المرصد -7-6-2021

د. سعيد عيسى 

سياسة الحماية الاجتماعية التي تعتمدها السلطة اللبنانية من خلال: وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والصحة:
أ – وزارة الشؤون الاجتماعية:

في مراجعة لسياسة الحماية الاجتماعية التي تعتمدها وزارة الشؤون الاجتماعية المنشورة على موقعها الإلكتروني تعتبر الوزارة أنّ دورها إنمائي بالكامل وأنّ استراتيجيتها مبنيّة على مبادئ التنمية البشرية المستدامة، وركائزها الأساسية هي الاستجابة للحاجات الأساسية الأكثر حاجة وتعتمد لامركزية العمل الاجتماعي التنموي، والإنماء المتوازن للمناطق الجغرافية، والتكامل والشراكة بين القطاعين الرسمي والأهلي على مختلف الصعد، وأنّ موضوع عملها هو النّاس، وتسعى لتكيّف أنظمتها مع حاجياتهم على اختلافها وفقا للظروف والمتغيّرات الاجتماعية . وتعتز بتميّز شراكتها مع القطاع الأهلي في توفير الخدمات الرعائية وفي المشاريع المشتركة ذات الطابع الخدماتي التنموي أو المحلي، معتبرة أنّ نظرتها هذه متوافقة مع الاتجاهات المعاصرة في التنمية البشرية بحسب الوزارة .
وتضيف الوزارة إنّ الخدمات الإنمائية التي تحقق أهداف الوزارة في جميع الحقول الرعائية والخدماتية والتنموية تتولاها مراكز الخدمات الإنمائية التي تتوزع فروعها على ثماني محافظات لبنانية . وتهتم الخدمات الاجتماعية بالأطفال، والمرأة، وكبار السنّ، والأحداث المعرّضون للخطر، والمساجين، والمدمنين، والمشردين، ورعاية وتأهيل المعوّقين.
كما تعلن الوزارة على موقعها أنّها تهتم بـالمشاريع الإنمائية والحرف والصناعات اليدوية، وتتعاون مع المنظمات الدولية من خلال مشاريع لتعزيز مشاركة المرأة والحوكمة في التنمية المحلية، ودعم الأسر الأكثر فقرا من خلال تغطية صحية كاملة، وتسجيل الطلاب مجانا في المدارس والثانويات وتقديم بطاقات مساعدات مواد غذائية للأسر الأشد فقرا (البالغة ٥٠٧٦ أسرة حسب الوزارة)، وبناء قدرات المجتمعات المتأثرة بالأزمة السورية وتحقيق الاستقرار والتخفيف من حدّة التوترات بين اللبنانيين واللاجئين السوريين والحؤول دون حدوث النزاعات والمنافسة على فرص العمل وذلك من خلال توفير فرص العمل وتوفير الخدمات الأساسية .
بين ما تعلن عنه وزارة الشؤون الاجتماعية وبين ما هو حاصل على الأرض فرق شاسع، إذ تكفي زيارة إلى بعض مناطق مدينة بيروت مثل زقاق البلاط والبسطة وبرج أبي حيدر وحي اللجا والمدور صبرا وشاتيلا وبئر حسن و ضواحي بيروت الشرقية والغربية وبالتحديد إلى مناطق مثل "النبعة، والزعيترية - سد البوشرية، والفنار، ورويسات – الجديدة، والسلطان إبراهيم، والأوزاعي، والرمل العالي، وبرج البراجنة، وحي السلم، والليلكي، وصحراء الشويفات وغيرها" حتى نجد انعدام التنمية والمساواة واللاعدالة والفقر والتهميش والبطالة الفعلية والمقنّعة، وسيادة الأمية والتسرّب من التعليم، وغياب الإنماء، وتسيّد الحرمان بأشكاله كافة، وتعاطي وتسويق المخدرات بين صفوف الشباب، وانعدام الرعاية والحماية الاجتماعية والاستشفاء والطبابة والخدمات بأشكالها المختلفة. ناهيك عن باقي المناطق في الشمال والبقاع والجنوب وجبل لبنان.

وعلى عكس ما تحاول الوزارة إن تشيعه عن الخدمات الإنمائية فإنّ مراكز الخدمات الاجتماعية الموزّعة على المحافظات بهدف الإنماء وتقديم الخدمات تحولت إلى مراكز تابعة للقوى السياسية المسيطرة في لبنان وفي المناطق، من خلال تحكّمها بتعيين مسؤولي المراكز والموظفين فيهم وتوزيع الخدمات على المستفيدين الذين يوالون السياسيين. وبدل أن تكون مراكز لخدمات إنمائية لجميع المواطنين، تحولت إلى مراكز لخدمة السياسيين وجمهورهم، تتحكم فيها الواسطة والزبائنية وكل ذلك من حساب وزارة الشؤون، لا بل أنّ الوزراء المتناوبين على وزارة الشؤون أغرقوا تلك المراكز وحملوها فوق طاقتها من المتعاقدين لدرجة أنّ بات الكثير منهم يتقاضى رواتب دون أن يكون له عمل يذكر في تلك المراكز، أو دون أن يعرف أين هي مكانها. كل ذلك بهدف تنفيعهم وكسب ولائهم السياسي وولاء عائلاتهم خصوصا في الانتخابات النيابية. كما أنّ الجمعيات الأهلية المتعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعية هي مجال تنفيعات وصرف نفوذ واسع للسياسيين وزوجاتهم والمحظيين وفساد وهدر للمال العام.


إنّ المتجوّل في مختلف المناطق اللبنانية لا يلحظ أثرا واضحا للمشاريع الإنمائية التي تتحدث وزارة الشؤون الاجتماعية ولا الأثر التنموي لمراكزها المنتشرة، ولا للحرف ولا للصناعات اليدوية سوى ما ندر، إنّما ما هو ملاحظ نسبة غياب الإنماء وتلف البنى التحتية على اختلافها، والغرق في الفقر والحرمان والتهميش والخروج عن القوانين وسيادة الفوضى والاضطرابات الاجتماعية خصوصا في ضواحي بيروت وفي طرابلس والضنية وعكار وفي البقاع الأوسط وبعلبك – الهرمل.
وبخصوص مشاريع تعزيز مشاركة المرأة والحوكمة في التنمية المحلية فإنّ نسبة النساء الفائزات في الانتخابات البلدية في لبنان تعبّر عن فشل الوزارة في هذا المجال، إذ لم تتعدَ النسبة ٦,٥ ٪ على صعيد كل لبنان . وأما برنامج دعم الأسر الأكثر فقرا فلم يحقق الغاية منه، إذ استثمره السياسيين المسيطرين وحولوه لمصالحهم الانتخابية والزبائنية، من خلال الموظفين التابعين لهم في الوزارة، والمتعاقدين الذين وظفوهم لتعبئة الاستمارات، والعائلات الموالية لهم التي وجهوا متعاقدي الوزارة لتعبئة الاستمارات معها ومن خلال البلديات التي يسيطرون عليها أيضا. ، بالنسبة لبناء قدرات المجتمعات المتأثرة بالأزمة السورية والتخفيف من حدة التوترات فلم تحقق الغاية منها أيضا إلا بنسب محدودة جدا وبقي التنافر موجودا ويعبر عنه من خلال البلديات وطريقة تعاطيها مع اللاجئين ومنعهم من التجول ليلا وفرض قيود على تحركاتهم، وتحديد أجور لأعمالهم، أو منعهم من التواجد داخل نطاقها الجغرافي، والأمثلة عن التوترات كثيرة وفي مختلف المناطق اللبنانية.
إنّ ما تقدّم يؤكد أنّه لا يوجد استراتيجية واضحة لمعالجة الشؤون الاجتماعية للبنانيين وتأمين سبل الحماية لهم سواء كانوا نساء أو شبابا، أو عاطلين عن العمل، أو معوّقين، أو أسر كاملة، أو متقاعدين، أو كبار في السن، أو لاجئين.
ينبغي الإشارة إلى أنّ وزارة الشؤون الاجتماعية مُكلّفة بحماية الفئات الاجتماعية الضعيفة والمهمشة وغير المحصّنة. وبالتالي يجب تعزيز دورها كي تقوم بتوفير القوى العاملة في مجال الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن إعادة النظر في البرامج المتعددة والمتداخلة المكلفة التي أثبتت عدم فعاليتها واعادة تنظيمها بحيث تستجيب بشكل أكبر على حاجات الفئات التي تستهدفها الوزارة. كما ينبغي مراجعة دور مراكز التنمية الاجتماعية والخدمات التي تقدمها لتحسين أدائها وتطوير قدراتها وتأهيلها لتنفيذ برامج الوزارة بشكل شامل وفعّال. كما يتعين على الوزارة أيضاً وضع سياسات وإجراءات واضحة للتعاقد مع الجمعيات غير الحكومية ومراقبة أدائه وتتبع أثر الخدمات التي تقدمها للمواطنين وفعالية هذه الخدمات.
ومن المفيد ذكره أن وزارة الشؤون كغيرها من الوزارات تحوّلت إلى أداة بيد القوى السياسية الحاكمة، تستخدمها لتعميم الزبائنية وتستفيد منها للتوظيف وللسيطرة على الأفراد وعائلاتهم لإبقائهم موالين لها من خلال خدماتها ومشاريعها.

 

