وضوح خطاب سياسي واجتماعي، وانتظام المجموعات الثورية حاجة ماسة للعودة إلى الشارع

حزيران 09, 2020

المرصد

  أسست التحركات الاحتجاجية التي اندلعت في 17 تشرين لثورة شعبية هي الأولى من نوعها في تاريخ لبنان المعاصر. خرجت هذه التحركات من كل المناطق اللبنانية دون استثناء والتي حملت مطالب اقتصادية واجتماعية تمس مباشرة بمصالح العاملين والمعطلين عن العمل والمصروفين من أعمالهم وسائر الفئات الاجتماعية المتضررة من نظام المحاصصة والريعية الطائفية، وشكل التضامن الشعبي بمواجهة النظام السياسي والاقتصادي شرعية ثورية لقوى ومجموعات الانتفاضة.

هذه الانتفاضة أتت لتكرس رفض أغلبية الشعب اللبناني لمنطق الحرب الأهلية والصراع الطائفي، وإعادة تصويب اتجاه الصراع الاجتماعي من صراع طائفي، إلى صراع بين أغلبية فقيرة ومنهوبة من جهة، وبين تحالف قادة الميليشيات ورموز الحرب الأهلية والطائفية وأصحاب الثروات لاسيما المصارف وكبار المستثمرين الريعيين من جهة أخرى.

لقد تمسكت قوى الانتفاضة برفض إبراز قيادة للثورة، كما رفضت أيضا فكرة تنظيم قوى الثورة على شاكلة التنظيمات الهرمية الكلاسيكية. كذلك جنحت أغلب المجموعات الثورية إلى أشكال جديدة أكثر ديمقراطية في عملية اتخاذ القرار. ومما لا شك فيه أن مجريات الانتفاضة أثبتت صوابية هذا الخيار.

نجاح الانتفاضة في الاطاحة بالائتلاف الحكومي الطائفي-المذهبي، وبفرط عقد التفاهمات الطائفية التي بُنيت عليها هذه الحكومة، حقق دفعة كبيرة إلى الأمام. ولكن الحكومة التي تم إعادة تشكيلها لم تكن سوى حكومة مصارف بوليسية لحماية نظام الحرب الأهلية والنهب المالي، بالإضافة إلى إستغلال هذه الحكومة لجائحة كورونا حيث قامت بإزالة كل مظاهر الانتفاضة من وسط بيروت، وشن حملة اعتداءات على الناشطين عبر شبيحة النظام، ومن ثم دخول قوى السلطة على خط الانتفاضة، خصوصا أن عودة التحركات ارتبطت بمطلب "الانتخابات النيابية المبكرة" والتي يبدوا أنها لم تكن من ضمن أولويات اللبنانيين، بالاضافة إلى قيام جهات مجهولة (أشباح نظام الميليشيات والحرب الأهلية) بالترويج لمطلب نزع سلاح حزب الله، بالرغم من تأكيد جميع قوى الانتفاضة أن موضوع السلاح لم يتم طرحه. ووالملفت أن أكثر من يقوم بإثارة موضوع السلاح هو حزب الله نفسه، إذ أن إثارة هذا الموضوع يتيح له التعمية على المطالب الاقتصادية والاجتماعية للجماهير ما يسمح بإضعاف قدرة الانتفاضة على الاستمرار.

الواضح أن جميع أطراف النظام الموجودين في الحكومة وخارجها دون استثناء وعلى رأسهم حزب الله، قد لجؤوا إلى لعبة شد العصب الطائفي والمذهبي عبر التحريض المذهبي وإثارة النعرات الطائفية في ظل تواطؤ الأجهزة الأمنية والقضائية التي لم تقدم على توقيف أو اعتقال أي من العناصر التي كانت تحرض على الفتنة في الشارع في حين أنها كانت تمعن في قمع وقتل المتظاهرين المطالبين بحقوقهم.  وما يبدو واضحا أيضا أن جميع أطراف نظام الحرب الأهلية ستستمر في لعبة تحريك الشوارع الطائفية والمذهبية حتى تتمكن من تحويل الانتفاضة إلى مهزلة وإحباط القوى الثورية ودفعها للإنسحاب من الشارع والتشويش عليها، وابتزازها بإثارة الحرب الأهلية في حال لم تتراجع عن مطالبها.

