المفكرة القانونية-26-10-2020

نزار صاغية


شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد لعاملات المنازل: تعطيل مبادرة جديدة للحدّ من ممارسات الاستعباد
رسم رائد شرف

بتاريخ 14 تشرين الأول 2020، أصدر مجلس شورى الدولة قرارا بوقف تنفيذ قرارين صادرين عن وزيرة العمل لميا يمين: الأول اتصل بإقرار عقد العمل الموحّد الخاص بالعاملات والعمال في الخدمة المنزلية، والثاني بتحديد نسب الحسم من رواتب هؤلاء كتقديمات عينية، الصادرين تباعا في 8 أيلول و11 أيلول 2020. وكانت الدعوى قدمتها نقابة أصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل بتاريخ 21 أيلول 2020 على وجه السرعة، متذرعة فيها بأن القرارين يلحقان ضررا بليغا بقطاع استقدام العاملات. ويجدر التذكير هنا أن لمجلس شورى الدولة أن يوقف تنفيذ القرارات الإدارية “إذا تبين من ملف الدعوى أن التنفيذ قد يلحق بالمستدعي ضررا بليغا وأن المراجعة ترتكز إلى أسباب جدية مهمة”، وأنه عادة يفعل ذلك من دون تعليل على أساس أن القرار هو قرار إعدادي ومؤقت بانتظار انتهاء المحاكمة وأن من حقه الرجوع عنه في أي حين.

ويستدعي هذا القرار ملاحظات عدة، أبرزها الآتية:

أولا، شورى الدولة يواصل إجهاض مبادرات الإصلاح: من يحمي الدولة؟
يأتي هذا القرار ضمن مجموعة من القرارات السلبية الصادرة عن المجلس بوقف تنفيذ مبادرات إصلاحية هامة سواء في الإدارة أو على صعيد الحقوق (منها قرار وقف تنفيذ قرار وزير التربية الوطنية بإنهاء تكليف ندى عويجان بمهام رئيسة المركز التربوي وقرار إبطال قرارات المديرة العامة للتعاونيات المتصلة بصندوق تعاضد الفنانين). ويظهر المجلس في هذه الحالات الثلاث الحاصلة كلها في الفصل الأخير وكأنه يتولى عملية إجهاض أي إصلاح في الإدارة أو في الحقوق التي تمنحها، وتاليا إحباط أي إرادة في هذا الاتجاه.

وما يزيد من قابلية هذا التوجه للنقد هو أن استجابة المجلس لطلبات وقف تنفيذ قرارات ذات طابع إصلاحيّ يوازيها في أحيان كثيرة رفض طلبات وقف تنفيذ قرارات تحتوي مخالفات فادحة للقانون وبعضها مدمّر لعناصر الطبيعة وصحة الناس، أهمها رد طلب وقف تنفيذ قرار السماح لشركات الإسمنت بإعادة تشغيل المقالع التابعة لها (صدر القرار في أيلول 2020 وأيضا من دون تعليل). ومن هنا، يجدر طرح السؤال الذي عنونت به “المفكرة القانونية” عددها الخاص عن مجلس شورى الدولة: من يحمي الدولة؟ أو بكلام أكثر تفصيلا من يحمي شرعية الدولة ووظائفها الأساسية في ضمان الصالح العام؟

ثانيا، من يدافع عن الدولة؟
كما سبق بيانه، لا يعلل مجلس شورى الدولة قرارات وقف التنفيذ التي يصدرها. لكن قبوله وقف التنفيذ إنما يعني أنه يعدّ أسناد الدعوى التي أدلت بها المستدعية (نقابة مكاتب الاستقدام) جدية وأن ثمة أرجحية لقبولها. وبمراجعة الملخص الوارد ضمن القرار لأسناد نقابة المكاتب، يظهر أنها تضمنت 10 أسناد استغرقت صفحتين ونصف منه، فيما أنه أشار في سطرين فقط إلى أن الدولة طلبت ردّ وقف التنفيذ لعدم توفر شروطه من دون أي تفصيل آخر. وهذا الأمر إنما يؤشر إلى أن هيئة القضايا (وهي الهيئة التي تمثّل الدولة في الدعاوى المقامة ضدّها) اكتفتْ بتقديم دفاع عمومي مُقتضب من دون مناقشة هذه الأسباب. كما لا يظهر في القرار أي إشارة إلى موقف وزارة العمل حيال الدعوى أو موقفها منها. ومن شأن هذا الأمر أن يُظهر مرّة أخرى قصوراً في دِفاع الدولة عن نفسها، وبخاصّة في المسائل الحقوقية أو العامة (أو بكلام آخر الإصلاجية)، أو بكلمة أخرى في المسائل التي لا يكون فيها لأي من القوى النافذة مصلحة ذاتية في االدفاع عنها. ومن هذا المنطلق، تجد أن ممثلي الدولة غالبا ما يدافعون بزخم عن القرارات التي تخدم مصالح فئوية وتحوم حولها شبهات فساد (كمراسيم إشغال الأملاك العامة أو رخصة بناء مبنى الإيدن باي مثلا)، فيما رصدت “المفكرة” مرات كثيرة انكفأ فيها هؤلاء عن الدفاع عن قرارات الإدارة العامة بحماية الصالح العام أي القرارات التي تدخل ضمن الوظائف الحقيقية للدولة. وهذا الأمر الذي دفعنا غالبا إلى التساؤل عمن يدافع حقيقة عن الدولة.

وما يزيد هذا التساؤل حدّةً هو أنّ هيئة القضايا أنكرتْ مرات عديدة صفة الجمعيات البيئية للطعن في القرارات التي تمسّ بالبيئة، كأنها تتنكر ليس فقط لدورها في الدفاع عن الصالح العام بل أيضا لدور أي كان في القيام بذلك.

ثالثا، تغليب مصالح مكاتب الاستقدام على درء مخاطر ارتكاب جنايات إتجار بالبشر:
أو تسفيه المخاطر العامة
الأمر الثالث الذي يستدعي التعليق هو نقص الحساسية الفاقع حيال ممارسات العمل القسري والإتجار بالبشر والاستعباد الحاصلة على قدم وساق في لبنان حيال هذه الفئة من العاملات، والتي وثقتها “المفكرة القانونية” في مقالات عدة كما وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية والدولية. وقبل المضي في تبيان ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسات ما كانت لتحصل وتستمر لولا ثلاثة عوامل: (1) استثناء العمل المنزلي من حماية قانون العمل سندا للمادة 7 منه، و(2) نظام الكفالة الذي يربط نظامية إقامة العاملة الأجنبية في لبنان بالعمل لدى شخص معين بمعنى أن وضعها يصبح غير قانوني ويتمّ ترحيلها في حال إنهاء عقد العمل لأيّ سبب من الأسباب، و(3) عدم توفر الحماية القضائية اللازمة لأسباب عدة أبرزها توقيف العاملة التي تترك العمل لأي سبب من الأسباب (ولو كانت معتدى عليها) واستجوابها وترحيلها قبل إحالة ملفها إلى القضاء أي من دون أن يتسنى لها حتى المثول أمامه. وهو أمر يؤدي إلى تحويل محاكمة العاملات إلى محاكمات غيابية، تغيب عنها روايات ما قد تعرضن له من معاناة.

وبفعل هذه العوامل، أشرنا مرات عدة إلى أن نظام الكفالة يصبح بمثابة امتياز إضافي يضيفه أصحاب العمل إلى سائر الامتيازات الواقعية التي يتمتعون بها في مواجهة فئة تتراكم فيها عوامل الضعف من دون أي حماية قانونية أو قضائية، وأنه نظام يؤدي عمليا ليس فقط إلى تسهيل إستغلال العاملة بل أيضا إلى ضمان إفلات ممارسات الاستغلال والإتجار من أي عقاب. وهكذا، وبدل أن تتدخل أجهزة الدولة لحماية الطرف الأضعف وإعادة بعض التوازن للعلاقة عملا بفلسفة قانون العمل، تراها تدخلت من خلال فرض نظام الكفالة إلى منح الطرف الأقوى مزيدا من الامتيازات وعمليا سلطة مطلقة على كيان العاملة، مما أسهم في العديد من الحالات إلى توسيع ممارسات الإتجار بالبشر التي تشكل فئة من أخطر الجنايات.

وفيما سعى العقد الموحّد المطعون فيه إلى التخفيف من حدة هذا اللاتوازن من خلال تمكين العاملات من التمتع ببعض الحقوق الأساسية (القسم الأكبر منها بديهي كحق الخروج من المنزل أو يضمنه قانون العمل كالإجازة السنوية أو المرضية أو الحدّ الأقصى لساعات العمل)، وهي خطوة صغيرة ومحدودة للأمام، فقد جاء قرار مجلس شورى الدولة لينسف هذا الإنجاز رغم محدوديته ويعيد وضعية العمل المنزلي إلى نقطة الصفر.

وقد تبدّت لا حساسيّة المجلس من خلال سهْوه التامّ عن الواقع المعيوش. فهو لم ينظر أنه أمام عقد يسعى لدرء مخاطر ارتكاب جنايات كبرى غالبا ما تقترن بمواقف عنصرية وطبقية ولا إنسانية، بل غلب لديه الشعور بأنه أمام تدبير من شأنه الإضرار بمصالح قطاع مكاتب الاستقدام.

وقد تجلّى ذلك بداية في الاعتراف ضمناً بصفة نقابة مكاتب الاستقدام في الطعن في العقد الموحّد الذي يفترض أن ينظم العلاقة بين صاحب العمل والعاملة، وبخاصّة أن مطالب النقابة لم تقتصرْ على المطالبة بإبطال البنود المتصلة بها (وهي إثنتان فقط) بل توسعت لتشمل مجمل البنود الواردة في العقد الموحد.

وهذا ما نستشفه من اعتراضها على البنود المتصلة بوجوب تحديد ماهية العمل المنزلي الذي يشمله التعاقد أو فرض حدّ أدنى للأجور أو حدّ أقصى لساعات العمل أو مدة للراحة الأسبوعية (24 ساعة متواصلة) واليومية (9 ساعات متواصلة) والإجازات السنوية (15 يوما) والعطل ونهاية الخدمة (عدم جواز إنهاء العقد إلا بموجب إنذار قبل شهر). كما اعترضت المكاتب على إلزام صاحب العمل بدفع بطاقة السفر في حال فسخ العقد على خلفية خطأ مرتكب منه أو على اعتبار وفاة صاحب العمل سببا لإنهاء عقد العمل، وكأنها بذلك تعتبر العاملة جزء من تركة هذا الأخير. وقد رأت نقابة المكاتب أنّ فرض هذه الحقوق (وكلها مضمونة في قانون العمل وغالبها يشكل مسائل بديهية لمنع ارتكاب جناية العمل القسري) إنما يخلّ بالحرية التعاقدية للطرفين والمضمونة في قانون الموجبات والعقود، ويضرّ بها ضررا بليغا. وعليه، يتبدّى أنّ مجلس شورى الدولة اعتبر أن لمكاتب الاستقدام صفة للمطالبة بإبطال العقد الموحد، ليس على خلفية أنه يمس بوضعيتهم القانونية مباشرة، بل على خلفية أنه يرمي إلى تحسين شروط العمل المنزلي لصالح العاملة ويحدّ من امكانية استغلالها.