ب – وزارة الصحة:
في خطتها الاستراتيجية بين الأعوام ٢٠١٧- ٢٠٢٥ تقول وزارة الصحة اللبنانية بأنها ستحافظ على الموقع المتقدم للبنان في المجال الصحي على مستوى المنطقة والعالم، وتأمين التغطية الصحية الشاملة لكل المواطنين وإعداد السجل الرقمي، والقيام بالحوكمة الرشيدة، والتنمية المستدامة، واستقطاب الاستثمار والسياحة العلاجية، وإطلاق الصحة الرقمية، والاستجابة لحالات الطوارئ بفعالية، وتطوير السلامة الغذائية. إضافة إلى مشاريع قوانين ومراسيم تعنى بـتنظيم المهن الطبية، والمستشفيات المتخصّصة، وبنوك الدم، والسقوف المالية للمستشفيات وغيرها...
وبالنسبة للتغطية الصحية الشاملة فقد حددت المستفيدين منها بكل من ليس لديه غطاء صحي من أية جهة ضامنة، والخدمات الصحية التي تقدم هي الاستشفاء، غسيل الكلى، الرعاية الأولية وبرامج العافية، الأدوية الأساسية والأمراض المستعصية، الفحوصات والعيادات الخارجية.
على أن تؤمّن التمويل من الموازنة العامة واشتراكات سنوية ومشاركات تسديد إضافة إلى الهبات. وعن كيفية تحديد المستفيدين فيتم ّ من خلال تجنيد طاقات الوزارة ومراكز الرعاية الأولية. والاستشفاء يتمّ في المستشفيات الخاصة والحكومية وأمّا الفحوصات فتكون في المستشفيات الحكومية ومراكز الرعاية الأولية. على أن يتم الالتزام بالوصفة الطبية الموحدة وبإلزامية السجل الصحي الرقمي.
وبالنسبة للاستشفاء عن بعد فيكون من خلال ربط مراكز الرعاية الأولية بالمرضى في المنازل، وربط المرضى في مراكز الرعاية الأولية بالأطباء في مراكز المراقبة بالمستشفيات، وربط المستشفيات البعيدة بالأكثر تطورا للمساندة عند الحاجة أو للمشورة خلال العمليات.
بالنسبة لخطة الطوارئ، سيتم استخدام تطبيقات لتحديد المستشفى الأقرب والأنسب، وضم كل المعنيين من إسعاف ومستشفيات وأطباء ومراقبين ومواطنين إلى النظام والخطة، وتحديد آليات لمعالجة المشاكل والمتابعة الانية، وتأهيل المجتمع وتدريبه لتحسين قدرته على الاستجابة عند الأزمات.
بالنسبة لخطة سلامة الغذاء، سيتم إشراك البلديات في هذا الموضوع، وتفعيل سلامة الغذاء في المنزل لرفع درجة الوعي وتخفيف نسبة حالات التسمم والمشاكل الصحية الأخرى، وفي المرافق السياحية والمؤسسات.
بالنسبة لخطة دعم أقسام العناية الفائقة وخاصة للأطفال، فسيتم رفع مستوى القدرات والتدريب، والاستعانة بالتكنولوجيا.
بالنسبة لتطوير المستشفيات الحكومية، ستكون هناك خطة لتفعيل الإدارة، وسيتم اللجوء إلى التوأمة وبناء الشراكات وزيادة المكننة والترقيم، وزيادة فعالية ومستوى الخدمات.
بالنسبة لدعم قطاع صناعة الدواء المحلية، ستراجع الأسعار دوريا بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، وإعادة تحديد لأسس تقنية المقارنة بما يخدم مصلحة المواطن والقطاع، وسيشرك قطاع الدواء في وضع وتحديث القوانين والقرارات المتعلقة بالدواء، وسيعقد اجتماعات دورية مع ممثلي القطاع لتذليل العقبات ولتطوير خطط العمل، وزيارات ميدانية إلى مصانع الأدوية واعتماد الوصفة الإلكترونية للدواء وإعادة صرفه إلى الصيدلية. وإعطاء الأولوية لصناعة الدواء المحلية في الوصفة الطبية الموحدة، والمساعدة في تخفيض الكلفة، وإطلاق الحملة الوطنية لدعم الصناعة الدوائية المحلية وإعادة النظر بسياسة تسجيل الأدوية الجنسية (المشابهة) المستوردة والحدّ من استيرادها، وسوف تبذل جهود للاشتراك مع الجهات المختصة لإيجاد أسواق جديدة لتصدير الدواء اللبناني، وعقد اتفاقات نع الدول، واتحادات الدول، أو الشركات الكبرى لتصريف الإنتاج وزيادة الطلب ما يرفع حجم الاقتصاد المحلي ويزيد فرص العمل، وسيتم دعوة وزراء الصحة ومسؤوليها من الدول العربية والإفريقية لزيارة مصانع الأدوية الوطنية وعقد اتفاقيات لتفعيل المعاملة بالمثل.
بالنسبة لترقيم خدمات الوزارة، سيتم العمل لإقرار الحكومة الإلكترونية، والشباك الموحد للمعاملات، وتفعيل نظام الباركود، والتسجيل الجمركي، ترقيم عملية تسجيل المخدرات والمسكنات، شبك مراكز الرعاية الأولية ببعضها وبالوزارة والإنترنت، السجل الصحي الإلكتروني وتبليغ الشكاوى الرقمي.

كان شباط من عام ٢٠٢٠ كاشفا وفاضحا لهشاشة القطاع الصحي اللبناني وللسياسات الصحية المتبعة على مدار عقود ولوزارة الصحة اللبنانية وسياساتها وسياسات وزرائها. أتت جائحة كورونا لتبين زيف السياسات الصحية والهدر والفساد والمحسوبيات فيها.

في استراتيجية وزارة الصحة اللبنانية يظهر الفخر بمركز لبنان الـ ٣١ بين ١٩٥ دولة في مؤشّر الرعاية الصحية وجودتها (HAQ) لعام ٢٠١٧، ولذلك وضعت استراتيجيته صحية طموحة. لكن حساب حقل الوزارة لم يطابق حساب البيدر. بحلول عام ٢٠٢٠ تبخرت كل تلك الطموحات، وبات الانهيار الاقتصادي والمالي وجائحة كورونا يتحكمان بتلك الخطة، علما أن السنوات الثلاث التي سبقت ٢٠٢٠ لم تستطع وزارة الصحة أن تحقق شيئا يذكر مما ورد في خطتها. فلا هي استطاعت أن تحافظ على موقعها المتقدم عالميا، ولا استطاعت أن تؤمن التغطية الصحية الشاملة ولا إعداد السجل الرقمي، ولا حوكمة القطاع الصحي، أو تنميته، وضُربت أي إمكانية لاستقطاب الاستثمار والسياحة العلاجية، لا بل ضرب حصار كامل على لبنان وامتنعت الدول والشركات عن الاستثمار في لبنان، ليس في القطاع الصحي فقط وإنما في جميع القطاعات نتيجة الانهيار المالي والاقتصادي وعدم الثقة بالقطاع المصرفي، بالإضافة إلى فساد القوى السياسية المسيطرة على الحكم في لبنان واستغلال وجودها في السلطة لنهب المال العام وعقد الصفقات المشبوهة لمصالحها الشخصية وتوظيف المحسوبين عليها في جميع الإدارات العامة والسيطرة على مرافق الدولة وقطاعاتها ومواردها كافة وتقاسمها وتحاصصها فيما بينها وانكشاف ذلك للعالم أجمع.
بالإضافة إلى شعور عدد كبير من اللبنانيين الذين تشملهم تغطية الرعاية الصحية لوزارة الصحة العامة بالاستياء نتيجة عدم تغطية تكاليف علاجهم في المستشفيات واستبعادهم نتيجة المحسوبيات والواسطة والزبائنية السياسية والطائفية والمذهبية المتبعة في الوزارة، والممارسات تحصل عكس ما هو عليه الحال رسميا على الورق بتغطية جميع اللبنانيين غير المشمولين بتغطية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي واللواء الطبي وتعاونية موظفي الدولة.
يوجد في لبنان ٣٣ مستشفى حكوميا، موزعة على ٨ محافظات لبنانية ، ولكن توزيع هذه المستشفيات لا يتناسب مع سكان كل محافظة ولا مبنية على احتياجاتهم الفعلية. فعلى سبيل المثال يوجد ٧ مستشفيات حكومية في جبل لبنان تخدم ١،٨٠٢،٢٣٨ يقابلها ٤ مستشفيات في محافظة النبطية تخدم ٣٨٣،٨٣٩ مواطن، بينما يوجد مستشفى حكومي واحد في محافظة عكار يخدم ٤٢٣،٥٩٦. وإلى جانب عدم التناسب يلاحظ العشوائية في مواقع المستشفيات الحكومية إذا لا تبعد مستشفى عن الثانية أكثر من ٢٠ دقيقة بالسيارة كما هو الحال بين مستشفى مرجعيون الحكومي ومستشفى النبطية وميس الجبل وحاصبيا، وبين مستشفى حاصبيا وشبعا وراشيا الوادي، ومستشفى راشيا الوادي وخربة قنافار وجب جنين، وجب جنين ومشغرة، وبين مستشفى بشري وإهدن. وهنا يتبين أن لا معايير واضحة لوزارة الصحة في بناء المستشفيات سوى معايير سياسية أو طائفية، أو الإثنين معا، والتي يسعى فيها السياسيين لإرضاء أنصارهم دون الالتفات لاستمرارية تلك المستشفيات وتمويلها والخدمات التي تقدمها على المدى الطويل، هذا بالإضافة إلى الاستفادة من تلك المستشفيات في التوظيف السياسي – الخدماتي للأنصار والمحازبين وفي السيطرة على مجالس إدارات تلك المستشفيات والتنازع حولها.

في عام ٢٠١٧ وصلت نسبة الإنفاق على الفرد الواحد ٧١٩ دولارا. نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي تعتبر أعلى نسبة إنفاق صحي بين الدول العربية، مع ذلك لا يزيل هذا الإنفاق العالي في مجال الرعاية الصحية التفاوتات في الحصول عليها ولا يضمن تجنب الفقراء والمهمشين والضعفاء تلك النفقات الكارثية عليهم .
وعلى الرغم من انتشار مراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة لوزارة الصحة في مختلف أنحاء لبنان فإنها ما تزال غير متطورة ولا تحوي أجهزة التصوير التشخيصي الأساسية والخدمات المخبرية. ما زال يتعيّن على المرضى التوجّه إلى المستشفيات لطلب الرعاية إذا احتاجوا إلى إجراء فحوصات تشخيصية ، علما أن مراكز الرعاية الأولية تخضع للمحاصصة السياسية والطائفية وللتوظيف السياسي والزبائنية.

 

في ظلّ الانهيار المالي والاقتصادي وارتفاع نسب التضخم بنسب غير مسبوقة وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار ستزداد مصاعب وزارة الصحة، ولن تستطيع معه في ظل الظروف الخانقة اقتصاديا الاستمرار في تقديم ما هو مطلوب منها تجاه المواطنين الذين يستفيدون من خدماتها الاستشفائية والرعائية والأدوية المزمنة وغيرها، وستتراجع خدماتها كلما زادت حدة الانهيار وتتراجع معها التقديمات، وسيزداد أعداد طالبي الخدمات في ظل إقفال المؤسسات وصرف العمال وتنامي البطالة وازدياد حدة الفقر وبالطبع لن تستطيع تحقيق استراتيجيتها الطموحة نتيجة تبدل الأولويات التي فرضها الانهيار ومعه جائحة كورونا وهي (أي الوزارة) بحاجة إلى إعادة النظر في سياستها واستراتيجيتها لتدارك ما هو آت.

ج- وزارة العمل
رغم الانهيار المالي والاقتصادي وما يمرّ به العمال والمؤسسات لا يظهر لدى وزارة العمل اللبنانية اهتمام يذكر بما يحدث، إذ لا يلحظ اهتماما يذكر من الوزارة بهذا الموضوع، سوى بعض التصريحات لوزيرة العمل التي لا تلامس جوهر ما هو حاصل.
لدى مراجعة الموقع الإلكتروني للوزارة لم نجد سوى خبرا يعرض صورة لوزيرة العمل خلال اجتماع تبحث فيه تلقيح العمال الأجانب وصورة أخرى تستقبل فيها نقابة أصحاب صالونات التزيين ويقدمون لها درعا لخدماتها لهم.
وكما بدا، لا شيء يستحق الاهتمام به بالنسبة للوزارة، لا آلاف المؤسسات التي أقفلت أبوابها، ولا عشرات الآلاف من العمال الذين صرفوا وباتوا خارج سوق العمل، ولا نسب البطالة التي حلّقت، ولا تحقيقات تذكر عمّا آلت إليه الأوضاع المأساوية في أجور العمال ولا التضخّم غير المسبوق الذي التهم تلك الأجور. ولا استراتيجية مكتوبة ومنشورة تحدد ما على وزارة العمل أن تقوم به أو ستقوم به لمعالجة الأوضاع المأساوية التي يعاني منها العمال وبالطبع لا خلية أزمة لمتابعة تلك الأوضاع.
آخر تقرير سنوي أصدرته وزارة العمل كان في نهاية عام ٢٠١٨ ومن بعدها لم يصدر أي تقرير. والتقرير عبارة عن ثلاثة أجزاء، يتضمن الجزء الأول بيان بتقرير موافقات العمل المسبقة، وتقرير إجازات العمل، وتوزيعها حسب الجنسية والمهنة بالإضافة إلى هيكلية وزارة العمل. وفي جزئه الثاني يتضمن إنجازات الوزارة المتوقعة والمحققة، وفي الجزء الثالث لمحة عامة عن الإدارة والمخطط التنظيمي والهيكلية .


