنا بعد أن سرقوا أموالنا وجعلونا نمشي خلفهم كالقطعان، والمهددون بحياة أبائنا وأمهاتنا بسبب عجز النظام عن تأمين نظام صحي قادر على التصدي للمرض، لكن لا بأس لو ماتوا لأن نظامنا قرر أنهم حينها سيكونون شهداء وستكون الجنة نصيبهم. نحن اليوم مهددون أن نخسر نصف آخر من أجورنا، لم نعد نملك شيئا، حتى ودائعنا في المصارف لم تعد لنا. لم يبق لنا إلا أن نرتضى بالأعمال الخيرية لأصحاب "الأيادي البيضاء".... التي هي للمفارقة نفس الأيادي التي سرقتنا ونفس الأيادي التي اعتدت علينا في ساحات الاحتجاج ونفس الأيادي التي فقأت أعين الثوار، لم يبق لنا أن سوى أن ننتظر منها الأعمال الخيرية ونشكرها على كرمها الفائق.

ربما سنكون جاحدين، وندعو إلى الانحلال الاخلاقي إن انتقدنا الأنشطة الخيرية، ربما سنكون ناكرين للجميل اذا رددنا أن فاعلي الخير ليسوا سوى لصوص وقحين يتصدقون علينا من أموالنا، وربما سنكون مهرطقين زنادقة لأننا تجرأنا على فاعلي الخير الذين سيجازيهم الله عن خيرهم.

الاحتمالات كثيرة، ولكن من المؤكد أن جزء  بسيط من الأموال التي نهبها هؤلاء من جيوبنا ومن تعبنا وعرق جبينا يمكن أن تشكل صندوقا لدعم أصحاب الدخل المحدود  والفقراء دون منة من أحد. المطلوب اليوم أكثر من أي شيء تشكيل هيئة وطنية وصندوق يدعم أصحاب الدخل المحدود لاسيما المياومين والمصروفين الفقراء ويمنحهم حقوقهم ولا يتصدق عليهم، بدلا من الدعوات إلى الأعمال الخيرية. لأنه لا شيء يثير الاشمئزاز في هذه الأيام أكثر من الأعمال الخيرية.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأم العاملة المتضرر الأكبر

العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأ…

نيسان 02, 2020 117 مقالات وتحقيقات

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان" : الإعلان مخالف للنص العام ولقانون انشاء المؤسسة الخاص

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة…

نيسان 02, 2020 5 مقالات وتحقيقات

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الرواتب

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الروا…

نيسان 01, 2020 23 مقالات وتحقيقات

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجامعيين عاطلون عن العمل... سركيس: السبب فوضى الجامعات وعدم مواءمة السوق

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجام…

نيسان 01, 2020 14 مقالات وتحقيقات

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

آذار 31, 2020 32 مقالات وتحقيقات

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في الضمان فهل يكون الشرارة التي تفجر الشارع بعد "الواتساب"؟

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في ال…

آذار 31, 2020 30 مقالات وتحقيقات

على الحكومة أن تدفع... فوراً

آذار 30, 2020 25 مقالات وتحقيقات

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب!

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب…

آذار 27, 2020 56 مقالات وتحقيقات

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتات للفقراء...

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتا…

آذار 27, 2020 48 مقالات وتحقيقات

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل الكابيتال كونترول الاجراءات حتى نهاية 2020 في انتظار الآلية التنفيذية

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل …

آذار 19, 2020 121 مقالات وتحقيقات

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل في ظل "كورونا"  العمّال يدفعون الثمن ... والحكومة لا تحميهم

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل…

آذار 17, 2020 119 مقالات وتحقيقات

المصارف تستولي على دولارات المودعين

المصارف تستولي على دولارات المودعين

آذار 17, 2020 98 مقالات وتحقيقات

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

آذار 16, 2020 131 مقالات وتحقيقات

كابوس "الكابيتال كونترول" بات واقعاً.. إليكم تفاصيله

كابوس "الكابيتال كونترول" بات …

آذار 16, 2020 110 مقالات وتحقيقات