هذه التحولات الأخيرة تضع الانتفاضة أمام تحدي جديد، فما قبل 6/6 ليس كما بعده، وقد آن الأوان للانتقال بالانتفاضة من عفويتها التي تأسست في 17 تشرين إلى التنظيم مع التمسك بمبدأ ديمقراطية التنظيمات الثورية والاستمرار برفض فكرة وجود قائد/ة  للثورة. ولعل أكثر ما يحتاجه الناس في هذه المرحلة الحرجة أن تعود المطالب الاجتماعية إلى تصدر الأخبار المتداولة والتحركات في الساحات العامة.

الشعارات والمطالب التي خرجت بها جماهير 17 تشرين، لابد أن تكون الأساس لأي دعوة للتحرك، ليس فقط لتقطع الطريق على الشحن المذهبي والطائفي الذي تثيره أطراف نظام الحرب الأهلية بل أيضا لملامسة مطالب الناس واحتياجاتها. فالانتفاضة تحتاج إلى المزيد من الوضوح في تبني مطالب الناس الحالية.  وعلى الانتفاضة أن ترد على تحريك الشارع مذهبيا وطائفيا، وعليها أن تؤكد مرة أخرى على المطالب الشعبية التي تستمد منها شرعيتها. وعلى رأس هذه المطالب الارتفاع الجنوني للأسعار، وإنخفاض القدرة الشرائية، وإنهيار ما تبقى من قوى عاملة، وملفات الفساد  وما ينتظرنا من فقر وتشرد وارتفاع نسبة التسرب المدرسي وسرقة علينة ومحاصصة لأموال الناس.

هذه هي المطالب الأساسية والجوهرية للانتفاضة، والتي تشكل عصب الشارع الثوري. ولذلك أصبحت الانتفاضة اليوم ملزمة أن تحمل خطاب إقتصادي اجتماعي يطرح رؤى مستقبلية للخروج من نفق الفقر والتهميش الذي يرسيه النظام الحالي. فالقضية الاقتصادية الاجتماعية هي قلب وجوهر الصراع السياسي بين القوى الثورية والقوى الطائفية الميليشاوية ولا يجوز التحرك إلا تحت مظلة القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تمس بمطالب وقضايا الناس وهمومها.

وعلى مستوى آخر لقد صار من المُلح على الجميع أن يبدأوا بمناقشة أي نظام سياسي نريد كنظام بديل عن نظام الحرب الأهلية، وتقديم خطاب سياسي يسمح بتشيكل خارطة طريق لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الحريات العامة. وبهذا المعنى فإن مجموعات الانتفاضة تحتاج أيضا بشكل جدي إلى الانتقال بتطورها السياسي إلى مرحلة أكثر تقدما على المستوى التنظيمي والتعاون والتنسيق فيما بينها.

إن المجموعات الثورية التي تحمل قيما ومبادئ متقاربة ومتشابهة بحاجة إلى أن تأتلف فيما بينها وتصدر بشكل شديد الوضوح خطابها ومطالبها ومواقفها، كي تمنع أطراف النظام من إعادة الصراع إلى صراع طائفي، وكي تتمكن من الحفاظ على الصراع السياسي كصراع بين الـ99% من الناس أي الفقراء وأصحاب الدخل المحدود والمعطلين عن العمل، والمصروفين وسائر الفئات الاجتماعية المهمشة من جهة، وبين الـ1% الذين يمثلون زعماء الميليشيات وحاشيتهم المقربة جدا وأصحاب الرساميل الريعية من جهة أخرى.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الطعن بقانونية هيئة مكتب الإتحاد العمالي العام يتفاعل: أعضاء هيئة المكتب برئاسة الأسمر  يتخلفون عن تزويد وزارة العمل بمحاضر انتخابات نقاباتهم   

الطعن بقانونية هيئة مكتب الإتحاد العمالي…

كانون1 29, 2021 185 عمالية ونقابية

الطعن بقانونية هيئة مكتب التحاد العمالي العام يتفاعل:

الطعن بقانونية هيئة مكتب التحاد العمالي …

كانون1 28, 2021 98 مقالات وتحقيقات

حراس الامن والحماية»: يعانون التهميش والاستغلال

حراس الامن والحماية»: يعانون التهميش وال…

كانون1 28, 2021 86 مقالات وتحقيقات

الحماية الاجتماعية للعاملين والعاملات مفقودة في القطاع الصحي في لبنان

الحماية الاجتماعية للعاملين والعاملات مف…

كانون1 28, 2021 270 مقالات وتحقيقات