بيروت: 7-6-2021

 

 

المرصد – شبكة عملي – حقوقي - بيروت

ريان عيسى

19-7-2021


في ظل الانهيار المالي والاقتصادي، والارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار وانهيار العملة الوطنية يعاني عمال الأفران مثلهم مثل الغالبية العظمى من سكان لبنان، إذ إنّ أكثرية هؤلاء مياومين، وأجورهم فقدت قيمتها ولم يعد بإمكانهم تأمين الحاجات الضرورية لاستمرارهم في العيش الكريم.
تختلف أجور عمال الأفران باختلاف وظيفة العامل فيها، فهناك عمال يقبضون أجورهم يوميا حسب كمية أكياس الطحين التي تعجن في اليوم الواحد في الفرن أو حسب عدد أكياس النايلون التي تعبّأ بالأرغفة أو حسب عدد أكياس الخبز التي توزّع على محال البقالة والسوبرماركت والتعاونيات وهؤلاء هم العجّانون والعاملون على الطاولة في تعبئة أكياس النايلون والموزعين أو السائقين وآخرون بأجر شهري وهؤلاء هم العاملون والعاملات في صالات البيع في الأفران.
يتقاضى العجّان يوميا بين 1800 ل.ل. و2000 ل.ل. على كل كيس طحين يعجنه، وهو يعجن في اليوم الواحد بين 40 و50 كيس في الأفران الكبيرة والمتوسطة بينما في الأفران الصغيرة لا يتعدى 20 كيس طحين. وضبيب أو موضب الخبز في أكياس النايلون أو عامل الطاولة يقبض بين 1500 ل.ل. إلى 1800 ل.ل. على كيس الطحين، والعاملين في الصالات يتقاضون بين مليون ومليون ومائة ألف ل.ل. شهريا
ولمعرفة وضع عمال الأفران عن كثب سألنا بعض العمال والعاملات عن أوضاعهم في ظل الظروف الحالية:
يقول سامي وهو عامل فرن منذ أكثر من 27 سنة: "أعمل 12 ساعة يوميا، دون راحة أثناء ساعات العمل، ودون إجازة أسبوعية، ودون احتساب ساعات عمل إضافية له، أتقاضى بحدود 80 ألف ل.ل. يوميا، قبل الانهيار كان معاشي يساوي 1700$ شهريا ومع كل التعب كنت مرتاحا أنا وعيلتي، اليوم أصبح معاشي أقل من 120$، ولا أعرف كم سيصبح غدا أو بعده، أنا خائف من الأيام القادمة فهي لا تبشّر بالخير".
وأما زهير وهو عامل فرن منذ 15 سنة فيقول: "أعمل على مدار السنة بشكل متواصل دون إجازات أسبوعية ودون أعياد، أقبض يوميا 70 ألف ل.ل. قبل الأزمة كنت أتقاضى يوميا 35 ألف ل.ل. كنت مرتاحا نسبيا ووضعي لا بأس به. اليوم تضاعفت أجرتي اليومية لكن مستوى معيشتي وعائلتي تراجع ونعيش على الضروريات نحن الآن في الحضيض، والمعاش لا يكفينا ولا أعلم ماذا أفعل إذا استمر الوضع هكذا".
في حين تقول غادة عاملة وهي عاملة صالة في فرن منذ 4 سنوات: "بدأت العمل براتب 700 ألف ل. ل.، والنقل مؤمن على حساب صاحب العمل، وأرتاح يوم واحد في الأسبوع، اليوم أقبض مليون ومئة ألف ل.ل. بعد أن زاد لي صاحب الفرن معاشي مرتين بسبب انهيار سعر صرف الليرة، ولكن هذا الزيادة لا تقدم ولا تؤخّر، وفي كلّ الحالات سوف يحسمها صاحب العمل من أي زيادة تقرها الدولة، وفي ظل ارتفاع سعر صرف الدولار وارتفاع الأسعار بالكاد أستطيع تأمين الأكل والشرب، وقليلا من البندورة والخيار وبعض الخضروات".

وعن وضع عمال الأفران يقول رئيس نقابة عمال المخابز في بيروت وجبل لبنان السيد شحادة المصري: "لم يطبق قانون العمل اللبناني لغاية اليوم على عمال الأفران، وهذا سبب رئيسي لترك غالبية العمال اللبنانيين العمل في الأفران، باستثناء القلة القليلة التي استمرت في عملها ويعود السبب للعمل المرهق في الأفران ودوام العمل الذي يمتد أكثر من 12 ساعة عمل في اليوم الواحد، دون ساعة راحة حسب قانون العمل ودون دفع ساعات عمل إضافية إذ يعتبر أصحاب الأفران الأجر الذي يتقاضاه العامل متضمنا ساعات العمل الإضافية، وجميع عمال الأفران يعملون 365 يوما متواصلا في السنة؛ إذ لا يأخذ العامل إجازة أسبوعية، أو سنوية أو مرضية، أو أعياد ولا بدل نقل، ولا منح تعليمية. باستثناء عمال الصالات في الأفران هؤلاء يأخذون إجازة أسبوعية".
ويضيف: "النقابة طالبت مرارا وتكرا وزارة العمل بتشكيل لجنة ثلاثية من النقابة ووزارة العمل وأصحاب العمل لتنظيم العلاقة التعاقدية بين العمال وأصحاب العمل، وهذا مطلب مطروح من النقابة عمره عشرات السنين ولم تستجب له وزارة العمل لغاية اليوم. وعدم التنظيم هذا ساهم بشكل كبير في ترك العمال اللبنانيين العمل في الأفران وحلول عمال غير اللبنانيين مكانهم ولكن بشروط عمل أقل ما يقال فيها أنها مجحفة وغير نظامية".
وبالنسبة للصحة والسلامة المهنية للعمال يقول: "الأفران الحديثة تلتزم بالصحة والسلامة المهنية للعمال في مكان العمل، بينما الأفران القديمة لا تحترم شروط ومعايير الصحة والسلامة المهنية، وهناك غياب للرقابة والتفتيش من قبل وزارة العمل والوزارات المعنية مثل وزارة الصحة وغيرها في هذا المجال".
وعن الإقفال والتعبئة العامة والأزمة المالية يقول: "أثّر الإقفال والتعبئة العامة والأزمة المالية والاقتصادية على عمال الأفران خاصة منهم الذين يعملون في الأفران الواقعة على الطرق الدولية، إذ صرف عدد كبير من الأفران عمالهم نتيجة تراجع المبيعات، كما أثر الانهيار على العمال الذين يعملون في أفران الكعك والمعجنات إذ صرف عدد كبير نتيجة إقفال تلك الأقران بسبب غلاء أسعار الطحين وتهريبه وبيعه في السوق السوداء وغلاء أسعار المواد التي تدخل في صناعة المعجنات

قبل الانهيار المالي والاقتصادي وارتفاع سعر صرف الدولار كان يعمل في الأفران عدد كبير من العمال الأجانب من جنسيات بنغلادشية ومصرية وغيرهم في الأفران، وكانوا يتقاضون بحدود 350 دولار، وهذا الأجر كان آنذاك أقل من الحد الأدنى، وبعد الانهيار تم صرف هؤلاء العمال وغادر قسم كبير منهم لبنان نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار وكلفتهم التي أصبحت غالية على أصحاب الأفران، واستبدلوا بعمال سوريين أو لبنانيين الذين باتت أجورهم أقل من العمال الأجانب. في حين كان أصحاب الأفران قبل الانهيار يستبدلون العمال اللبنانيين بأجانب أصبحوا اليوم يطلبون العمال اللبنانيين للعمل في الأفران نظرا لأجورهم المتدنية نتيجة التضخم.
في لبنان حوالي 240 فرن للخبز، وهؤلاء يأخذون طحين وسكر من وزارة الاقتصاد بأسعار مدعومة ويعمل في هذه الأفران آلاف من العمال ولكن غالبيتهم غير مسجلين في الضمان الاجتماعي. كما أنّ غالبية العمال السوريين العاملين في الأفران غير نظاميين إذ ليس لديهم إجازات عمل وغير مسجلين في الضمان الاجتماعي.
وعن وضع عمال الأفران في الضمان يقول نقيب عمال المخابز السيد شحادة المصري: "هناك نوعان من الضمان اليوم:
1- حسب اتفاقية بين الضمان الاجتماعي وأصحاب الأفران يدفع أصحاب الأفران للضمان عن كل طن طحين (1000كلغ) 25 ألف ل.ل. وهذا يسمح بتسجيل العمال اللبنانيين والأجانب في الضمان لأنّ اشتراك الضمان استوفي سلفا بغض النظر عن عدد العمال، وهنا يلجأ بعض أصحاب الأفران لعدم تسجيل العمال الأجانب في الضمان، ويسجلون بدلا منهم عمال لبنانيين يعرفونهم ولا يعملون في الأفران إنما ليستفيدوا من الضمان والاستشفاء، لا بل وقد يستوفون منهم بدل اشتراك الضمان شهريا ويقبضون بدلا عنهم التعويض العائلي.
2- النوع الثاني من الضمان هو الخضوع العادي للضمان أي يدفع صاحب الفرن الاشتراك المتوجّب عليه عن كل عامل يعمل عنده وهنا يلجأ أصحاب الأفران لتسجيل العمال بالحد الأدنى للأجور أو أكثر بقليل، كي لا يدفعوا الاشتراكات على الأجر الفعلي، وحتى أنهم لا يسجلوا العمال اللبنانيين غير المتزوجين إنما المتزوجين فقط كي يستفيدوا من التعويض العائلي ويضعونه في جيوبهم بدل زن يدفعوه للعمال، حتى أن بعض أصحاب الأفران يحمّلون اشتراكات الضمان المتوجبة عليهم للعمال ويحسمونها من رواتبهم".
قبل الانهيار المالي والاقتصادي كان عمال المخابز والأفران يعانون من نقص فاضح في حقوقهم، ومن تهرب أصحاب العمل من تطبيق قانون العمل اللبناني عليهم. وفي ظل الانهيار تضاعفت معاناتهم وزاد عليها عدم وجود مظلة حماية اجتماعية تحميهم، وأصبحوا خائفين على مصيرهم ومستقبلهم ومستقبل عائلاتهم مثلهم مثل الغالبية العظمى من سكان لبنان، فهل تكون الأيام القادمة فرج عليهم أم تضيف إلى معاناتهم مآسي جديدة؟

 

 

  • المرصد

أسعد سمور- في بداية العام 2015 كانت أحزاب السلطة تجهز نفسها لإنتخابات روابط التعليم الرسمي والمهني والادارات العامة لكسر هيئة التنسيق النقابية التي قادت مع حنا غريب واحدة من أهم الحركات الاحتجاجية المطلبية قبل 17 تشرين. في 24 كانون الثاني  2015انتصرت لائحة التوافق الحزبي وأكدت أحزاب السلطة مقولتها بأن الناس لا تؤيد المستقلين والمعارضين لمنظومة السلطة الراهنة حتى لو خاضوا أضخم حركة عمالية مطلبية... أما اليوم فالوضع مختلف تماما.