وهذا الأمر لا يمكن أن يفسر إلا بطريقة واحدة وهي أن المجلس اعتبر ضمنا ولكن بشكل أكيد أن القطاع يقوم على تأمين يد عاملة قابلة للإستغلال، وأن من شأن أيّ تحسين لأوضاعها أو مكافحة لامكانيات الاستغلال أن ينعكس سلبا على هذا القطاع وعلى الطلب على استقدام عاملات من الخارج. ولا نحتاج إلى الكثير من الجهد لنتبين أن قبول صفة المكاتب في هذا الخصوص إنما يعني في عمقه تسليما بمصالح لا يفترض أن تكون محمية قانونا، طالما أنها مصالح غير مشروعة، بما يناقض المادة 106 من نظام مجلس شورى الدولة التي تربط قبول الدعوى على توفر مصلحة مباشرة ومشروعة. وما يزيد من قابلية هذا الموقف للنقد هو أن المجلس أصدر العديد من القرارات برد صفة الجمعيات البيئية ومصلحتها في الطعن في قرارات بعضها تدميري للبيئة والآملاك العامة البحرية.

فضلا عن ذلك، نستشفّ نقص الحساسية لدى المجلس من اعتبار أسناد المكاتب المذكورة أعلاه جدية. فبذلك، يعلن المجلس أن حماية مصالح القطاع أبدى من حماية العمالة من الإستغلال الفادح والحد من مخاطر ارتكاب جنايات الإتجار بالبشر. وبذلك، يكون قد كبّر من المصلحة التجارية لهذه المكاتب وسفّه من الحقوق الأساسية للعاملات. تسفيه آخر للمخاطر العامة، يعادل في خطورته تسفيه الخطر العام الذي شهدناه من خلال تقاعس عدد كبير من إدارات الدولة عن اتخاذ أي موقف لدرء مخاطر الإفلاس المالي والاقتصادي أو مخاطر انفجار المرفأ أو مخاطر التلوث البيئي الحاصل في العديد من مناطق لبنان بما حولها أشبه بمناطق موت.

ولا يقلل من هذا تذرع المكاتب بأن وزيرة العمل اتخذت قرارها في فترة تصريف أعمال، طالما أن درء المخاطر وامكانيات ارتكاب جناية إتجار بالبشر أمر ملح وضروري في أي ظرف. كما لا يقلل من هذا تذرع المكاتب بأن وزيرة العمل اتخذت قرارا يدخل في صلاحية المجلس النيابي طالما أن لهذه الوزيرة صلاحية محفوظة لتحديد شروط الحصول على إجازة عمل، ومن بينها التوقيع على عقد عمل موحد.

بقي أن ندعو ختاما، وأمام خطورة هذا القرار ومنعا لمزيد من الاستغلال، إلى تشكيل أوسع جبهة حقوقية واجتماعية لمواجهة المكاتب أمام المجلس، في مواجهة باتت أكثر من ملحة: مواجهة ترمي في عمقها لإعلاء حقوق الناس ومنع تسفيهها.

الاخبار-26-10-2020

راجانا حمية 

بقرارٍ قضائي، كسرت نقابة أصحاب مكاتب استقدام العاملات/ العمال في الخدمة المنزلية قرار دخول عقد العمل الموحد موضع التنفيذ. لم يكن الكسر اعتراضاً على الثغرات والنواقص التي تعتري العقد، وإنّما لأن هذا الأخير مسّ بمصالحهم وأرباحهم. لجأوا إلى مجلس شورى الدولة واتخذوا صفة الادعاء، بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن أصحاب العمل، في وجه وزارة العمل وأصحاب الحقوق المعنيين في العقد

قبل أن تكتمل فرحة وزيرة العمل، لمياء يمين، بـ«إنجازها» عقد العمل الموحّد، جاءها الرد من حيث لا تحتسب. من نقابة مكاتب استقدام العاملات المنزليات التي يفترض أنها «عضو» مشارك في صياغة بنود العقد الناظم للعلاقة بين العاملات المنزليات من جهة، وأصحاب العمل وأصحاب المكاتب من جهة أخرى. قبل أن تخطو يمّين خطوتها التالية بتعميم العقود على الكتّاب بالعدل للبدء بالتنفيذ، صدر قرار إعدادي عن مجلس شورى الدولة قضى بوقف تنفيذ العقد، وقرار آخر يتعلق بتحديد نسب الحسم من راتب العاملات في الخدمة المنزلية، سنداً إلى المراجعة التي تقدمت بها نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام.
هكذا، بقرار قضائي، تمكن أصحاب المكاتب من كسر سريان العقد، بعد فشلهم في تعديل بعض بنوده. إذ يأتي القرار بعد رفض يمّين الأخذ بـ«إصلاحات» تقدم بها هؤلاء في ورقة من ثمانية بنود لم تأخذ وزيرة العمل سوى بواحد منها، فما كان منهم سوى قطع الشعرة التي كانت تربطهم بالوزارة والتوجه الى القضاء للمطالبة بـ«وقف تنفيذ ومن ثم إبطال العمل بالعقد».
في 14 الجاري، صدر قرار الشورى. هلّل أصحاب المكاتب لـ«انتصارهم» على وزارة العمل... وهم الذين لم يخسروا معركة يوماً، ولو «بالتواطؤ» مع البعض في الوزارة نفسها. لكنه، كان انتصاراً فردياً. ولا علاقة للطرف الآخر في المعادلة به، أي العاملات والعمال، على عكس ما يحاول هؤلاء الترويج له. ففي المراجعة المقدّمة من قبلهم، كانت الأسباب كافية للتدليل على «النوايا».

 

(مروان بوحيدر)

بغض النظر عن العقد غير «النموذجي» لجهة الثغرات التي تشوبه، على عكس ما كان يصفه معظم المشاركين في صياغته، إلا أن الأسباب التي أوقفت لأجلها النقابة تنفيذه كانت «شخصية». فقد بدا واضحاً فيها أن «مصالح هؤلاء تتضارب مع التقدم في مجال العقد الموحد لناحية تأمين حقوق العاملات والعمال»، على ما تقول موهانا إسحاق، المحامية في منظمة «كفى عنف واستغلال».
في الشكل، استعرضت النقابة مخالفات الوزيرة، لناحية أن القرارين لا يدخلان ضمن مهامها، وخصوصاً أن «الخدم في المنازل» - بحسب ما يرد في المراجعة - مستثنون من أحكام قانون العمل ويخضعون لقانون الموجبات والعقود. أما الأمر الآخر، فهو عدم قانونية صدور القرارين «في مرحلة تصريف الأعمال».
أما في المضمون، فقد كانت النقابة صريحة في الدفاع عن مصالحها، ومصالح أصحاب العمل، مستعرضة البنود التي تشكل ضرراً لها، وهي في الغالب بنود تقرّ بعضاً من الحقوق للعاملات والعمال. هكذا، كان أول سبب لوقف تنفيذ العقد «أنه يفرض التزامات على مكاتب الاستقدام وأرباب العمل». وانطلاقاً من تلك الالتزامات، استفاض هؤلاء في سرد ملاحظاتهم على العقد، لناحية اعتراضهم على تحديد قيمة الأجر بما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور وتحديد ماهيّة العمل والعطل والإجازات السنوية ومن له الحق بحيازة أوراق العامل أو العاملة الثبوتية، وصولاً إلى النقطة الأساس التي تتعلق بفسخ العقد. فعلى سبيل المثال، رأت النقابة أن ما ينصّ عليه العقد في مادته الثامنة لجهة إبقاء الأوراق الثبوتية والمستندات في حوزة العاملة أمر «فيه مغامرة»، على ما يقول علي سكينة، مستشار الشؤون الإدارية والعلاقات الخارجية في النقابة. أما الاعتبار؟ فهو أنها «قد تسيء الأمانة وتغافل أصحاب المنزل وتغادر المنزل والبلد». وفي هذا السياق، أرسلت النقابة إلى الوزيرة يمّين شرحاً «ضرورياً»، أوردت جزءاً منه في المطالعة، ورأت فيه أن العاملة قد تهرب بعد إقدامها على السرقة، إذ «من المعلوم أن مقتنيات العائلات من مال وأشياء ثمينة بمتناول اليد في أغلب الأحيان، فما المانع من سلب بعض أو كل هذه الاشياء والمغادرة بها خارج البلاد في يوم عطلة الفريق الثاني وخسارة كل شيء». من هنا، طالب هؤلاء «بوضع ضوابط معينة بحيث لا تستطيع هذه العاملة مغادرة لبنان إلا ببراءة ذمة من صاحب العمل أو إبقاء أحد هذه المستندات في أمانته لضمان حقوقه وعدم تعرضه لسوء الأمانة»!
لم يستطع أصحاب مكاتب الاستقدام هضم ما يمنحه العقد للعاملات من «حقوق»

ومن جملة الاعتراضات أيضاً، الملاحظات على المادة التاسعة التي تتعلق بـ«حرية» تنقّل العاملة وساعات الراحة اليومية والعطل الأسبوعية والسنوية، والتي اعتبروها «over»، قد تأخذها العاملة مبرراً «للدوران على حلّ شعرها»، بحسب ما توحي تعليقات أصحاب المكاتب. ورأت النقابة أن «تلك الحرية ستحوّل المنازل الى ساحات صراع يومية بين الطرفين وتأثير ذلك على ديمومة العمل السليم، وستكون لها عواقب وخيمة نحن جميعاً أدرى بها».
هذا غيض من فيض الملاحظات التي صوّبت من خلالها النقابة سهامها على ما يفترض أن يكون حقوقاً للعاملات. لم تستطع النقابة هضم ما يمنحه العقد للعاملات من حقوق، انطلاقاً من أن العقد «لم يحمّل أيّ مسؤولية للعامل، فيما كانت كلها ملقاة على أصحاب المكاتب وأصحاب العمل»، يقول سكينة. وهو ما لا يراه الواقفون على الطرف الآخر للمعادلة دقيقاً. ففي وقت تتريّث فيه وزارة العمل بالرد، بانتظار ما ستؤول إليه المعركة، تشير إسحاق إلى أن «تحرّك النقابة لم يأت اعتراضاً على النواقص التي يحفل بها العقد، بقدر ما كان دفاعاً عن مصالح أصحاب المكاتب، وخصوصاً لناحية ترتيب العقد مصاريف معينة أو مسؤوليات». أما النقطة الأساس والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر القرار، فهي البند المتعلق بفسخ العقد، والذي تعترض فيه النقابة على قرار إعطاء حق الفسخ للعاملة أيضاً، وهو ما اعتبروه «انتهاكاً لما سار لفترة طويلة على أنه أمر طبيعي»، تقول إسحاق.
رغم ذلك، قرر القضاء أن يوقف العمل بالقرار. وهو ما يعدّ قضائياً خطوة ناقصة، إذ إنه راعى «بعين كبيرة مصالح مكاتب الاستقدام»، بحسب إسحاق، لكنه يبقى اعتباراً شكلياً، لناحية أن القرار «حكم بالشكل القبول بوقف التنفيذ»، أضف إلى أنه يبقى قراراً إعدادياً وليس نهائياً. والحكم في المعركة المقبلة.