 

النظام المهترئ والانتفاضة المستمرة

وجدت أحزاب السلطة في انتشار جائحة كوفيد-19 فرصة مناسبة للانقضاض على الانتفاضة فسارع وزير الداخلية محمد فهمي لإزالة الخيم، فيما استمر الترويج لإنتهاء الانتفاضة وإنفضاض جمهورها أمام ثبات وصلابة النظام بإعتباره الثابت الذي لا يتغير. الأمس أثبت "النقابة تنتفض" أن الانتفاضة ليست مجرد شعار إنما ممارسة فعلية ظهرت في إدارة معركة المندوبين أولا، ففرضت النقابة معاييرها وشروطها ملتزمة بمقولة "كلن يعني كلن"، وفي إنتخابات النقيب ومجلس النقابة شهدنا مناظرة بين المرشحين لموقع النقيب وعلى أساسها حصد النقيب عارف ياسين تأييد المهندسيين والمهندسات لترشحه لهذا الموقع.

في الجهة المقابلة كانت أحزاب السلطة تعبر عن حقيقة النظام المهترئ، فهو منقسم على ذاته وتبين هذا الانقسام في ظل غياب إمكانية التوافق على منصب النقيب نتيجة الاستمرار في صراع المحاصصة العبثي. كما بينت هذه الأحزاب تهافتها ووصول شعبيتها إلى الحضيض بين المهندسين فقد حاز عارف ياسين  على موقع النقيب بفارق أصوات يتجاوز الضعف عن الأصوات التي حصل عليها مرشحا الأحزاب مجتمعان.

الانقسام الحزبي على موقع النقيب، لم يمنع الأحزاب من الاتحاد في محاولة للسيطرة على مجلس النقابة خصوصا أن الأحزاب ليست  بحاجة سوى للفوز بـ3 أعضاء لتحكم قبضتها على المجلس، وشل موقع النقيب كما حدث مع النقيب السابق جاد ثابت.  وفي هذا السياق توافقت الأحزاب على المهندسين جورج خوري وبرونو سلوان وربيع خليفة، الذين وردت أسماؤهم في لائحة "النقابة بيتنا" المدعومة من تيار المستقبل وحركة أمل، ولائحة "لنقابة وطنية مهنية" المدعومة من باقي أحزاب السلطة. ولكن النتيجة جاءت عكس ما تشتهي الأحزاب وفرضت "النقابة تنتفض" سيطرتها على مجلس النقابة لتثبت بذلك إنتصارها.

بكل الأحوال، سواء على مستوى معركة النقيب أو معركة مجلس النقابة، وسواء كانت السلطة متحدة أو منقسمة فإن الواضح هو إهتراء هذا النظام وتهافته، مقابل إنتصار لـ17 تشرين كثورة مستمرة. هذا الإنتصار يضع عارف ورفاقه في مجلس النقابة أمام تحديات جديدة ومباشرة مع قضايا الناس خصوصا أن لنقابة المهندسين دورا واضحا ومؤثرا في السياسات العامة للبلاد خصوصا على مستوى التنظيم المدني والبنية التحتية المترهلة.

 

إستعادة النقابات خطوة بإتجاه الخروج من المأزق

لقد أثبت المهندسون والمهندسات أن التغيير ممكن وأننا قادرين على إحداث التغيير وإسقاط هذا النظام من مواقع مختلفة، وصولا إلى الإسقاط الكلي له من الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية. كما يشكل هذا الإنتصار النقابي دعوة لكل الفئات المهنية لإعلان الانتفاضة في نقابتهم  واستعادتها كنقابات الأطباء والصيادلة، بالإضافة إلى نقابة المحررين التي يخوض تجمع نقابة الصحافة البديلة معركة استعادتها ويدعو كل الصحافيين والصحافييات للتضامن والمشاركة في هذه المعركة.

في ظل إنهيار النقابات العمالية وغيابها الكلي عن المشهد العمالي، وهيمنة مجموعة صغيرة من المستثمرين الريعيين على نقابات أصحاب العمل. فإن المعارك النقابية لا يجب أن تقتصر على النقابات المهنية، والأمل  بتفعيل حركية موظفي القطاع العام والأساتذة، وإعادة الإعتبار إلى الحركة النقابية العمالية من هذا الباب، إذ أن طرد أحزاب السلطة من روابط القطاع العام لن يكون مجرد رد على هزيمة 2015 بل أيضا مؤشر قوي على نهاية منظومة المحاصصة الميليشيوية.

نداء الوطن- خالد أبو شقرا 

يصح على ما يجري في موضوع ترشيد الدعم على الدواء المثل الشعبي القائل "مجنون يحكي وعاقل يفهم". فإذا كان سعر الصرف في السوق الموازية 22600 ليرة وسعر منصة "sayrafa" المخصصة "نظرياً" للتجار 16800 ليرة، فمن أين ابتُدعت أسعار 4800 ليرة لدعم الأدوية المنتجة محلياً، و12 ألف ليرة للمستوردة؟ ومن أين سيؤمّن مصرف لبنان 600 مليون دولار سنوياً للاستمرار بالدعم؟ وما هو مصير الجهات الضامنة؟ وما الغاية من "زكزكة" المستوردين والصيادلة بتخفيض جعالتهم إلى 6 و16 في المئة على التوالي؟ وما مصير المواطنين في حال رفع الدعم؟

 

 
 

 

 

 

 

في الحقيقة لا أحد يملك أجوبة شافية على ما طرحته خطة ترشيد الدعم الجديدة التي أطلقتها وزارة الصحة في مؤتمر صحافي نهاية الأسبوع الماضي. فبدلاً من أن تكون الخطة التي ولدت بعد عامين بـ"التمام والكمال" على اندلاع الأزمة واستنزفت لتاريخه 2.4 مليار دولار محكمة ومن دون أي شوائب، أتت ناقصة وغامضة ولا تحل المشاكل. والإجتماعات التي ستفتح اليوم بين الوزارة والمعنيين في القطاع، لن تصل إلى النتيجة الشافية، حتى ولو تم الإتفاق على الحل، قبل الأسبوع القادم، مع دخول البلد فترة عيد الأضحى لثلاثة أيام. وعليه تستمر أزمة الدواء لأيام فيما المرضى لا يستطيعون الصبر لدقائق من دون أدوية وعلاجات.

سعر الإستيراد

تفيد مصادر نقابة مستوردي الأدوية بأن العقدة الأولى تتمثل في عجز مصرف لبنان عن الإستمرار في الدعم، وهو كان قد أبلغ الوزارة بضرورة تخفيض فاتورة الدعم عن الأدوية إلى 75 في المئة". وعليه اذا افترضنا أن الدعم السنوي على الدواء يبلغ 1.2 مليون دولار، فان مصرف لبنان لن يستطيع الدعم بأكثر من 300 مليون دولار أي نصف القيمة التي أعلنت الصحة أنه سيدعمها. وعلى الرغم من خطوة الوزارة الشجاعة، فان تطبيق الخطة كما هي صعب من وجهة نظر المستوردين لسبب بسيط جداً وهو: أن المستوردين سيشترون الدولار على سعر أقله 24 ألف ليرة وسيبيعون الدواء على سعر 12 ألف ليرة وبالتالي سيحققون خسارة 50 في المئة اليوم، وستزيد هذه الخسارة مع كل ارتفاع في سعر الصرف في السوق الموازية. فمن يستطيع في هذه الظروف العمل بخسارة؟ رهان المستوردين الوحيد على ما يبدو هو أن يكون للوزارة هدف ما زالوا يجهلونه من وراء تحديد الأسعار بهذا الشكل. وهم سيتفاوضون مع الوزير وفريق عمله اليوم على آلية التطبيق التي تحل المشكلة. إذ أنه خلافاً لذلك فان أحداً من المستوردين لن يعمد إلى استيراد الأدوية، خصوصاً ان هامش الربح خفض أيضاً إلى 6 في المئة. وهو هامش لا يغطي التقلبات اليومية للعملة حيث ان سعر الصرف يرتفع بأكثر من 6 في المئة يومياً. وبالتالي ستبقى الأزمة معلقة ومن دون حل.

"ما يزيد من خطورة الوضع هو عدم دخول البلد حبة دواء واحدة منذ حوالى الشهرين"، بحسب المستوردين. فـ"لا موافقات أعطيت ولا الشركات المصدرة على استعداد لتزويدنا بالأدوية قبل تسديد المستحقات البالغة 600 مليون دولار". والنتيجة فقدان ما بين 50 إلى 75 في المئة من الادوية وتحديداً تلك العائدة لعلاج الأمراض المستعصية.

تفاصيل الخطة

على المقلب الآخر سيؤدي رفع الدعم كلياً أو اعتماد سلم متحرك للأسعار أقرب إلى سعر السوق إلى انعدام قدرة المرضى على شراء الأدوية. من هنا لجأت وزارة الصحة إلى تقسيم الأدوية إلى 4 فئات أساسية بحسب نقيب الصيادلة في لبنان د. غسان الأمين، وهي:

- الأولى أدوية OTC Over the counter التي تعطى من دون وصفة طبية وقد حدد سعر بيعها على أساس 12 ألف ليرة للدولار في المرحلة الأولى.

- الثانية acute disease أي الأمراض الحادة التي تعطى بوصفة طبية حدد سعرها أيضاً بـ 12 ألف ليرة للدولار الواحد مرحلياً.

- الثالثة الأمراض المزمنة كالضغط والسكري والقلب... وغيرها أبقي الدعم عليها على أساس 1500 ليرة للدولار.

- الرابعة الامراض المستعصية كالسرطان، والمستلزمات الضرورية للعمليات الجراحية كالبنج وخيطان التقطيب والتي أبقي أيضاً الدعم عليها كما هو.

وبحسب الأمين فان دعم مصرف لبنان لفاتورة الدواء شهرياً بـ 50 مليون دولار، يكفي للفئتين الثالثة والرابعة من دون زيادة ولا نقصان. الأمر الذي اضطر وزارة الصحة إلى إعطائها الاولوية بالدعم لانها توصف على مدى الحياة وليس لفترة موقتة، كما أن من دونها يفارق المريض الحياة. أمّا بالنسبة إلى الفئتين الأولى والثانية، فكان أمام الوزارة حلان بحسب الأمين: إما رفض رفع أسعارها وتكون النتيجة فقدانها كلياً من السوق. وإما رفع الدعم عنها كلياً وترك حرية استيرادها وبيعها بحسب سعر السوق، وبذلك تكون الوزارة تخلت عن دورها الرقابي في القطاع وحرمت القسم الاكبر من اللبنانيين من الحصول عليها نتيجة ارتفاع أسعارها. وأمام خطورة الخيارين اضطرت الوزارة إلى اعتماد سعر 12 ألف ليرة لهذه الادوية على أن يتغير هذا السعر بشكل دوري وتدريجي تبعاً لتغير الظروف.

الإفراج عن الدواء المخزن

المشكلة أن هذا القرار سيؤدي إلى خسارة المستوردين للأدوية في الفئتين الأولى والثانية. وفي العلم التجاري لا فرق إن كانت الخسارة 50 أو 100 في المئة لان لا أحد يتاجر ليخسر، ما سيؤدي حكماً إلى توقف الإستيراد. إلا انه من وجهة نظر الأمين فان "الوزارة اعتبرت أن هناك مجموعة من الأدوية مستوردة منذ فترة (عندما كان سعر الصرف بين 12 و15 ألف ليرة) وغير موزعة لغاية الآن، وبيعها على سعر 12 ألف ليرة لا يشكل خسارة بالنسبة للمستوردين. فلتُبَع إذاً على سعر 12 ألف ليرة على أن تتغير التسعيرة للطلبيات الجديدة". وبالفعل ما إن رفع الدعم حتى ظهرت أدوية كانت مقطوعة في السوق ومنها على سبيل المثال Panadol Advance الذي بيع بـ 45 ألف ليرة بدلاً من 7000 ليرة.

لا حل جذري

ما يفهم من خطة الوزارة أن طلبيات الإستيراد الجديدة ستُسعر بعد نفاد المخزون على سعر صرف أقرب إلى السوق الموازية. لكن ماذا عن الطلبيات المستوردة بقيمة 600 مليون دولار ولم يسدد ثمنها؟ وماذا عن قدرة المواطنين في الحصول على حاجاتهم من الادوية في المستقبل القريب جداً؟ يجيب الأمين أن "الأمر يتطلب أقصى درجات المسؤولية، وعلى المركزي تسديد ثمن الأدوية المستوردة والبدء من جديد على قاعدة دعم واضحة ومحددة بدقة".

أما بالنسبة إلى المواطنين الذين اقترح عليهم وزير الطاقة أن "يركبوا شي تاني"، عندما يرفع الدعم عن البنزين، فان وزارة الصحة اقترحت التوجه إلى مراكز الرعاية الأولية. فهل هو الحل؟ "بالتأكيد لا"، تجيب مصادر متابعة. "مقترحة إنشاء منصة للحصول على الأدوية بسعر مدعوم للأشخاص الأكثر حاجة". معضلة الأسعار تقابلها معضلتان لا تقلان اهمية تتمثل الأولى بجعالة الصيادلة التي خفضت من حدود 23 في المئة إلى 16 في المئة ومصير الجهات الضامنة. وفي الجهتين الموضوع بحاجة إلى بحث عميق. وبحسب الأمين فان تخفيض الجعالة مؤذ للصيادلة ويجب أن يحدد بحسب أسعار الأدوية حيث ينخفض على الادوية المرتفعة الثمن ويبقى معتدلاً على الأدوية الرخيصة. وعلى الجهات الضامنة الإنتقال إلى الأدوية الجنيسة generic بشكل كامل مع فتح باب استيرادها من الدول المشهود لها في هذا المجال.

في جميع الحالات لا حل شافياً لغاية الآن لأي موضوع يتعلق بالدواء ومصير المواطنين والتجار والصيدليات والجهات الضامنة. مع العلم أنه كان أمام المسؤولين المتسع من الوقت لحلحلة كل العقد وتذليل كل الصعاب. إنما مع الأسف تبقى المماطلة والتسويف حجة للحفاظ على مصالح البعض.

اسماعيل سكرية: مجزرة أسعار دوائية 

نتقد رئيس "الهيئة الوطنية الصحية - الصحة حق وكرامة" الدكتور اسماعيل سكرية في بيان اليوم، "مجزرة لائحة أسعار الأدوية التي أعلنتها وزارة الصحة العامة، ويعجز الناس عن تحملها".

واستغرب "رضوخ الوزارة لقرار حاكم مصرف لبنان الذي احتسب الدولار على سعر 12 ألف ليرة، فحلقت أسعار الدواء بعيدا من قدرة المواطن، بعد أن زادت بين أربعة وستة أضعاف، مما سيجعل أكثر المرضى يعمدون إلى شراء الدواء بعدد الحبات، بعد عجزهم عن دفع ثمن كامل العلبة".

وقال: "هكذا ترجمت وعود ترشيد الدعم بعد تسعة أشهر من التسويق الإعلامي، تماما كأشهر التكليف التي هدرت من دون تشكيل الحكومة، والقاسم بينهما تمرير الوقت ومزيد من الانهيارات. واتضحت أسباب إخفاء الأدوية في المخازن وأهدافها، وتصدير بعضها إلى الخارج، في ما نشهد مجزرة أسعار في الصيدليات، وهذا ما توقعناه وحذرنا منه مرارا وتكرارا، كما حذرنا من مناورات حاكم مصرف لبنان وعدم مجابهته بوقفة جدية مسؤولة من الأطراف المعنيين، وبخاصة وزارة الصحة ونقابة الصيادلة ولجنة الصحة البرلمانية".

وختم سكرية: "ها هي النتيجة. مزيد من محاصرة صحة الناس بصعوبة العلاج الدوائي بالشروط العلمية المطلوبة، بعد تصاعد حصارها استشفائيا، واستمرار تغييب المختبر المركزي... وكل ترشيد والمواطن تحت وطأة مزيد من الكوابيس".

 

جريدة الاخبار - لينا فخر الدين

حصل ما كان متوقعاً. فازت لائحة «النقابة تنتفض» بكامل أعضائها في انتخابات نقابة المهندسين. حملة الشائعات المذهبية التي شُنّت على عارف ياسين لم تأتِ بنتيجة

، ووصل الرجل إلى منصب النقيب بأكثريّة ساحقة تمثّلت بـ5798 صوتاً مقابل 1528 لمرشح تيار المستقبل باسم العويني و1289 للمرشح المستقل عبدو سكرية. وعليه، خسر «المستقبل» كلّ شيء في النقابة. التيار الذي كان منذ سنوات قليلة يرشّح النقيب مع عدد من الأعضاء لمجلس النقابة، لم يعد لديه مقعد واحد داخل المجلس. لا بل أنه كان عاجزاً عن حشد ناخبيه. تمسّكه بباسم العويني دفع بمعظم الأحزاب إلى الانسحاب من المعركة لـ«تنفذ بريشها» من الخسارة المحتمة. لم تكن انتخابات نقابة المهندسين مؤشراً للمزاج العام فحسب، بل كانت أشبه برد الثأر لمنظومةٍ أوصلت البلد إلى ما هو عليه اليوم

لم ينتظر تيار المستقبل حتى تُفتح صناديق الاقتراع داخل نقابة المهندسين أمس، بل بدأ حملة الشائعات باكراً. بحث كثيراً عن تهمٍ يُمكن إلصاقها بمرشّح ائتلاف «النقابة تنتفض» إلى مركز النقيب عارف ياسين، فلم يجد. الرّجل ليس فاسداً وغير محسوب على طرف باستثناء أنه كان عضواً في الحزب الشيوعي. هكذا حوّل «المستقبل»، ومعه حزب «القوات اللبنانية»، الانتماء أو حتى القرب من «الشيوعي» إلى «تهمة» تم تسويقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ربّما أقنعت هذه «التهمة» البعض، لكنّها لم تكن كافية، إذ إن ياسين غير منظّم في الحزب. لذلك، عاد «التيار الأزرق»، كعادته، إلى قاموسه حينما يُحشر: التحريض الطائفي. بدأ الحديث قبل يومين من الاستحقاق بأن ياسين شيعي، وأن الطائفة الشيعيّة تريد الاستئثار بالنقابة، مشيعة بأن مركز النقيب هو حصراً للسنّة، وللبيارتة على وجه الخصوص. وسارعت بعض الصفحات إلى نشر إخراج القيد الخاص بياسين الذي شطب عنه مذهبه. علماً أنّ الثنائي الشيعي كان قد أخذ موافقة «المستقبل» منذ عامين بأن يكون النقيب في الدورة الحالية من الطائفة الشيعية قبل أن ينسحب مرشحو «حزب الله» و»أمل» خوفاً من اللعب على الوتر الطائفي بعد إصرار سعد الحريري بأن يكون النقيب من تيّاره.

هاشمية «أقنع» الحريري: أنا والعويني سوياً في النقابة أو معاً خارج «المستقبل»!


أمس، لعبة التحريض ذات الخلفية الانتخابية، بلغ عند جماعة «المستقبل» بالقول إن ياسين مدعوم من حزب الله. صحيح أن عدداً غير قليل من مهندسي حزب الله صوتوا له أو عبروا عن دعمه قبل الانتخابات، إلا أن «المستقبل» باشر حملة عبر تطبيقَي «واتساب» و»فايسبوك» إلى أهالي بيروت بضرورة إنقاذ «المركز السني» من «براثن» الحزب، إضافة إلى تركيب رسائل مزيفة تشير إلى أن التيار الوطني الحر دعا مناصريه إلى التصويت بكثافة لصالح ياسين.
شائعات كثيرة تم تداولها بالأمس. مرةً بأن صناديق الاقتراع أقفلت قبل موعدها بساعةٍ ونصف ساعة. وأخرى بأنّ ياسين وجميع مرشحي «النقابة تنتفض» انسحبوا من المعركة. مع ذلك، لم تفلح الشائعات، ومعها التحريض المذهبي، في تغيير المزاج العام: فاز ياسين بمنصب نقيب المهندسين ولائحة «النقابة تنتفض» بأكثرية 67 في المئة وبكامل أعضائها: 6 إلى الهيئة العامة، 3 من الفروع الثلاثة لعضوية مجلس النقابة، 1 لعضوية الصندوق التقاعدي، 2 لعضوية لجنة مراقبة الصندوق التقاعدي.
أما تحالف المستقبل - أمل، ففاز بعضو واحد لمجلس النقابة (محسوب على أمل) وهو المركز الذي تركته «النقابة تنتفض» شاغراً بعد فوز الأحزاب بالمقاعد الـ5 في الفرع السادس خلال المرحلة الأولى، إضافة إلى مقعد في لجنة مراقبة الصندوق التقاعدي الذي تركته «النقابة تنتفض» فارغاً هو الآخر.

معاقبة الأحزاب
في المحصلة، لم يكن فوز ائتلاف «النقابة تنتفض» أمس خارج السياق العام، بل كان صدى لغضب كبير موجود في الشارع عموماً، ولدى الطبقة الوسطى ضد الأحزاب التي أوصلت البلد إلى هذه الأزمة المعيشية، وردّ فعل طبيعيّاً لمعاناة الناس أمام محطات الوقود والصيدليات والمصارف والمحال التجاريّة.
ليس كلّ من صوّت لصالح لائحة الائتلاف يعرف مشروعه ومرشحيه أو حتّى ما تعاني منه النقابة. انتصار «النقابة تنتفض» أمس بدا أقرب إلى الثأر من منظومة حزبية وشبكة مصالح تحكمت بالنقابة طوال عقود، ولها ما لها في الشارع أيضاً. أمس تمت معاقبة منظومة كاملة أغرقت البلد بالعتمة والفقر والذل والجوع. وهو القول بالفم الملآن لأحزاب السلطة: لم نعد نثق بخياراتكم.
نكسة الأحزاب تشير إلى أنّ سياساتها بقياس الناخبين بحسب طوائفهم لم تعد مجدية، فهؤلاء خرجوا بشكل واضح من العصبية سواء كانت طائفية أو مذهبية أو جهوية، حتى أن بعض من يعرف بقربه من أحزاب السلطة قرّر الذهاب نحو خيمة «النقابة تنتفض». هؤلاء يحبّون الأقوى، فيما الأحزاب هذه المرّة كانت هي الأضعف. عاجزة، بالحدّ الأدنى، عن الاتفاق على رأي واحد أو تشكيل لائحة موحدّة كما في كل استحقاق داخل النقابة.