الاخبار-23-10-2020 


تقدّمت «الحركة الشبابية للتغيير»، وهي إحدى المجموعات التي برزت في انتفاضة 17 تشرين، بورقة تتضمّن آليات فورية وآنية للإنقاذ. في ما يأتي ملخّص لأبرز ما ورد في الورقة المنشورة كاملة

انتفض الشعب اللبناني في شكل غير مسبوق في 17 تشرين الأول 2019، في انتفاضة عارمة شملت مختلف المناطق اللبنانية. وكانت الصرخة الأوضح والأقوى هي: نريد أبسط حقوقنا في العيش الكريم والحياة اللائقة، حيث اتضح بعد سنوات من خداع السلطة وزيف شعاراتها أن النموذج الاقتصادي المتّبع القائم على قطاعٍ مصرفي يجذب الودائع مقابل مدّ هذا القطاع الدولة باحتياجاتها المالية مع ضرب كل قطاعات الاقتصاد المنتجة. رافق كل هذا فساد ونهب منظّم لموارد الدولة وماليّتها، ما أوصلنا إلى نموذج من الدولة الفاشلة والعاجزة على كل المستويات. فازداد الخناق على الشعب مع أوضاع اقتصادية ومعيشية تزداد سوءاً، وصولاً إلى بدء أزمات واضحة في القطاع المصرفي تجلّت منذ بداية عام 2019. فاتّضح أن القطاع المصرفي الذي صوّر على أنه القطاع الوحيد الناجح في دولة كل شيء فيها فاشل، ليس سوى فقاعة تستند الى جلب الودائع من دون تشغيلها في الاقتصاد المنتج وفي الدورة الاقتصادية. بل أصبحنا دولة تستورد كل شيء تقريباً، ما أدى إلى نزف متزايد للعملات الأجنبية. ولم تعد تنفع سياسات مصرف لبنان وبات عاجزاً - في ظل الخلل البنيوي في الاقتصاد - عن متابعة سياساته المنحازة لمصلحة المصارف من هندسات مالية وغيرها. كل هذا وغيره الكثير أدخلنا في مرحلة من الانهيار المالي الذي تتزايد آثاره وتداعياته وسط عجز مطلق من قوى السلطة التي تتنصّل من مسؤولياتها.


أمام الخلل البنيوي في الاقتصاد ومالية الدولة الذي تفاقم عبر السنوات، المطلوب مجموعة من الخطط والبرامج تنطلق من رؤية مختلفة عن الحكومات السابقة. رؤية تنطلق من مبدأ تحميل من استفاد من بنية النظام كلفة الخروج من الأزمة. إن المطلوب الآن خطة حكومية واضحة تقضي أن تذهب نسبة من الودائع الكبرى إلى خزينة الدولة وليس أن تستولي عليها المصارف. كما أن الأهم أن لا تكون تلك النسبة من صغار المودعين وأصحاب حسابات توطين الرواتب.
لقد استغلت البنوك بداية الانتفاضة في 17 تشرين الأول لتغلق أبوابها من أجل أن تغطي على حقيقة العجز الكبير في القدرة على تأمين السيولة بالعملات الأجنبية، وبالتالي إعطاء أصحاب الودائع حقوقهم. ثم عادت إلى عملها بعد سلسلة من القرارات الصادرة عن جمعية المصارف. مجموعة من المصرفيين اتخذوا قرارات سيادية خاصة بحركة الأموال والسحوبات. وبصرف النظر عن مدى حاجة لبنان الى هذا الأمر، فالخطير أن مجموعة من المصرفيّين اجتمعوا واتخذوا مجموعة من القرارات السيادية التي تحتاج الى تشريع من المجلس النيابي أو مراسيم من الحكومة وقرارات من مصرف لبنان.
أبرز سلبيات هذا القرار أن حرية تنقل الأفراد والسلع والأموال هي قرارات سيادية. ليس من المقبول أن تتخلى عنها الدولة وتتركها لمجموعة من المصرفيين. ثانياً، إن هذا القرار منحاز ضد مصالح الغالبية الساحقة من شعبنا من صغار المودعين، من دون أن يضع حدوداً واضحة لمنع التحويلات لكبار المودعين. أما الأخطر فإنه طال كل الحسابات، حتى الصغيرة منها، وطال أيضاً حسابات توطين الرواتب، وهو الأمر غير المقبول في كل المقاييس.
إن السياسات المالية المتبعة منذ عقود انكشفت نتائجها الخطيرة والكارثية، إذ أدّت ليس حصراً إلى عجز حادّ في احتياطي العملات الأجنبية، بل تعدّى ذلك إلى وضع اليد على الودائع بشكل قرصنة.
إن الانهيار المالي يضعنا أمام الحاجة الضرورية الى ضوابط على رأس المال وهو ما يعرف بـCapital Control. ولكن هذه الضوابط ليست هي حلول بذاتها، بل هي آلية مؤقتة تلجأ إليها «السلطات» لكسب بعض الوقت الإضافي لوضع الحلول وتنفيذها وتفادي الأسوأ. واللافت أن السلطة السياسية، وبعد نحو سنة على بدء المصارف بإجراءات اعتباطية واستنسابية وعشوائية، لا تزال تتلكّأ وتتهرّب عن القيام بمسؤوليتها بتنظيم العلاقة بين المصارف وأصحاب الحسابات، تاركة الأمر لإدارات المصارف.
ضوابط رأس المال هي تدابير مؤقتة، ويجب أن تكون نظامية وشاملة ومعلنة وواضحة ومحددة بزمن معين بعيداً عن أي استنسابية وعشوائية، وبما يضمن مصالح الفئات الاجتماعية وذوي الدخل المحدود وصغار المودعين. مع التركيز هنا والوضوح أن هذا الضبط المطلوب لا يتوافق أبداً ولا يشبه تلك الإجراءات المتخذة من البنوك.
- الإجراءات المطلوبة خلال فترة ضبط رأس المال: (Capital Control )
1. فـرض ضريبة على رأس المال
2. استرداد أرباح الهندسات المالية
3. إعادة هيكلة الدين العام
4. إعادة هيكلة ديون الأسر
5. الرقابة والتدقيق على عمل مصرف لبنان
6. إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
إن الإجراءات المطلوبة المذكورة أعلاه ليست حلاً بنيوياً دائماً لأزمة النظام الاقتصادي، بل هي لتجنب الانهيار الذي نحن في طوره. أما بداية الحل البنيوي للنظام فتكون عبر التركيز على مرحلتين:
1- المرحلة الأولى وفورية هي عبر تغيير النظام الضريبي بالكامل. من أجل نظام ضريبي يحقق الأهداف المرجوة منه يجب أن يتوفر فيه شرطان، وهما الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. هذا النظام الضريبي يطال الجوانب التالية والأولوية كالآتي:
• الـريع: المطلوب ليس فقط ضريبة على الريع، بل المطلوب غرامة على الريع بهدف القمع والقضاء عليه.
• الضربية على الفوائد: ضرائب عالية تصاعدية على الشطور والتعامل معها يكون نصف قمع، فهي تشبه الريع من حيث إنها إيرادات على فوائد دون أي مجهود أو عمل منتج من صاحبه.
• الضريبة على الأرباح: يجب إصلاح هذه الضريبة بحيث يكون فرضها بنسب تصاعدية، فليس من المنطقي أن تكون هذه الضريبة ثابتة مهما بلغت الأرباح المحققة.
• الأجور: رغم أن هناك نسباً كبيرة من العمال والأجراء بالكاد دخلهم يكفي للحد الأدنى من متطلبات الحياة، لكن أيضاً 20% فقط من الأجراء يحصلون على نصف إجمالي الأجور. هناك طبقة من الأجراء الذين يحصلون على رواتب شهرية عالية جداً تحوّلهم الى أصحاب ثروات، لذلك يجب إعادة هيكلة الضريبة التصاعدية التي تفرض على الأجور بحيث ترتفع النسب أكثر بكثير من الحالية على الشطور العليا.
مع ضرورة الانتقال من مجموعة من الضرائب على الأفراد، إلى مرحلة الضريبة الموحّدة أو ما يسمى بالوعاء الضريبي، ترافق الخطة الضريبية الجديدة إجراءات لوقف التعدّي على الأملاك العامة المنهوبة بما يضمن فعلاً وليس قولاً، تحصيل حقوق الدولة من بدلات التعدي واستعمال الأملاك البحرية والنهرية وغيرها، وإعادة النظر في شركة سوليدير بمفعول رجعي على قاعدة إعادة الحقوق إلى أصحابها.
2- المرحلة الثانية: برنامج استثماري من متوسط الى طويل الأمد على 10 سنوات يتضمن ما يلي وليس على سبيل الحصر:
• خطة للكهرباء: خطة طويلة الأمد تلحظ حاجات لبنان المستقبلية وليس الحالية فقط.
• حل جذري وعلمي لمشكلة الماء. فليست مشكلتنا بتوفر الماء بل هو متوفر، والدليل أنه عند انقطاع المنازل من الماء تستطيع تلك المنازل توفير حاجاتها عبر الشراء. أي أن المشكلة ليست توفر الماء، بل هي في حق الوصول الى الماء.
• شبكة نقل عام في المدن الثلاث الكبرى، أي بيروت طرابلس وصيدا عبر المترو والترامواي أو مزيج منهما، وشبكات نقل بالقطار توصل المدن الرئيسية.
• إصلاح عقاري زراعي: حيث نشهد ضعف العمل الزراعي، المشكلة الأكبر هي تجزئة الملكية الى قطع صغيرة بسبب الإرث من جيل الى جيل ولبنان لم يشهد أي قانون إصلاح زراعي.
• إنشاء مناطق صناعية عبر بنى تحتية للصناعات: لبنان يقدر على صناعة الأدوية والصناعات الغذائية والصناعات الوسيطة. ومن أجل تطوير الصناعات علينا إنشاء مراكز أبحاث علمية ومصانع تجريبية، وتجربة بعض الصناعات الكبيرة فإن نجحت نتابع بها وإن لم تنجح نلجأ الى تجارب أخرى.
• جامعة لبنانية وطنية على مستوى عالٍ: لا شك أن السياسات المتّبعة من عشرات السنوات أدّت إلى إضعاف الجامعة الوطنية مقابل الترخيص لعشرات الجامعات الخاصة التي انتشرت كالفطر. بينما المطلوب سياسات تهدف إلى دعم وتطوير الجامعة الوطنية المنتجة والتي توفر مناخات ملائمة لتطوير الطلاب ككوادر متخصصة وفاعلة.
• استبدال دور المؤسسة العامة للإسكان: المطلوب إعادة صياغة دور هذه المؤسسة لتتحول إلى مصرف متخصص بحيث تضع السياسات السكنية اللازمة للقيام بعملية الإشراف على بناء التجمعات السكنية لتكون صالحة للسكن مقابل بدلات إيجار عادلة وتكون العقود بمدد طويلة الأجل.
• إنشاء مصارف عامة متخصصة: إنشاء مصارف عامة متخصصة لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبيرة لتوفير الخدمات الأساسية والقاعدة الإنتاجية وإصلاح الأضرار البيئية التي تسببت بها سياسات هذه السلطة.
إن هذا البرنامج الاستثماري لن يعطي النتائج إلا بعد فترة طويلة نسبياً. بينما إجراءات الضوابط على رأس المال المطلوب تطبيقها فوراً والضريبة على رأس المال سوف تؤدي الى انكماش اقتصادي في المرحلة الأولى وانخفاض الاستثمار، ما ينعكس سلباً على فرص العمل وازدياد البطالة في المرحلة الأولى. لذلك يرافق كل ذلك برنامج الحماية الاجتماعية، هذا البرنامج يطبّق عبر النظر الى الأجر الاجتماعي وليس الأجر النقدي، عبر تأمين مجموعة من الخدمات للمواطنين وتكون مجانية، فيكون المواطن قد حصل على خدمات دون دفع المقابل. من هنا تأتي زيادة الأجر الاجتماعي عبر برنامج من الحماية الاجتماعية يتضمن الآتي:
- تغطية صحية شاملة لكل اللبنانيين مموّلةً من الضرائب وليس الاشتراكات.
- تطبيق فعلي وحرفي للتعليم الرسمي المجاني لمرحلة ما قبل الجامعة، نظام وبنية التعليم لها الأولية على التعليم الخاص.
- توفير خطة شاملة للنقل العام كما ذكر أعلاه تؤدي الى تخفيض كلفة النقل للأفراد والعائلات.
- توفير المياه والكهرباء، فيغني الأمر عن دفع فاتورتين لكل قطاع.
إن ما ذكر أعلاه هو خطة ممكنة وضرورية ضمن آليات السوق الحالية أي الاقتصاد الحر مع تفعيل وتأكيد دور الدولة في الحماية الاجتماعية، أي ضمن آليات النظام الرأسمالي ولكن آخذين بالاعتبار صرخة الشعب الواضحة بطلب العدالة الاجتماعية. انطلاقاً مما تقدم، نقدّم في هذا المشروع رؤيتنا لحلول آنية وفورية ولا تقبل التأجيل. هي خطة تنطلق من نظرة أساسية أن من استفاد من هذا النموذج الاقتصادي المنحاز لمصلحة قلّة من الأغنياء هم من عليهم دفع ثمن الانهيار.

الاخباؤ-23-10-2020

ليا قزي 

قد يبدو من «العيب» الإضاءة على انهيار الطبقة الوسطى في لبنان، في وجود إحصاءات عن نسبة فقر تبلغ 55%. ولكن أهمية هذه الطبقة تكمن في أنّها «مُحرّك» الاقتصاد، اندثارها يعني تراجع الطلب والاستهلاك والنموّ، وتأثّر الدوائر المُحيطة بها سلباً مع إقفال الشركات وتسريح العمّال. أما الأخطر لديها فهو قدرتها على الهجرة، ما يُفقد لبنان رأس المال البشري

الطبقة الوسطى اللبنانية - نسخة ما بعد الحرب الأهلية - تفقد «مظلة» أمانها. انضمّت فئة وازنة من مُكوّنات الطبقة الوُسطى إلى صفوف المُتضرّرين من السياسات الاقتصادية، ولا سيّما مع انتهاء «عزّ» دولار الـ1500 ليرة، وارتفاع الكلفة الاستهلاكية، ومُصادرة مصرف لبنان والمصارف للدولارات الأميركية، والقيود التي فرضتها على السحب من حسابات الليرة اللبنانية. انهيار حُرّ تواجهه هذه الطبقة، التي يعتبرها البعض «حزام الأمان الاجتماعي»، على حدّ قول الخبير الاقتصادي، روي بدارو. هي التي كانت، إلى حدّ ما، مُتآخية مع نظام الريع والفوائد المرتفعة، فـ«تنبّهت» إلى أضراره بعد أن أصابتها ضرباته، وكانت بداية «الصرخة» في انتفاضة 17 تشرين الأول، التي شكّلت هذه الطبقة أحد أعمدتها، ولا سيّما في المُدن: بيروت، طرابلس، جونية.

 

الصدمة الاجتماعية ستحدث عندما يُرفع الدعم عن السلع الرئيسية (مروان طحطح)

في التقرير الذي أنجزته «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا - إسكوا» في آب الماضي، خُصّصت فقرة لـ«الآثار المترتبة على أصحاب الدخل المتوسط والطبقة الوسطى»، لتكشف النتائج عن «تحدّ كبير أمام لبنان ليُحافظ على طابعه السكّاني الذي يغلب عليه ذوو الدخل المتوسط... التحدّي الحقيقي هو أنّ أصحاب الدخل المتوسط الأعلى والدخل المتوسط الذين يمثّلون الجزء الأكبر من رأس المال البشري في البلاد، لن يكون أمامهم خيار سوى الهجرة». وبحسب الأرقام التي نُشرت، فإنّ الطبقة الوسطى (يكسب الفرد بين 14$ و27$ في اليوم) انخفضت من 45.6% في الـ2019 إلى 35.2% في الـ2020، والطبقة الوسطى العليا (يكسب الفرد ما بين 27$ و34$ في اليوم) تدنّت من 11.5% في الـ2019 إلى 4.5% في الـ2020. من يجنون أكثر من 34$ في اليوم، انخفضت نسبتهم أيضاً من 15% في الـ2019 إلى 5% فقط في الـ2020.
لماذا «الاهتمام» بوضع الطبقة الوُسطى في مُجتمع لامست نسبة الفقر فيه الـ55%؟ «لأنّها أساس الحيوية في الاقتصاد، على المستوى الثقافي والتعليمي والسكن والاستهلاك، إضافةً إلى أنّها تنخرط في العمل السياسي وتُغذّيه، في مقابل طبقة غنية مُتحالفة مع قوى السلطة»، يقول أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية - بيروت، ناصر ياسين، مُستشهداً بالدور الذي لعبه المهنيون والأساتذة والأطباء والمُحامون في «17 تشرين». بالنسبة إلى ياسين، «صحيح أنّ الطبقات المُتدنية تُعاني جدّاً، ولكن اضمحلال الطبقة الوسطى يعني خسارة جزء من هوية لبنان».
المدير التنفيذي لمؤسّسة البحوث والاستشارات في بيروت، كمال حمدان يُشير أيضاً في حديثه مع «الأخبار» إلى دور الطبقة الوسطى كـ«الركن الأهمّ في النموّ الاقتصادي، كلّما كانت دائرتها واسعة شاملةً عدداً كبيراً من الأفراد، ارتفع الإنتاج والطلب على الاستهلاك واختلفت نوعية الحياة». إذاً هل نعتبر أنّ أعضاء الطبقة الوسطى هم المُنتجون في المجتمع؟ يردّ حمدان بأنّ الطبقة الوسطى تتحدّد «بحسب مُستوى الدخل، الذي قد ينتج عن أجرٍ ثابت، أو عمل حرّ، أو تحويلات من الخارج، أو ادخارات وفوائد. نسبة غير المُنتجين بسيطة من مُجمل الطبقة الوسطى».
قبل انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، كان يُدرج ضمن الطبقة الوُسطى «الأسرة التي تملك دخلاً يراوح بين 2500 دولار و7000 دولار، بمعدّل وجود 1.6 ناشط داخلها»، يقول حمدان ويشرح أنّ الأزمة طالت الجميع: العاملون لحسابهم، رؤساء المصالح، الأساتذة الجامعيون، القضاة، الأطباء، المُهندسون... وصولاً إلى أصحاب المؤسسات التي إما أقفلت فنتجت عن ذلك بطالة العمّال لديها، أو تتعرّض لخسائر تفرض تعديلات جوهرية على السوق، سيتأثّر بها كلّ من يرتبط مصلحياً بالطبقة الوسطى. باختصار، «كلّ أصحاب المداخيل بالليرة هم بحالة هشاشة، بتفاوت الدرجات بينهم». الصدمة الاجتماعية ستحدث عندما يُرفع الدعم عن السلع الرئيسية غير المواكب باستراتيجية حماية اجتماعية من قبل الدولة، «فترتفع نسبة الفقر إلى 60%. هذه الزيادة ستأتي من الطبقة الوسطى الدنيا التي تقع مباشرةً فوق الخطّ الأعلى للفقر».
من يجنون أكثر من 34$ في اليوم، انخفضت نسبتهم من 15% عام 2019 إلى 5% فقط عام 2020

لا يوجد حتّى الآن، بحسب حمدان، دراسة «بالمعنى العلمي تُحدّد نوع وأحجام المسارات الإنهيارية»، ولكن يُمكن تلمّس التغييرات من أمثلة «بسيطة»، كأن يُصبح مُمكناً «التخلّي عن زيارة طبيب الأسنان، وصيانة السيارة، واستبدال الهواتف النقالة في حال تعطّلها»، كما يذكر ناصر ياسين، تدرّجاً صعوداً نحو «الانتقال من المدرسة الخاصة إلى الرسمية، واستبدال المستشفى الخاص بالطبابة على حساب وزارة الصحة، والنزوح المُعاكس من المدينة إلى الريف مع ارتفاع أسعار العقارات مبيعاً وإيجاراً». يظهر ذلك في بعض جوانبه، في عدم انطلاق أعمال الترميم وإصلاح المنازل المُتضرّرة من انفجار مرفأ بيروت، لأسباب مالية وغياب التسهيلات من المصارف، رغم إعلانات «حملات التضامن» الكثيرة من جانبها.
ليست المرّة الأولى التي يُحكى عن «انهيار الطبقة المتوسطة» في لبنان، فعند كلّ أزمة تكون هي في صُلب العاصفة. في عدد 25 آذار 2019 من «ملحق رأس المال»، كتب رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية - الأميركية، غسّان ديبة عن «تراجع هذه الطبقة لصالح تركّز الثروة والدخل في أيدي القلّة.