الحريري رفض جميع العروض
كان بالإمكان أن يتحسّن الواقع قليلاً، لو أن تيار المستقبل قرّر أن يكون براغماتياً ويتراجع خطوة واحدة إلى الوراء، ولكن يبدو أنه لم يقرأ بعد مفاعيل 17 تشرين ولا نتائج الأزمة المالية والاقتصادية. ظنّ سعد الحريري أنّ مفاتيح نقابة المهندسين ما زالت في جيبه وبإمكانه سوق الناخبين كما يحلو له. لذلك، لم يأبه للعروض التي قُدّمت له. رفض سحب مرشحه باسم العويني لمركز النقيب مقابل دعم مرشح مستقل يرأس لائحة تضم مرشحين حزبيين. حاولت الأحزاب إقناعه بعبدو سكريّة الذي يملك مشروعاً مهنياً، فرفض. حاولوا تفهّم هواجسه، وعرضوا عليه إمكانية دعم مرشّح «المستقبل» محمد سعيد فتحة على اعتبار أنه كان عضواً في مجلس النقابة لسنوات قبل انتخابه لعضوية مجلس بلدية بيروت وهو على علاقة جيّدة مع معظم الأحزاب داخل النقابة. بالتالي، فإن عملية تسويق اسمه لدى المهندسين بأنّه مستقل مقرّب من الحريري، قد تكون أسهل.
سمع الحريري العرض، ولكن «الفيتو» أتى على لسان أحمد هاشمية الذي قال لأحد المسؤولين الحزبيين: «أنا وباسم العويني داخل النقابة، وإما أنا والعويني خارج تيار المستقبل». ولذلك، قد يكون مفهوماً لماذا سدّ الحريري أذنيه عن العروض التي سمعها من حلفائه على قاعدة المثل الفرنسي: «من يعطِ يأمر».
هكذا، دخل العويني وخرجت جميع الأحزاب من التحالف، باستثناء حركة أمل التي تلقّت طلباً من القيادة بدعم الحريري «على العمياني» لما «تقتضيه المصلحة الوطنية»، ولو أن لـ«الحركة» مصلحةً في ذلك بأن يعطيها «المستقبل» لكسب معركة مرشحها إلى الفرع السادس سلمان صبح. وعليه، يبدو منطقياً الحشد الذي أظهرته «أمل» في خيمتها بشد عصب قواعدها واتصال ماكينتها الانتخابية بجميع الناخبين المقربين منها ومتابعة أوضاعهم. في حين أن الأحزاب الأخرى سحبت جميع مرشحيها. لاعتقادها بأن خوض المعركة بمرشّح «المستقبل» سيكون خياراً خاسراً، إذ إنّها لا تقوى أصلاً على حشد قواعدها الشعبيّة وإقناعهم بالأمر. أما الإبقاء على المرشحين إلى الهيئة العامّة من دون تحالف كامل فيعني إظهار ضعفهم علناً. وهذا أيضاً كان رأي بعض «المستقبليين» الذين سحبوا ترشيحاتهم لعضوية الهيئة العامة، فما كان من تيارهم إلّا أن رشّح مستقلين بدلاً منهم.
لذلك، ارتأت جميع الأحزاب أن تُشاهَد، باستثناء الحزب التقدمي الاشتراكي الذي لم يُشارك تنظيمياً في الانتخابات والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي دعم علناً سكريّة إضافة إلى مرشحه لعضوية الهيئة العامة. نصب هؤلاء الخيم في كلّ مكان: حزب الله، التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية والجماعة الإسلامية، ولكنهم لم يكونوا مرغمين على الحشد. فلا مرشّح لديهم ولا مصلحة في المشاركة لصالح أحد المرشحين أصلاً.
في العلن يقول هؤلاء إنّهم يتركون حرية الاختيار للناخبين الذين يتسلّمون من ماكيناتهم الانتخابية أوراقاً بجميع المرشحين على أن يملأها الناخب حسبما يريد، ولكن في السر يشير كثيرون إلى أن المرشح الذي نال أعلى نسبة أصوات من الحزبيين كان سكرية. وكما لعبت «القوات» في انتخابات المرحلة الأولى في النقابة، مع كل الأطراف من تحت الطاولة، حاولت أمس توزيع أصوات ناخبيها بين سكرية والعويني.



بالأرقام
لم يستطع تحالف تيار المستقبل - حركة أمل الدّخول في المعادلة أصلاً، إذ إن الفارق بين لائحته ولائحة «النقابة تنتفض» كان هائلاً بعدما حصد الائتلاف 5 أضعاف ما حصل عليه التحالف. ما يؤكّد هذا الأمر هو الأرقام التفصيلية بعد فرز جميع الصناديق: مرشحو «النقابة تنتفض» إلى الهيئة العامة مثلاً نالوا معدّل 5600 صوت مقابل حصول مرشحي لائحة باسم العويني على 1500، وهو المعدّل نفسه الذي حصلت عليه لائحة المرشح المستقل عبدو سكريّة!
وهذا أيضاً ما ظهر في نتيجة عضوية لجنة إدارة الصندوق التقاعدي، إذ نال مرشح «النقابة تنتفض» 6119 صوتاً مقابل 1699 لمرشح أمل والمستقبل الذي فاز بالمقعد!
في المقابل، كانت المفارقة واضحة بأن سلمان صبح المحسوب على أمل وكان مرشحاً على لائحة أمل - حزب الله، نال 238 صوتاً أكثر من الأصوات التي نالها مرشح المستقبل إلى مركز النقيب. فيما كانت واضحة محاولة المستقبل الانقلاب على الاتفاق مع أمل بدعم صبح، إذ أعطى بعض «المستقبليين» (300) أصواتهم لعضو الفرع السادس محمد الحجار الذي نال 300 صوت.



أكثرية المجلس بيد ياسين
مع فوز لائحة «النقابة تنتفض» بكامل مرشحيها، صارت تمتلك الأكثرية داخل مجلس نقابة المهندسين. النقيب و9 أعضاء من أصل 16. في حين تتمثّل الأحزاب بـ6 أعضاء: 5 من الدورة الماضية تنتهي ولايتهم خلال العامين المقبلين (2 للقوات، 1 للتيار الوطني، 1 لحزب الله و1 للجماعة الإسلامية)، إضافة إلى عضوٍ واحد محسوب على حركة أمل تم انتخابه أمس.

«الحزب» منزعج؟
قبل أيّام من موعد الانتخابات، حاول حزب الله ألا يضع فيتو على عارف ياسين، ولو أنه لا يهضم التحالفات بين مكوّنات «النقابة تنتفض». ولذلك أشاع بين أوساطه أنّه يلتقي مع الائتلاف برغبته بالتغيير والتي قد يُمكن أن تحقق شيئاً داخل النقابة، ولكنه لا يستطيع دعمه.
وعليه، كان من المفترض ألا يمنع الحزب بعض مناصريه من التصويت لصالح ياسين، ولكن الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي أمس، غيّر كل شيء. في الفيديو يقول ياسين أمام عدد من الناخبين: «أنا ضد حزب الله لأنه الحزب الأقوى الذي يحمي هذه السلطة». وهذا ما رأى فيه مسؤولو الحزب تطاولاً عليهم، معتبرين أنّ «ما فعله ياسين أفقده أصوات المناصرين الذين تركنا لهم حريّة الاختيار».

نسبة اقتراع ضئيلة؟
كان من المفترض أن يُشارك في عملية الاقتراع أكثر من 12 ألفاً، مقارنةً بالأعوام السابقة. إذ شارك في انتخابات النقيب الأخيرة أكثر من 12 ألف مقترع، وكانت نسبة الاقتراع في المرحلة الأولى منذ أسابيع كثيفة، إلا أنّ نسبة الاقتراع أمس كانت ضئيلة بمشاركة 8842 مهندساً.
يعزو البعض الأمر إلى الأزمة المعيشية، خصوصاً أن نسبة الاقتراع في الدورة الأولى كانت هي الاستثناء. فيما يلفت آخرون إلى أن انسحاب معظم مرشحي الأحزاب التي لم تعد تستطيع الحشد كما في السابق، هو السبب. في المقابل، هناك من يتحدث عن قلة الناخبين المسيحيين، علماً أن هؤلاء شكّلوا وللمرة الأولى الأكثرية في انتخابات المرحلة الأولى منذ أسابيع. ويقول هؤلاء إن ضآلة مشاركتهم تعود لكون المرشح إلى منصب النقيب هو من المسلمين!

جعجعة بلا طحين
لكل حزب خيمته في الطريق المؤدي إلى باب نقابة المهندسين. تيار المستقبل كان منتشراً، ولكن بأسماء مختلفة. خيمتان لـ«المستقبل»، واحدة لجمعية متخرجي جامعة بيروت العربية، وأخرى لجمعية متخرجي جامعة بيروت العربية – فرع البقاع. ماكينات انتخابية ترفع شعار «التيار الأزرق» وأخرى لأصدقاء باسم العويني، معظم العاملين فيها غير مهندسين أصلاً يوزّعون ملصقات على الدرج المؤدي إلى صناديق الاقتراع وهم يرددون: «لنقابةٍ أفضل»... لتنتهي الانتخابات بحصول «المستقبل» على 10 في المئة من أصوات الناخبين!

جريدة نداء الوطن

كما كان متوقعاً، حققت مجموعة "النقابة تنتفض" انتصاراً مدوياً في الانتخابات على أثر النتائج المماثلة التي تحققت في الاستحقاق الأول المتصل بانتخاب ممثلي خمسة فروع في النقابة. وانتخب عارف ياسين نقيباً لمهندسي بيروت بمجموع 5798 صوتاً من أصل 8842 صوتاً، متفوقاً على مرشح "تيار المستقبل" باسم العويني، بعدما اضطر "الزرق" إلى الانخراط في المعركة بأكلافها الباهظة، كون هذه الدورة كانت لنقيب من الطوائف الاسلامية وعادة ما كان "تيار المستقبل" يقود هذه المعركة، لكنه هذه المرة واجهها شبه متروك من حلفائه التقليديين.


في الواقع، أثبتت نقابة المهندسين من جديد أنّ المزاج العام، لا سيما لدى الطبقة الوسطى، يعاني من أزمة ثقة مع قوى السلطة، وقرر التصويت لأطر جديدة من دون التدقيق كثيراً في "أصل وفصل" هذه التنظيمات، لكنه بالنتيجة راح باتجاه التصويت السلبي علّه يلقّن أحزاب السلطة درساً من دروس الاعتراض الديموقراطي. ولعل هذه النتيجة المتوقعة هي التي دفعت بعض الأحزاب إلى الانسحاب باكراً من المعركة إما تحت عنوان عدم المشاركة أو تحت عنوان ترك الحرية للناخبين أو النأي بالنفس، مع العلم أنّ اتهام هذه القوى بأنها كانت تشكل في النقابة منظومة متراصة، فيه الكثير من المبالغة لأنها عادة ما كانت تتصارع في ما بينها وتتنافس على هذا الموقع وتنسج تحالفات كانت تتبدل من معركة إلى أخرى تبعاً للمصالح السياسية. لكن بالمحصلة، كانت هذه الأحزاب تعرف مسبقاً أنّ معركة "المستقبل" صعبة وقد تكون مكلفة كون اتجاه رياح التصويت لن يجاري سفن المرشحين الحزبيين، ولهذا تركته يغرق وحيداً وربما بدا في هذه المعركة كأنه الخاسر الأكبر لأنه خاض المعركة على مركز النقيب وحيداً تقريباً. وكانت انطلقت صباح أمس الأحد عملية الاقتراع للانتخابات في الباحات الخارجية للنقابة، لإختيار نقيب جديد و9 أعضاء جُدد لمجلس النقابة. وافتتح نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت عملية الاقتراع، بتلاوة مواد من قانون تنظيم مهنة الهندسة إيذاناً ببدء التصويت. وتنافس 8 مرشحين لمركز نقيب بلوائح، بعض منها غير مكتمل يترأسها كل من: مرشح "تيار المستقبل" باسم العويني (النقابة وطنية مهنية)، المرشح المستقل عبدو سكريه (النقابة بيتنا)، ومرشح "الحراك المدني" عارف ياسين (النقابة تنتفض). وكانت الصناديق قد أقفلت عند الساعة السادسة مساء، وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 18.3% بعدما اقترع 8730 مهندساً من أصل 48 ألفاً وهو العدد نفسه تقريباً الذي شارك في الإنتخابات التي جرت قبل ثلاثة أسابيع. وقد نال باسم عويني: 1528 وعبدو السكرية: 1289.