الطبقة الوسطى (يكسب الفرد بين 14$ و27$ في اليوم) انخفضت من 45.6% في الـ2019 إلى 35.2% في الـ2020
فمنذ عام 1996 تمّ تجميد الأجور لفترة طويلة ودخل الاقتصاد في فخّ الأجور المتدنية، ولم تنمُ القطاعات العالية الإنتاجية، وأصبح نموّ المداخيل المتأتية من الربح والفوائد والريع أعلى بكثير من نموّ المداخيل الناتجة عن العمل، وارتفعت أسعار الأصول العقارية والسكنية، طاردةً الطبقة المتوسطة من مراكز الثقل الاقتصادي إلى الضواحي». ولكن عملياً، تُعيد هذه الطبقة إنتاج نفسها كما فعلت بداية التسعينيات، وقد يكون ظهورها الجديد اليوم على شكل «طبقة الدولار» التي تضم كلّ أصحاب المداخيل بالورقة الخضراء، أكانوا موظفي الشركات الأجنبية العاملين في لبنان، أم المنظمات الدولية وغير الحكومية، أم تحويلات المغتربين. لا يزال التثبّت من ذلك بحاجة إلى بعض الوقت، بسبب تسارع الأحداث والانهيارات المتتالية، «الأكيد هو وجود خطر كبير يرتبط بانهيار الطبقة الوسطى، يُدعى الهجرة»، بحسب حمدان. فهذه الطبقة «تملك الإمكانات التعليمية والمادية لترحل. هذه الثروة ونقطة قوتنا في المنطقة، إذا غادرت هذه الفئة وبقي ذوو المهارات المُتدنية، فعلى الدنيا السلام». كلام حمدان يتلاقى مع حديث ناصر ياسين عن «تدنّي الترقّي الاجتماعي». المؤسف بالنسبة إليه «أن لا تُناقش أي جهة، حكومية أو من الانتفاضة، التحديات اليومية وتطرح البديل الحقيقي. كلّ النقاش يجري لسدّ ثغرات مُعينة، سيأتي وقت ينفجر فيه الخزّان بكامله».


البنك الدولي لا يُساعد الطبقة الوسطى

 

موازنة البنك الدولي لمساعدة الفقراء في لبنان تبلغ قرابة 206 ملايين دولار، هناك توجّه لأن تتوسّع قاعدتها، فتشمل أكبر قدر من العائلات اللبنانية. طُرح مع البنك الدولي أن تضم المعايير عائلات من الطبقة الوسطى، ولا سيّما المُتدنية، نظراً إلى أنّ الأزمة ستمتد إلى ما لا يقلّ عن 10 سنوات، مع غياب مؤشرات استعادة العافية الاجتماعية والاستهلاك، في مقابل تركّز الثروة في أيدي القلّة التي لن تتأثّر بالانهيار الحاصل، بل يمكن أن تُراكم أرباحها. إلا أنّ «البنك الدولي» رفض الطرح، مُفضّلاً حصر «مساعدته» بالفئة المُصنّفة فقيرة.

النهار-22-10-2020


عقد اجتماع مشترك بين الهيئات الاقتصادية و"الاتحاد العمالي العام" وهيئة التنسيق النقابية، في حضور رئيس لجنة الاقتصاد النيابية فريد البستاني، الوزير السابق رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير، رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الاسمر، نقيب الصحافة عوني الكعكي، نقيب محرري الصحافة جوزف القصيفي، الأمين العام للهيئات الاقتصادية نقولا الشماس، نائب رئيس مجلس ادارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي غازي يحيى، رئيس اتحاد نقابات المؤسسات السياحية في لبنان بيار الاشقر واعضاء الاتحاد، نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان نبيل فهد وأعضاء هيئة مكتب الاتحاد العمالي العام.

بداية ألقى نائب رئيس الاتحاد العمالي العام حسن فقيه كلمةً رحب فيها بالمشاركين، واكد "أهمية التلاقي بين فرقاء الانتاج والمجتمع المدني كلما زادت الازمات والصعوبات الاقتصادية في البلاد".
ثم تحدث نقيب المحررين، "إذا كان عنوان هذا اللقاء الإسراع في تشكيل حكومة منتجة ورفض رفع الدعم عن السلع الأساسية، هو الإطار الذي يجمعنا اليوم، فإننا نرى وجوب تطويره لتكون موضوعاته أكثر شمولاً. فلبنان بحاجة اليوم إلى رؤية حديثة تؤسس لنظام اقتصادي لا يقوم على الريعية، بل على الانتاجية، وإلى نظام مصرفي لا يحتجز أموال المودعين، ويشكل عائقاً في وجه النمو". وقال الجباوي: نعلن موقفا لعلنا نجد اذانا صاغية تأخذ كلامنا على محمل الوجع الذي ينتابنا والالم الذي يعتصر قلوب اهلنا وناسنا، وأهل السياسة يعملون على هدر الوقت كأن الامور طبيعية"، متسائلاً "الى اين تأخذون البلد؟ الا يكفينا مصائب؟ وضع اقتصادي ومالي وصحي رديء، الكورونا تفتك بنا وتدمر حياتنا، إنفجار المرفأ والدمار الذي حل ببيروت، الضغوطات الدولية علينا ومنعنا من استخراج ثروتنا النفطية. إلى متى تنتظرون؟".

ورأى ان "كل يوم تأخير في تشكيل الحكومة هو طعنة للوطن والمواطنين. كفى دلعا سياسيا على حساب مآسي شعب لم يعد بمقدوره التحمل، الجوع والمرض يدق الابواب. هذا قبل الكلام عن رفع الدعم عن المحروقات والادوية والقمح وغيرها من السلع الغذائية. ألا يخجل من نفسه من يسوق لهذه الفكرة. ألا يعلم أن المؤسسات ستقفل ولم يعد باستطاعة احد التنقل بسيارته او حتى في سيارة اجرة للحضور الى وظيفته. ألا يعلم ان المرضى سيموتون من قلة إمكانية تأمين الادوية وحتى دخول المستشفيات والخبز والغذاء".

وتحدث الأمين العام للهيئات الاقتصادية نقولا شماس لافتاً إلى "هذه الوقفة الميدانية الجوهرية لقطع الطريق على الانهيار الذي يحصل في البلاد. علينا ان نتابع الامور والمسالة التي لا يعلو عليها هي تشكيل حكومة، لان الفراغ ترك انعكاسات مدمرة على الاقتصاد الوطني واصبح في الحضيض. أكدت فرنسا ان لبنان مهدد بالزوال. وللمفارقة يفاوض لبنان على ترسيم الحدود ونرى ان الاساس هو تشكيل حكومة لتتحمل المسؤوليات والتحديات، وفقا للآتي: تنفيذ المبادرة الفرنسية، فتح الملفات مع صندوق النقد الدولي، اعادة احياء مؤتمر سيدر، اعادة اعمار ما دمر في العاصمة، كشركاء انتاج وضع خطة شبكة امان اجتمعي ترعى جميع اللبنانيين لاننا لن نسمح ان يجوع اللبنانيون".

وفي الختام، القى رئيس الاتحاد العمالي العام كلمة اكد فيها "اننا نعيش فسادا سياسيا وأخلاقيا يقودنا الى موت حتمي. وأصبحت الوزارات والأسماء والحصص أهم من مصير لبنان. ليتهم يعلمون ماذا يجري بالجياع والفقراء والبؤساء والمرضى. إنهم يعلمون ولا يكترثون... نعم للتصدي بالشارع في يوم غضب آخر إذا لم تؤلف الحكومة مع الجميع، نعم لوضع تصور مشترك لمعالجة كافة القضايا الغذائية - الدوائية - المحروقات - المصرفية - المواد الأولية للصناعة - لمكافحة جائحة CORONA ومعالجة انعكاساتها، نعم لمكافحة الفساد، نعم لقانون الإثراء غير المشروع، نعم لإعادة أموال المودعين".

ورأى الاسمر ان "رفع الدعم سيؤدي الى تباطؤ مدمر للحركة الاقتصادية، وربما وقف هذه العجلة وانهيار المؤسسات وإقفال تام وصرف جماعي وانهيار المنظومة الصحية والغذائية وبالتالي الاجتماعية ما سيؤدي الى فقر مدقع يشمل شعبا بكامله، وارتفاع معدل الجريمة شاب يشهر مسدسه لعلبة بنادول ومعدل السرقات والتفلت الأمني. إنه أسوأ أداء اقتصادي في دول العالم".

ولفت الأسمر إلى "إننا مدعوون جميعا لوضع خطة تحرك مشتركة للضغط على المسؤولين لتحقيق هذه الأمور كي لا نصل إلى انفجار اجتماعي تستحيل معالجته.

الاخبار-22-10-2020

محمد وهبة 

لم يخطئ يوماً من أطلق على الاتحاد العمالي العام وصف «اتحاد العمالة العام». فهذا النوع من العمالة قاد اقتصاد لبنان منذ ما بعد الحرب الأهلية، وأدّى إلى الكارثة التي نغرق فيها اليوم، وهي تتجلّى مجدداً عند كل أزمة، فيستضيف الاتحاد، أو يحلّ ضيفاً، على كتلة مصالح أصحاب العمل والرساميل المصرفية والتجارية التي تعادي الأجراء وعينها في أجورهم، من أجل «تشكيل الحكومة» لا من أجل تصحيح الأجور!

مضى أكثر من سنة على انهيار سعر صرف الليرة تجاه الدولار. قيمة الليرة انخفضت تجاه الدولار بنسبة 79%، بينما قيمة الدولار تجاه الليرة تضاعفت أكثر 395%. أما تضخّم الأسعار، فقد كان مرتفعاً جداً. خلال آب الماضي، سجّلت الاسعار ارتفاعاً إجمالياً بمعدل 120% مقارنة مع آب 2019. من ضمن هذا الارتفاع سجّلت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية ارتفاعاً بمعدل 367%، والألبسة والأحذية بمعدل 413%. وبمعزل عن تفاصيل هذه المؤشرات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي، إلا أنها تحمل دلالة لا لبس فيها عن تدهور معيشة المقيمين في لبنان واندثار رواتبهم بحثاً عن الغذاء الاساسي والضروري وعن ملابس لأولادهم وأحذية. في المتوسط بلغ ارتفاع الأسعار التراكمي خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية 58%، أي إن من كان يتقاضى راتباً بقيمة مليون ليرة، صارت قيمته تساوي 420 ألف ليرة. بمعنى آخر، إن الحدّ الأدنى للأجور تقلّص إلى 283500 ليرة!

 

(مروان طحطح)

أما إحصاءات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فتشير إلى حجم الكارثة التي أصابت الأجراء في لبنان. فمن أصل 415 ألف أجير مصرّح عنه للضمان هناك16٫5% يتقاضون الحدّ الأدنى للأجور، و37٫5% يتقاضون أقل من 900 ألف ليرة( صارت توازي 378 ألف ليرة)، و11٫8% يتقاضون أقل من 1٫1 مليون ليرة (صارت توازي 638 ألف ليرة). في المجمل، إن 86% من الأجراء المصرّح عنهم للضمان يتقاضون أقلّ من 3 ملايين ليرة. هذه الفئات سحقها انهيار سعر الصرف وتضخّم الاسعار الذي نتج عن توسّع مصرف لبنان في إصدار النقد قبل أن يقرّر بعد أشهر من هذه السياسة أن يعزّز انكماش الاقتصاد الذي ستكون تداعياته هائلة على الوظائف. أي بعد سحق الأجور والإفقار، بدأ العمل على سحق الأجراء وتحويلهم إلى عاطلين من العمل، باحثين عن الهجرة إن استطاعوا إليها سبيلاً.
في ظل هذه التطوّرات، لا يملك الاتحاد العمالي العام الذي تقوده «حفنة» من ممثلي الأحزاب، إلا إطلاق يد رئيس الاتحاد بشارة الأسمر، العائد حديثاً إلى رئاسة الاتحاد بعد عفو سلطات الطوائف عنه، لممارسة الضغوط جنباً إلى جنب مع الهيئات الاقتصادية، من أجل تأليف حكومة. أصلاً قد يكون وقت الاتحاد ضيّقاً ولا يتيح له الغوص في مسائل من نوع الأجور والعمال. فالمسائل المتعلقة بتأليف الحكومة تقع في صميم كيانه وتمثيله الوظيفي – السياسي.
في هذا الإطار، دعا الاتحاد زملاءه في هيئة التنسيق النقابية، ومشغّليه من أصحاب الهيئات إلى عقد اجتماع مشترك تحت سقف مطلب واحد: تأليف الحكومة. لم يذكر أيّ ممن شاركوا في الاجتماع كلمة «أجر» أو «راتب» أو أي كلمة أو عبارة موازية. وإلى جانب المطلب الأساسي المتعلق بتأليف الحكومة، كانت هناك سلّة «روتينية» لتزيين التصريحات. نقيب المحررين كان الأكثر وضوحاً، فأشار إلى أن «عنوان اللقاء الإسراع بتشكيل حكومة»، لكنه طالب بتوسيع العنوان ليشمل «رؤية حديثة تؤسس لنظام اقتصادي… لنرفع الصوت من أجل ولادة وشيكة لحكومة فاعلة ومقتدرة». النقيب ختم كلمته بما يراوده مباشرة: «إلزام المصارف بإعادة الودائع». لعلّه لا يعلم أن الأجراء ليس لديهم مدّخرات لاستعادتها، وإن كان لديهم فتات منها، فقد صرفوه لتعويض تورّم الأسعار.
بالتوازي، كان رئيس هيئة التنسيق نزيه جباوي يبحث عن «آذان صاغية تأخذ كلامنا على محمل الوجع». لكن أوجاع جباوي مرتبطة بمطلبه بـ«الاستقرار الاقتصادي» الذي لا يتحقق، لأن «كل يوم تأخير في تشكيل الحكومة هو طعنة للوطن والمواطنين». يعتقد جباوي أن ما يجري مجرّد «دلع سياسي… غداً الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس للحكومة. عليكم تشكيل حكومة فوراً، وكفاكم تضييعاً للفرص والمبادرات التي تعمل على إنقاذ لبنان».
عن أي مبادرة؟ الأمين العام للهيئات الاقتصادية نقولا شمّاس، المشهور بـ«أبو رخوصة»، هو مفتاح الحديث عن المبادرة. فالاجتماع المشترك، بالنسبة إليه «وقفة ميدانية لقطع الطريق على الانهيار». كيف يمكن ذلك؟ «تنفيذ المبادرة الفرنسية، وفتح الملفات مع صندوق النقد الدولي، وإعادة إحياء مؤتمر سيدر، وإعادة إعمار ما دمّر في العاصمة، وكشركاء إنتاج وضع خطة شبكة أمان اجتماعي ترعى جميع اللبنانيين، لأننا لن نسمح بأن يجوع اللبنانيون».
الحدّ الأدنى للأجور تقلص إلى 283500 ليرة بعد تراكم وسطي لتضخّم الأسعار بمعدل 58% لغاية آب

الفرَج سيأتي مع القائد الأسمر. في كلمته يقول: «إننا نعيش فساداً سياسياً وأخلاقياً يقودنا إلى موت حتمي. وقد أصبحت الوزارات والأسماء والحصص أهم من مصير لبنان. ليتهم يعلمون ماذا يجري بالجياع والفقراء والبؤساء والمرضى. إنهم يعلمون ولا يكترثون»… يردّد الأسمر لوازم الخطابات عن الأحياء المدمّرة في بيروت وعن أجراس الانهيار التي تُقرع، وعن انهيار الدولة والهجرة. يقول الكثير مما لا يقع ضمن مسؤوليته، بل كل ما يقع ضمن وظيفته كممثل لأصحاب السلطة والنفوذ. يريد مكافحة مافيات الدواء والغذاء والاحتكار والتهريب، بينما، للعجب، هو يجلس معهم على الطاولة نفسها ويدعوهم إلى مؤتمرات مشتركة! ثم يطلق عشرات الـ«نعم» لمكافحة الفساد وهو يعمل لديهم!
ويختم كلمته بتحديد خطة تحرّك مشتركة (مع الهيئات) هدفها الضغط على المسؤولين لتأليف حكومة إنقاذ وإعمار المرفأ أولاً. ما يرد في الفقرة الثانية ليس مهماً.
يعكس خطاب الأسمر انغماساً من قيادات الاتحاد والهيئات في تأليف الحكومة، وهو أمر ضاغط فعلاً إلى درجة تفرض عليهم إغفال مسألة تصحيح الأجور. لم يجرؤ الأسمر حتى على مطالبة وزيرة العمل لميا يمين بدعوة لجنة المؤشّر إلى الانعقاد وتحديد مستوى الزيادة التي تعوّض التآكل في الأجور. هل يعلم الأسمر أن هذه اللجنة لم تنعقد منذ نحو 8 سنوات؟ دعوة اللجنة هي فرصة الأمل الوحيدة للأجَراء. لكن يبدو أن الأسمر وأصحاب الهيئات غرقوا في مسار تأليف الحكومات إلى درجة أنهم أغفلوا الضغط على الحكومة لتأليف اللجنة. فلجنة المؤشّر، بحسب وزيرة العمل لميا يمين، غير قائمة، لأن هيئة التشريع والاستشارات رأت أن تأليفها في هذه الظروف لا يقع ضمن «تصريف الأعمال». الأسمر ورفاقه من أصحاب الرساميل ينكأون الجراح بدلاً من الضغط عليها لوقف النزيف. هذا هو موقعهم الحقيقي.