يذكر أن ياسين ينتمي إلى المذهب الشيعي وإن كان البعض يقول إنه شطب قيده الطائفي. فهل يعني ذلك أنه تمّ كسر العرف الطائفي الذي كان يحصر منصب النقيب بين السنة والمسيحيين.ش

جريدة المدن

 بدأت بالظهور بوادر "تسلّط" المصارف على المودعين في ما خص التعميم الأخير 158.  فمئات الشكاوى وردت إلى محامي رابطة المودعين، فاضحة ممارسات المصارف تجاه أصحاب الحسابات لإلزامهم بالتوقيع على مستندات وتعهّدات مُجحفة بحقهم ومُنتقصة من حقوقهم.

وقد وجّهت رابطة المودعين إنذاراً خطياً إلى عدد من المصارف، بعد تلقيها مجموعة شكاوى من مودعين لديها، لإقدام المصارف على ابتزازهم وإذلالهم للحصول على تواقيعهم للقبول أو رفض التعاميم الصادرة من مصرف لبنان.

وحذرت الرابطة، وفق ما أكدت في بيانها، تلك المصارف من "مغبة الاستمرار في هذا النمط"، مؤكدة أنها سوف تتخذ كل الإجراءات لوضع حد لهذه المهزلة، مشدّدة على استمرارها في الدفاع عن حقوق المودعين وعن كرامة اللبنانيين ومواجهتها كل أشكال الظلم وافتراء المصارف وسلبهم حقوقهم القانونية والمعنوية كافة.

 

جريدة الاخبار - ندى أيوب

 من شراشف السرير القديمة تصنع آمال الفوط الصحية لابنتها، في حين تستخدم هي أوراق الجرائد. هي مثال عن 76.5 في المئة من نساء لبنان اللواتي عبّرن عن صعوبة الوصول إلى مستلزمات الدورة الشهرية بعد زيادة أسعارها 400 في المئة وباتت تشكل 5 في المئة من دخل العائلات المحدود، لا لشيء سوى أن واضعي السياسات في ظل نظام أبوي – بطريركي كالذي يحكمنا لم يجدوا في فوط النساء ضرورة تستدعي إدراجها على لائحة الدعم قبل عام (تتراوح الأسعار اليوم بين 10 و30 ألفاً). وبانتظار خطة رسمية تُدرَس حالياً، تتعرّض أجساد نسائنا بنتيجة استخدام البدائل التقليدية لخطرٍ يهدّد صحتهن الجنسية والإنجابية

36 في المئة من النساء عانين من أعراض جسديّة بسبب عدم تمكّنهن من شراء مستلزمات الدورة الشهرية


أنواع عدة من الفوط لم تعد متوافرة بسهولة. هي الأنواع الأكثر غلاء، في مؤشر واضح على تغيّر نمط الاستهلاك. ووسط هذه المعاناة التي تختبرها نساؤنا، شأنها شأن نساءٍ خضن التجربة في فترات الحروب في دولهن، أطلقت الناشطة الاجتماعية ناهلة سلامة مبادرة إنسانية قبل 10 أيام، حيث عمدت إلى جمع التبرعات بعد أن أعلنت عن فكرتها في منشور على «فايسبوك» ووزّعت الدفعة الأولى من الفوط الصحية على نساء وفتيات ينتمين إلى أسر من الفئات الأكثر حاجة. تتحضر ناهلة لتوزيع الدفعة الثانية «طالما أن التبرعات تصل سأكمل»، محذرةً من وقتٍ تصعب فيه الاستمرارية: «على الدولة دعم حاجتنا». وكانت المبادرة قد انطلقت بعد مطالبة السيدات بدعم الفوط فقابلتها حملة تنمّر وتهكّم تقلل من شأن وأهمية مستلزمات الدورة الشهرية على اعتبار أنها رفاهية وليست أولويات لحياة صحية للنساء.

مخاطر جنسية وإنجابية
تفصّل مسؤولة برامج الصحة الجنسية والإنجابية في «PLAN international»، لمى نجا، في حديث إلى «الأخبار»، كيفية تأثير صعوبة الوصول إلى مستلزمات الدورة الشهرية على الصحة النفسية والجسدية للنساء. في الشق الجسدي «على المرأة استبدال الفوطة كل ساعتين أو ثلاثة، وفي حالة الاقتصاد في الاستخدام السائدة تتعرّض السيدة لالتهابات نسائية، وأخرى في البول تتطلّب المعالجة وتفادي أسبابها وإلا تطوّرت وأدّت إلى سرطان الرحم أو العقم مع الوقت». تضيف: «الحالة عينها قد تحدث عند استبدال السيدة النوع الجيّد من الفوط بآخر غير خاضع للاختبار وحائز على الشروط الصحية. وهي أنواع قد تغزو السوق في الأزمات». كذلك يفعل القماش والأوراق بصحة النساء الجنسية والإنجابية.
وعن البدائل الآمنة، تشرح نجا: «اللجوء إلى كأس الحيض، السدادات القطنية، الفوط المتعددة الاستعمالات تتطلب تعقيماً بطريقة صحيحة ومياهاً نظيفة ومتابعة. وإن توافرت الشروط فهي غريبة عن ثقافة معظم النساء في مجتمعاتنا التي لم تعتد فيها المرأة بعد التعامل مع جسدها براحة تخوّلها إدخال كأس الحيض على سبيل المثال في الأعضاء التناسلية، ناهيك عن خوف البعض من تأثيره على غشاء البكارة».
على الصعيد النفسي، تؤكد نجا: «تعيش النساء والفتيات حالة قلق وتوتر عند اقتراب دورتهن الشهرية وأثناءها إذا لم تكن قادرة على تأمين حاجتها من المستلزمات، مما يؤثر في حياتها بشكل عام؛ كأن تتغيّب عن العمل أو المدرسة أو الجامعة نتيجة فقدان شعورها بالأمان أثناء حيضها، عدا عن شعورها بأنها مواطنة درجة ثانية».

«#نشّفتولنا_دمنا»
«#نشفتولنا_دمنا»، تحت هذا الوسم، أطلقت منظمة «Fe-Male» بالأمس حملة وطنية لرفع الصوت حول سلبيات فقر الدورة الشهرية وتداعياتها على النساء والفتيات، وللتشديد على أهمّية إيجاد حلول طويلة الأمد من قبل الحكومة اللبنانية والجهات المعنية لمعالجة هذا النقص. وتشير المديرة التنفيذية بالشراكة في منظمة «Fe-Male» عليا عواضة، إلى «ضرورة مواجهة محاولات تهميش حاجة النساء لهذه المستلزمات وتسخيفها، في ظلّ زحمة القضايا المعيشية، التي يتمّ التذرّع بها كأولويّة تغيب عنها حقوق، صحة وأجساد النساء والفتيات»، لافتةً إلى أهمّية تكامل الجهود للتوعية بحق النساء والفتيات بالوصول إلى مستلزمات النظافة الشخصية بخاصة الفوط الصحيّة، والمطالبة بهذا الحقّ». وتقول لـ«الأخبار»: «نحن كنساء غير مرئيات بالنسبة للنظام ومعاناتنا غير مرئية ومضطرات للدفاع عن حق بديهي. ولم لا تلغي الدولة الضرائب على الفوط أو تدعم الاستيراد والإنتاج فيها؟».

ماذا في الأفق؟
تتأمّل رئيسة لجنة المرأة والطفل النيابية، النائبة عناية عز الدين، إيجاد حلٍ لظاهرة فقر الدورة الشهرية، متحدثة لـ«الأخبار» عن خيارات ثلاثة. «في المدى القصير، أخذنا وعداً من منتج لبناني أن يقدّم كمّية من الفوط توزّعها الدولة مجّاناً. تحديد الكمّية والفترة الزمنية التي سيستمر فيها تقديم العون مرتبطان بآلية التوزيع التي نعمل على تحضيرها. في المدى البعيد ندرس تسهيلات وحوافز نقدّمها للمستثمرين المحليّين لتشجيعهم على زيادة الإنتاج، والعرض على البعض الآخر تطوير مصانع حفاضات الأطفال لتصبح قادرة على إنتاج الفوط الصحّية أيضاً». وتكشف عن توصّل اللجنة النيابية «تقريباً» إلى خطّة عمل سيتم الإعلان عنها «قريباً».
الهدف توسيع مروحة الإنتاج المحلي، لكن العوائق قائمة بحسب ما تنقل عز الدين عن المستثمرين؛ «صعوبة الاستثمار في التصنيع المحلي نظراً لكلفته العالية». وتشير إلى أن «التصنيع يحتاج إلى 15 مادة في حين أن الحكومة دعمت 5 فقط، وفي حينها رفضت شركة «سانيتا» لصاحبها النائب نعمة أفرام الاستيراد المدعوم لفقدان الثقة بأن مصرف لبنان سيغطي كلفة الدعم».
الجدير ذكره أن في لبنان مصنعاً واحداً، هو «سانيتا»، ينتج الفوط الصحية، ويغطّي من 20 إلى 30 في المئة من حاجات السوق المحلية، وكل الكمّيات الثانية التي تغطي حاجة السوق مستوردة.

جريدة نداء الوطن - خالد أبوشقرا

بعيداً من الطروحات الشعبوية لتأمين فيول الكهرباء من إيران والعراق بالليرة اللبنانية، وحماية لما تبقى من أموال المودعين من "شبح" الموافقات الإستثنائية لتغطية سلف الخزينة بالعملة الأجنبية، "لمع" حلّ علمي وعملي دولي من شأنه "كسر" حدة الظلام. فهل يؤخذ به أم "يدفن" في أدراج تضارب المصالح مع كارتلات النفط المسيطرة؟

 

في المعلومات الخاصة، عُلم أن المدير التنفيذي في "صندوق النقد الدولي" محمود محي الدين أبلغ رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، عن إمكانية إستجرار الغاز من المملكلة الأردنية الهاشمية عبر سوريا من دون التعرض لعقوبات "قيصر". الأمر الذي من شأنه توفير ديمومة تغذية معامل إنتاج الكهرباء الأساسية بالوقود الأرخص والأنظف على حد سواء. الحل المنطقي الذي "يعوم" على "بحر" التخبط بالخطط العشوائية والطروحات الشعبوية، لا يؤمن الكهرباء 24/24، إنما يخفف من حدة الأزمة ويعيد الأمور أقله إلى ما كانت عليه قبل العام 2020. كما أنه يشكل "مدماكاً" من الممكن أن تبنى عليه معامل إضافية لانتاج الكهرباء على الغاز النظيف.