النهار-20-10-2020

عقدت الهيئات الإقتصادية اللبنانية إجتماعاً طارئاً واستثنائياً برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير، وبحثت خلاله بنداً واحداً وحيداً هو تشكيل الحكومة، وذلك بعدما وصلت الأوضاع في لبنان الى ما وصلت اليه من مآس وويلات، وبعدما بات الخوف على ضياع فرصة الدعم الفرنسي عبر الورقة التي قدمها الرئيس ايمانويل ماكرون لإنقاذ لبنان، ومن أجل حَض القوى السياسية على القيام بواجباتها الوطنية والمحافظة على ما تبقى من قدرات وإمكانات.
وقررت الهيئات الاقتصادية في إجتماعها إطلاق نداء استغاثة لإنقاذ لبنان، وعقدت في هذا الإطار مؤتمراً صحافياً تلا فيه رئيس نقابة المقاولين مارون الحلو وبإسم الهيئات الاقتصادية النداء، الذي جاء فيه الآتي:
إن الهيئات الاقتصادية التي هالها هذا الكمّ من الأزمات والتراجعات التي أصابت مختلف مفاصل الحياة في لبنان، يؤلمها جداً إستمرار الأداء السياسي السلبي الذي ينبئ بمصير مأسوي للبنانيين.
فمن سخرية القدر، أن تمر سنوات وسنوات، ولا يزال يُتَّبع النمط السياسي ذاته الذي أوصل لبنان الى هذا الدرك الذي وصل إليه.
اليوم، ومع كل الأزمات التي تهدّد وجود الكيان، من غير المسموح ومن غير المقبول أخلاقياً ووطنياً، أن نبقى في دوّامة هذه الممارسات العبثية.
فإذا كان هناك من يعتقد بأن البلد بخير وأنه لا يزال يملك هوامش للمناورة، فتلك مصيبة ستقودنا الى مصيبة أكبر لا بل الى كارثة شاملة.
حقيقة، ان كل الأزمات والتراجعات التي سجلت حتى الآن، ورغم شدّتها وتداعياتها القويّة على مختلف المستويات لا سيما على حياة اللبنانيين ومعيشتهم، فهي ليست إلا البداية لأن ما ينتظر لبنان والشعب اللبناني إذا استمرت القوى السياسية تتمسك بممارساتها وإذا بقينا في حال المراوحة والإنتظار سيكون أقوى وأشد بأضعاف، وعندها لا سمح الله سيصل الشعب اللبناني الى ما بشّرنا به البعض في بداية الأزمة، بالعودة عقودا الى الوراء.
نعم، سنصل الى مرحلة ستنعدم فيها السيولة بالعملات الصعبة، ويرتفع سعر صرف الدولار من دون سقوف، وتندثر القدرة الشرائية ويرتفع التضخم الى مستويات عالية غير مسبوقة عالمياً. سنصل الى مرحلة تتعطّل فيها كل محركات الاقتصاد، ما يعني إقفالا شبه شامل للمؤسسات وبطالة جماعية وفقرا مجتمعيا وجوعا عابرا للمناطق والطوائف والمذاهب.
هذا المصير المأسوي، حذرت منه الهيئات الاقتصادية مراراً وتكراراً، ولم تترك وسيلة لإسماع صوتها والضغط لتفادي السقوط في الهاوية.
وها قد وصلنا، فعلى أرض الواقع هيكل البلد ينهار. الاقتصاد يهبط بكل مكوّناته بسرعة قياسية، المؤسسات تلفظ أنفاسها الأخيرة، البطالة تستشري والشعب يجوع، بيروت دمّرت، الطاقات الشبابية والأدمغة تهاجر، الثروات والامكانات تتآكل، ومختلف نواحي الحياة تتراجع بشكل خطير.
إزاء كل ذلك، إن الهيئات الإقتصادية اللبنانية وإنطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية، ومنعاً لحصول الإصطدام الكبير للإقتصاد بالقعر، فإنها ترفع الصوت عالياً، وتحمّل القوى السياسية المسؤولية الكاملة عن كل ما حصل وما سيحصل، وتطالبها بإسم القطاع الخاص وبإسم اللبنانيين السير نحو تشكيل الحكومة فوراً، اليوم قبل الغد، حكومة منتجة وقادرة على تنفيذ الورقة الفرنسية الإنقاذية لإعادة إعمار بيروت وإنقاذ لبنان.
اليوم ومن جديد، نناديكم، الشعب اللبناني يناديكم، بيروت المدمّرة والمفجوعة تناديكم، المجتمع الدولي يناديكم.
نناديكم من أجل جميع اللبنانيات واللبنانيين الذين تعبوا وتألّموا وخافوا وعانوا، من أجل كل الذين نزلوا الى الساحات والاستجابة لتطلعاتهم ببناء دولة القانون والعدالة الحامية لشعبها والمحافظة على مقدراتها، من أجل لبنان الجميل، لبنان التاريخ والمنارة والثقافة والحضارة والسلام والرسالة، من أجل كل الشهداء الذين ضحّوا ليحيا الوطن، من أجل هذا الشعب الذي لا يقهر والقادر على قلب المسار إذا أُعطي الاستقرار، من أجل الاجيال الطالعة ومستقبل مشرق لكل شابة وشاب.
من أجل كل هؤلاء وكل ذلك، نطالبكم بالكفّ عن كل الممارسات السلبية، والذهاب فوراً لانتاج الحلول وملاقاة المبادرة الفرنسية التي تشكل فرصة أكيدة ونادرة لإنقاذ لبنان. فأنتم كقوى سياسية انتخبها الشعب اللبناني وممثّلة في البرلمان مسؤولون حتماً تجاه الشعب، ومسؤوليتكم تحتّم عليكم في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية في حياة لبنان انتاج الحلول لا غير، والتوقف عن الكلام والتنظير والشعارات التي لا تجدي نفعاً ولا تطعم شعباًـ

النهار-20-10-2020

 


فرح نصور

كانت المجموعات المشاركة في #انتفاضة #17 تشرين الأول الفائت، ورؤيتها ال#اقتصادية، تذهبان باتجاه تبعاً للظروف القائمة حينها. أمّا وقد تدهور الوضع الاقتصادي وانهار سعر صرف الليرة منذ سنة حتى وصل إلى أوجِهِ اليوم، اختلف المشهد المالي والنقدي والاقتصادي تماماً، فالظروف حتّمت وضع أولوية لخططٍ ومشاريع طوارئ لإنقاذ البلد وليس لحلول جذرية. مع حلول الذكرى السنوية الأولى للانتفاضة، تحدّثت "النهار" مع بعض المسؤولين في بعض المجموعات المنتمية للانتفاضة، لطرح رؤيتها الاقتصادية والحلول البديلة التي تراها في هذه الظروف، كونها حركات تغيير.

بعد انتفاضة 17 تشرين الأول بنحو شهر، تقدمت حركة "مواطنون ومواطنات في دولة" بطرح سياسي لمقاربة الأزمة التي يعيشها البلد وهي الانهيار المالي، وهذا الطرح تمثّل بوثيقة بعنوان "المأساة ليست قدراً بل قد تكون فرصة استثنائية"، وهو يقوم على فرض تفاوض الانتقال السلمي للسلطة إلى حكومة انتقالية مع صلاحيات تشريعية لمدة 18 شهراً، وتكون لديها مهمتان أساسيتان: مواجهة تداعيات الأزمة المالية، وإقامة أسس لدولة مدنية في لبنان. وفي خطٍ موازٍ، يفيد مفوّض العلاقات السياسية في حركة "مواطنون ومواطنات في دولة"، معن الخليل، أنّ الحركة عملت على وضع طرحٍ اقتصادي للأزمة الحالية، وهو عمل عميق تطلّب أبحاثاً وتحضيراً، نتج عنه إصدار كتابٍ بعنوان "اقتصاد ودولة للبنان" بثلاث لغات منذ نحو شهرين، وأمين عام الحركة الوزير السابق شربل نحاس هو المساهم الأساسي فيه. ويحتوي على الطروحات الاقتصادية المرتبطة بالسياسات مع شروحات لكل قطاع من القطاعات، وفصل مهم جداً يتعلّق بالنقد ودوره في الاقتصاد وفي القطاع المصرفي وغيره.

"لم نتقّدم للسلطة بطروحاتنا، فنحن لسنا مستشارين لدى أحد منهم، طرحُنا موجه للشعب اللبناني"، والمشكلة تكمن في أنّ لدينا نظاماً سياسياً قائماً على تآلف ستة زعماء طوائف، وهذا النظام سقط بالموت الذاتي ولم يسقط بفعل تظاهر الناس في الشوارع وعدم رضاهم عن السلطة، إنّما سقط لأنّ شريان التغذية لهذا النظام أي الدولارات التي تأتي من الخارج، توقّفت. وفي الاقتصاد يجب اتخاذ خيارات سياسية وتأمين موارد لها، حتى لو كانت لها أثمان. وبرأينا، الأزمة التي نعيش فيها اليوم هي ناتجة بشكلٍ كبير جداً عن عجزٍ بنيوي في ميزان المدفوعات، فنحن نستورد أكثر بكثير ممّا نصدّر، وبالتالي نستورد كلّ ما نستهلكه ولا نستورد أي شيء. ويشرح الخليل أنّ "التحدي هو عبر كيفية بناء أسس اقتصاد قابل للتوازن مع الخارج للتخفيف من الاستيراد بشكلٍ كبير جداً وتعزيز التصدير، وهذا خيار سياسي. كما يجب تعزيز السلع والخدمات القابلة للتبادل مع الخارج مقابل السلع والخدمات غير القابلة للتبادل مع الخارج. ولدينا في استهلاكنا هذا النوع من السلع والخدمات، لا بل تتطلّب استيراد مواد كثيرة. وهذا من العناوين الأساسية في مهمات النهوض من الأزمة، عبر بناء اقتصاد يتوازن مع الخارج، وهذا نتيجته ليست اقتصادية فقط بل سياسية أيضاً، فموقف لبنان تجاه الخارج يصبح أقوى بدلاً من انتظار المعونات والخوف على اقتصادنا من زعل أي دولة منا. فعندما يكون اقتصادنا متوازناً مع الخارج، تعرُّضَنا للضغوطات الخارجية يصبح أقلّ".
والبداية في الإنقاذ، برأي الخليل، من مسؤولية الحكومة المقبلة، فعليها أن تقوم بجردة الموجودات، إذ لا أحد يعرف اليوم المبلغ الدقيق عن حجم الدولارات للاستعمال، وليس هناك رقم رسمي. ويجب السؤال عن الذهب أيضاً، أين هو موجود، وهل هناك أي قيود عليه، وهل استُخدم كلّه أم جزء منه، لأنه يجب معرفة ما هي الموارد المتاحة. ثانياً علينا التفاوض مع الدول الخارجية للبحث بما يمكن تأمينه من موارد مادية وعينية وبأي شروط، هل هي سياسية أم اقتصادية، وإذا ما كانت سياسية، ما هو مقبول منها وما هو مرفوض. هذان الإجراءان يجب أن تقوم بهما الحكومة في الثلاثة أسابيع الأولى من انطلاقها.


التمويل بالنمو كخطة حلّ أساسية

لدينا مشروع اقتصادي كنّا نعمل عليه قبل انتفاضة 17 تشرين بسنوات، ويرتكز على تحقيق العدالة الاجتماعية بتغيير مفاهيم موجودة في النظرية الاقتصادية السياسية، وفق ما يقول نائب رئيس مركز التمويل بالنمو للدراسات، طالب سعد. اليوم هناك أكثر من فساد أشخاص في الحكم، هو فساد مفاهيم وتخلّف في الفكر والرؤية الاقتصادية والسياسية الحاكمة. مشروعنا هو تمويل الإنفاق العام الحكومي عبر النمو، والمقصود به القوة الشرائية للأفراد وليس الناتج المحلي، وبذلك نستهدف الفرد في المجتمع لأنّ نمو الناتج المحلي لا يعكس حقيقة وضع الأفراد الاقتصادية والمالية، وليس دراسة الاقتصاد على أنّها ورقة موازنة. الآن يستعينون بخبراء لخفض العجز، لكنّهم يخفضون الدين على الأوراق وليس في الوضع الاقتصادي الذي يصيب الناس مباشرةً. مشروعنا يتم عبر ضخ النقد من البنك المركزي وليس عبر جباية الضرائب التي تسحب أكثر من السيولة في المجتمع.