وفر بـ400 مليون دولار

يوجد في لبنان سبعة معامل حرارية لإنتاج الطاقة، "إثنان منها فقط يعملان على "الغاز أويل" وهما: دير عمار والزهراني القديمان بطاقة 850 ميغاوات"، بحسب مدير عام الإستثمار والصيانة سابقاً في وزارة الطاقة غسان بيضون، و"في حال تحويلهما كلياً على "الغاز أويل" نستطيع تحقيق وفر يتراوح ما بين 350 و400 مليون دولار سنوياً، بحسب أسعار اليوم". ومن المتوقع أن تُعتمد في عملية الإستجرار نفس الطريقة التي اعتمدت في العام 2009 لتزويد معمل دير عمار بالغاز المصري. فيزود "خط الغاز العربي" سوريا بالغاز القادم من مصر أو من مصدر آخر عبر حدود الأردن، لتعود سوريا وتضخ نفس الكمية عبر حدودها الجنوبية إلى لبنان، بما يشبه عملية "سواب" نفطي. ذلك أنه لا يوجد خط لنقل الغاز يربط الأردن مباشرة بلبنان. ومن المتوقع أن يكون الغاز المستجر إلى لبنان مصري المنشأ وأن تلعب الاردن دور الوسيط.

الشفافية أولاً

الطرح الذي يبدو سهلاً من الناحية التقنية، قد يكون الحل الأخير رغم كل المعوقات "الجيوسياسية". فسلفة الخزينة بقيمة 200 مليون دولار لتأمين الفيول، طُلبت عندما كان سعر برميل النفط نحو 40 دولاراً أميركياً لتغطية كلفة الفيول لـ3 أشهر. أما اليوم فقد تضاعف سعر برميل البترول وارتفع إلى 75 دولاراً. وعليه لم تعد السلفة تكفي لنصف الفترة المحددة. من جهة أخرى، تحذر مصادر نفطية من أن لبنان مقبل على أزمة مازوت حادة في ظل تخصيص اعتمادات لبواخر البنزين أكثر من المازوت، وعدم فتح مصفاتي طرابلس والزهراني إلا لأيام محدودة في خلال الفترة الماضية. ما سينعكس انقطاعاً تاماً في الكهرباء لعدم القدرة على تأمين المازوت للمولدات، وبالتالي نفاد الكمية من المستشفيات والمصانع والأفران وقطاعات حيوية اخرى.

التطوران البالغا الأهمية اللذان يحتّمان أخذ مقترح المدير التنفيذي في "صندوق النقد الدولي" بجدية مطلقة، يقابلهما حذر من "اضطرار لبنان مرغماً على قبول أي حل في "الربع الساعة" الأخير قبل الدخول في مرحلة التعتيم الشامل، حتى ولو كان مجحفاً بحقه"، تقول عضو المجلس الإستشاري للمبادرة اللبنانية للنفط والغاز "LOGI"، والخبيرة في شؤون حوكمة الطاقة ديانا قيسي، و"أن يكون الإهمال المتعمد من قبل المسؤولين المحليين لكل الخطط الإصلاحية في قطاع الطاقة، هو المقدمة لـ"حشر" لبنان في "زاوية" الحلول المعلّبة والمفصلة على قياس البعض بعيداً من مصلحة الوطن. لذا، من باب الشفافية والحوكمة على المعنيين نشر كل المعلومات والتفاصيل التي سترتبط بهكذا اتفاق، وتبيان مدى صوابية الحل واستدامته، وكم يرتب على لبنان من أعباء. ذلك أن التجارب الماضية تبين أن الحلول المعتمدة تبقى موقتة، وتكلف البلد أكثر مما تفيده، وهي تشبه إلى حد ما وضع ضمادة صغيرة على يد مقطوعة". وفي جميع الاحوال تعتبر قيسي أن "العبرة تبقى في التنفيذ المرتبط بتذليل عقبات التوصيل، وأخذ البعد الإستراتيجي بعين الإعتبار، خصوصاً أن العلاقة مع سوريا التي ستجري المبادلة بواسطتها ملتبسة، ولا يوجد إتفاق وإجماع داخلي على كيفية التعاطي معها".

إخفاقات تاريخية

ما يؤكد صحة المخاوف هو فشل إتفاق المبادئ لاستجرار الغاز الطبيعي المصري للبنان سواء كان عن طريق فرع من خط أنابيب عبر سوريا، أو كغاز مسال ينقل بشكل مباشر بالناقلات. فالإتفاق الموقع في العام 2007 بين الجانبين المصري واللبناني لم يوضع موضع التنفيذ إلا لفترة قصيرة امتدت من تشرين الأول 2009 إلى تشرين الثاني 2011. حيث جرى في هذه الفترة نقل الغاز عبر وصلة حمص-طرابلس التي تمتد من محطة الضخ في الريان إلى بانياس بسوريا، ثم عبر أنبوب طوله 32 كم إلى مدينة طرابلس. وكان معمل دير عمار يستفيد من ضخ ما يناهز 30 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي عن طريق خط الغاز العربي هذا. وفي العام 2019 فشلت رغبة وزير الطاقة سيزار أبي خليل في استئناف ضخ الغاز المصري للبنان وفقاً للاتفاقية الموقعة عام 2009. فـ"طالما الموضع له علاقة بالسياسة والحدود والجغرافيا والأوضاع الأمنية، فهذه الطريقة ممكن ألا تكون حلاً مستداماً"، برأي بيضون. أما لجهة نقل الغاز المسال بالنقلات البحرية فيتطلب مرافئ خاصة لا يملكها لبنان.

من جهته يعبر الباحث في الشؤون الاحصائية عباس طفيلي أن لبنان أصبح بعيداً جداً عن جو تطوير العلاقات والإتفاقيات الإقتصادية بين كل من مصر، الأردن والعراق. وبالإضافة إلى أن البلد لم يستفد منذ 13 عاماً من الإتفاق النفطي الموقع مع مصر، فهو لم يقم منذ أكثر من سنة ونصف بأي خطوة تبرهن عن جديته في هذا الملف. وعن معارضة كارتل النفط لمثل هذه الخطوة يعتبر طفيلي أنه في حال اتمامه سيرضونهم بمكان آخر، مثلما كانوا يفعلون طيلة الفترة الماضية على قاعدة "ضربة عالحافر ضربة عالمسمار".

المقايضة مع البنزين

في مقابل التعقيدات الجيوسياسة والمرتبطة بالمصالح، يرى أحد الخبراء أن إمكانية شراء الغاز من الأردن أو مصر عبر "سواب" مع سوريا قد تكون أسهل في ظل الأزمة المخيمة على البلدين. فطالما يمكن تحييد لبنان عن عقوبات "قيصر" في حال استورد النفط من سوريا أو عبرها مباشرة، فبالإمكان أيضاً تسديد ثمنه لسوريا بالبنزين بسعر السوق الحقيقي وليس بالدولار، لتعود هي وتسدد الثمن للجهة المصدرة للغاز. وبهذه الطريقة يرتاح لبنان من عاملين إثنين الدفع بالدولار النقدي واستمرار تهريب البنزين إلى سوريا.

أهمية المقترح سواء نفذ أو لم ينفذ يمكن اختصارها بثلاث نقاط أساسية: الأولى هي أن الحلول التقنية لأزمة الكهرباء المستفحلة متوفرة متى تأمنت الإرادة السياسية. والثانية ان الكل يفكر بكيفية مساعدة لبنان والمسؤولين لا يفكرون إلا بمصالحهم الضيقة. والثالثة، انعدام الحاجة إلى إنشاء 3 محطات تغويز بكلفة خيالية لتأمين فيول المعامل القائمة، والتي هناك نية بتشييدها في حال عودة لبنان إلى الحضن العربي.

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
قرأة نقدية لسياسات الحماية الاجتماعية للسلطة اللبنانية

قرأة نقدية لسياسات الحماية الاجتماعية لل…

تموز 24, 2021 12 مقالات وتحقيقات

عمال المخابز والأفران...حقوق مستلبة وخوف من الآتي

عمال المخابز والأفران...حقوق مستلبة وخوف…

تموز 19, 2021 28 مقالات وتحقيقات

النقابة تنتصر: التغيير أمر واقع

النقابة تنتصر: التغيير أمر واقع

تموز 19, 2021 86 عمالية ونقابية

12 ألف ليرة "تفكّ أسْر" مئات الأصناف من الأدوية وتفتح باب "القلق" أمام اللبنانيين  خطة "الصحة" الطموحة مغلّفة بـ"قشرة" رفْع الدعم الخجولة

12 ألف ليرة "تفكّ أسْر" مئات ا…

تموز 19, 2021 29 مقالات وتحقيقات

السلطة للنساء: لا فوط... عليكنّ بالقماش وورق الجرائد!

السلطة للنساء: لا فوط... عليكنّ بالقماش …

تموز 16, 2021 27 مقالات وتحقيقات

إقتراح لاستجرار وقود معامل الطاقة من المملكة الأردنية الهاشمية عبر سوريا من دون التعرض لعقوبات "قيصر" هل ينجح "الغاز العربي" بحل أزمة الكهرباء بعدما فشل في الماضي؟

إقتراح لاستجرار وقود معامل الطاقة من الم…

تموز 16, 2021 33 مقالات وتحقيقات

حيرة المودعين بين التعميمين 158 و151: أيهما "سرقة" أقل؟

حيرة المودعين بين التعميمين 158 و151: أي…

تموز 16, 2021 67 مقالات وتحقيقات

المصانع الى الإقفال اذا لم يتوافر المازوت

المصانع الى الإقفال اذا لم يتوافر المازو…

تموز 16, 2021 34 مقالات وتحقيقات

كل شيء ينهار تحت أقدام سلامة: منصة "صيرفة" سقطت!

كل شيء ينهار تحت أقدام سلامة: منصة …

تموز 15, 2021 29 مقالات وتحقيقات

البطاقة التمويليّة إلى السقوط: لا أحد يريد تمويلها

البطاقة التمويليّة إلى السقوط: لا أحد ير…

تموز 15, 2021 23 مقالات وتحقيقات

السلطة تنتظر الـ860 مليوناً بفارغ الصبر

السلطة تنتظر الـ860 مليوناً بفارغ الصبر

تموز 15, 2021 27 مقالات وتحقيقات

تنتظر قرار الإستئناف وتراهن على إحداث خرق في "جدار" مصادرة أصوات الأجراء على المستوى الوطني نقابة عمال "سبينس": ربح "معركة" البداية لا يعني انتهاء "الحرب"

تنتظر قرار الإستئناف وتراهن على إحداث خر…

تموز 14, 2021 36 مقالات وتحقيقات

سعر الدولار مُضخَّم... والمحتكرون يتحكمون بالسوق في غياب «المركزي»

سعر الدولار مُضخَّم... والمحتكرون يتحكمو…

تموز 12, 2021 36 مقالات وتحقيقات

الحقيقة تقترب.. 20 دولاراً في الشهر فقط للمحظوظين

الحقيقة تقترب.. 20 دولاراً في الشهر فقط …

تموز 12, 2021 34 مقالات وتحقيقات

دعاوى واتهامات بـ «تركيب ملفات» والصرف التعسّفي: «إمبراطورة» تحكم قسم التمريض في «الحريري»؟

دعاوى واتهامات بـ «تركيب ملفات» والصرف ا…

تموز 08, 2021 41 مقالات وتحقيقات

هكذا تحصل على 400 دولار

هكذا تحصل على 400 دولار

تموز 08, 2021 46 مقالات وتحقيقات