ويكمل سعد حديثه بأنّ أزمة لبنان المالية ليست الوحيدة في العالم، فقد أصيب كثير من البلدان الكبرى بأزمات مماثلة، والتعامل مع الأزمة بما نشهده اليوم هو تخلّف وغياب للبحث العلمي في الخروج منها. والانهيار الحاصل لا يمكن حلّه عبر سحب جزء آخر من سيولة الناس عن طريق الضرائب بسبب موازنة الدولة، بدليل أنّ الإنفاق العام الحكومي المتزايد اليوم والذي أصبح فيها مستوى الكتلة النقدية أكثر من عشرة أضعاف، -وعادةً يؤمنه المصرف المركزي في السوق- تعيش الدولة على الضخ النقدي وهي عملية التوفير النقدي التي يؤمنها المركزي، وبالتالي نذهب إلى مستوى أكثر صعوبة من خلال هذه الإجراءات. في الوضع الراهن، لا حلّ إلّا عن طريق دعم قطاعات الإنتاج بأسرع وقت، فهي الوحيدة القادرة على تأمين عملات أجنبية عن طريق التصدير، عبر تقليل كلفة الإنتاج التي تحمل عبئاً كبيراً من القطاع العام وحجمه وضخامته وعدم إنتاجيته. وكان من المفترض تنفيذ ذلك سابقاً لتوفير الدولارات. ويجب البارحة قبل اليوم توفير المواد الأولية اللازمة وإعفاء الشركات المنتجة وقطاعات الإنتاج من الضرائب، ودعمها بشكلٍ كاملٍ كي تستطيع إنتاج سلع لتصديرها لإدخال دولارات إلى البلد.

وبرأيه، إن هذه الإجراءات هي بمثابة إسعافات أولية للبنان، فاليابان وألمانيا قامتا بهذه الإجراءات لإنقاذ اقتصادهما ونجحتا. ويجب تنفيذ عفو عام على الأفراد وإعفاؤهم من دفع الضرائب أيضاً. أمّا الحلول الجذرية للإنقاذ فهي بحاجة إلى إصدار قرارات سياسية. وقد تقدّمنا لأطراف سياسية عديدة بطروحاتنا قبل الانتفاضة، لكن أحداً لم يتعامل مع الموضوع بشكلٍ جدّي.


دعم قطاعات الإنتاج كحلّ سريع

تحوّل نظامنا اللبناني منذ ثلاثين عاماً إلى نظام اقتصاد ريعي وضعفت كافة القطاعات المنتِجة، عندما أُلغيت الحماية الجمركية عن البضائع في بلدٍ صناعته غير مدعومة، ما أدّى إلى ضربها، وعندما ألغوا الروزنامة الزراعية أصبح الإنتاج الزراعي للدول المجاورة يزاحم إنتاجنا خاصة وأنّ دول الجوار زراعتها مدعومة، يشرح القيادي في التيار النقابي المستقل، جورج سعادة. الأزمة هي أزمة نظام اعتمد خيار النيو - ليبرالية وضرب الاقتصاد بدلاً من أن يحميه. وصلنا الآن إلى مكانٍ لم تعد أزمة، بل انهيار كامل للاقتصاد وللنظام الاجتماعي والمالي والتربوي وسواه.

كان لدينا رؤية اقتصادية تقضي بإعادة الاعتبار للنظام الاقتصادي المنتِج عبر دعم الصناعة والزراعة لزيادة حصتهما من الإنتاج الوطني، وهي إجراء بسيط يستدعي فقط زيادة القروض، بالإضافة إلى استعادة الأموال المنهوبة وما زال مطلبنا، وإصلاح النظام الضريبي عبر وضع ضريبة على الودائع الكبيرة التي استفادت من الهندسة المالية والفوائد الكبيرة، فهي قادرة ويجب أن تدفع، فيجب فرض الضريبة التصاعدية كما في العالم بأسره وليس ضريبة ثابتة وقدرها 15 % كما الحال لدينا. فضلاً عن ذلك، طالبنا باستعادة الأملاك البحرية والنهرية، وكذلك استعادة الأموال التي دُفِعت للهندسات المالية لأنّها كانت مخالفة للأصول الوطنية.

أمّا في الوقت الراهن، وبحسب سعادة، فلا زال جزء من هذه الإجراءات قادراً على تحريك الاقتصاد وإنعاشه، فإذا ما استعادت الدولة الهندسة المالية ولو جزئياً، والأموال المنهوبة، يمكننا أن نقف من جديد، وهذا يتطلب قراراً ومتابعة ورفع حصانة. وإذا ما أوقفت الدولة الهدر والفساد اللذين لم يتوقفا دقيقة واحدة، تستطيع الدولة استرجاع 5,5 مليارات دولار، وذلك عبر قيام حكومة إلكترونية، لأنّ هذا الفساد حاصل بالتواصل المباشر بين المواطن والموظّف.

ولإنعاشٍ سريع، يرى سعادة أنّ على الدولة وضع مشروع دعم للإنتاج بكافة قطاعاته. فهناك ودائع محجوزة للناس تُقدَّر بنحو 17 مليار دولار، يمكن للدولة أن تستقطب أصحاب الحسابات هذه وأن تعطيهم إيّاها لصرفها على المشاريع المنتِجة المدعومة، والدولة هنا عليها إعفاء هؤلاء المستثمرين من الرسوم والضرائب. هنا، بحسب سعادة، ستندفع الناس للاستثمار في هذه المشاريع بدلاً من بقاء أموالها محجوزة في المصارف. وعندما ننتج نقلّل من الاستيراد، فأزمتنا هي أنّنا كنّا نستورد بقيمة 16 مليار دولار سنوياً ونصدّر بين 3 و 4 مليارات فقط، فهذا الاستنزاف أفرغ العملة الصعبة من البلد.

وقيام البلاد يستدعي تنفيذ مشاريع تنموية، وفي حال رفع الدعم الذي يدور الحديث عنه، يجب تأمين بطاقة تموينية صحيحة لجميع اللبنانيين، وليس بطاقة بـ 400 ألف ليرة لا تكفي لثلاثة أيام، لأنّ حينها سنذهب إلى فقر ومجاعة وازدياد عدد الأفراد الذين هم دون خط الفقر، إلى أكثر من 65%.

الجمهورية20-10-2020

رنى سعرتي 

 

بعد أن بات يقيناً انّ الادوية المدعومة مخزّنة لدى المستوردين ومهرّبة الى الخارج لأنّ سعر الدواء في لبنان هو من الادنى في العالم، وبعد ان اصبح جليّاً انّ أحداً لن يجرأ على ضبط تهريب المحروقات بشكل كامل، فإنّ القرار العاقل والاجدى اليوم هو رفع الدعم عن استيراد الادوية والمحروقات، ليس بهدف زيادة الفقير فقراً بل لوقف دعم الاغنياء على حساب الفقراء.

لم يعد القرار السياسي بالابقاء على الدعم يخدم الطبقة الفقيرة كما يوهِم الزعماء مناصريهم، بل انه قرار انتحاري سيقضي على ما تبقى من سيولة بالعملات الاجنبية قد تساهم لاحقاً، في حال التوصّل الى توافق سياسي، الى دعم آلية الحل للخروج من الازمة الراهنة. فالدعم القائم منذ اكثر من 15 عاما على استيراد المحروقات على سبيل المثال، لم يساهم فقط في خفض كلفتها على المواطن اللبناني وكافة السكان واللاجئين، بل انه زاد كلفة تمويل عجز الكهرباء الذي يشكل جزءاً اساسياً من عجز الدولة المالي، مما أدى الى هدر اكثر من 30 مليار دولار على مدى سنوات عديدة من ايرادات الدولة من دون ان يسفر عنه اي تحسّن في التغذية الكهربائية. وبالتالي، فإنّ مصرف لبنان أهدرَ، وما زال، ما قيمته 30 مليار دولار من اموال المودعين، لدعم قطاعٍ هالِك وتمويلِ صفقات السياسيين المرتبطة بقطاع الكهرباء على أمل ان تترجم وعودهم بإصلاحه يوماً ما.

 

لكنّ البنك المركزي لم يعد قادرا اليوم على الاستمرار بهذا النهج والتضحية بما تبقى من اموال المودعين لتمويل عجز الكهرباء، وهو القطاع الاول الذي يطالب المجتمع الدولي بإصلاحه، كشرط لدعم لبنان ماليّاً.


في هذا الاطار، أوضح الوزير السابق سامي حداد لـ «الجمهورية» انّ الطبقة السياسية تتناسى انّ الدعم الاكبر يذهب الى قطاع الكهرباء الذي يكبّد الدولة خسائر بقيمة ملياري دولار سنوياً، أي بإجمالي 35 مليار دولار خلال 13 عاما مع احتساب الفوائد، وهو ما يعادل قيمة الدين العام الخارجي بالدولار.

 

وأكد حداد انه يعارض بشدّة سياسة الدعم العشوائية المتّبعة من قبل الحكومة ومصرف لبنان لأنّ عواقبها كارثية في ظل شحّ السيولة ولأنها تصبّ في مصلحة الطبقة الميسورة لا طبقة الفقراء، موضحاً انه لا يمكن الاستمرار في دعم كافة السلع لصالح كافة المواطنين لا بل كافة السكان. وقال انّ استهلاك الكهرباء على سبيل المثال، تعود نسبة 10 الى 20 في المئة منه بالحد الاقصى لأصحاب الدخل المحدود، في حين ان الطبقة الميسورة تستهلك الجزء الاكبر من عجز الملياري دولار الذي تموّله الدولة ويدعمه مصرف لبنان.

 

كما لفت حداد الى انّ الفارق في سعر المحروقات بين لبنان والدول المجاورة سيجعل من المستحيل ضبط تهريبه الى الخارج «حتّى لو تمّ نشر كافة عناصر الجيش والعناصر المسلّحة على مجمل الحدود البرية». وبالتالي، فإنّ هدر اموال الدعم سيبقى قائماً من ناحية التهريب.

 

في المقابل، شدّد على انّ وقف الدعم لا يمكن ان يتم من دون تأمين البديل لاصحاب الدخل المحدود، وهو الامر المتّبع في جميع انحاء العالم حيث يتم انشاء شبكة امان اجتماعي تضم قائمة باصحاب الدخل المحدود، ويتم تأمين مبالغ مالية نقدية او بطاقات تموينية بشكل شهري لهم، موضحاً انّ الاعتراض على هذه العملية بحجّة انّ اللوائح ستشكّل وفقاً للمحسوبيات والتبعيات الطائفية او الدينية او الحزبية، هو امر واقع في كافة دول العالم التي يحصل فيها تَحايل في لوائح شبكات الامان الاجتماعي، «إلا انّ التحايل وضَمّ أشخاص محسوبين الى تلك اللوائح، يبقى أقلّ كلفة من مواصلة دعم كافة السلع لكافة الطبقات الاجتماعية».

 

وكشف حداد انّ البنك الدولي أبدى لحكومة تصريف الاعمال الحالية، منذ حوالى 6 اشهر، استعداده لبناء شبكة أمان اجتماعي وتحضير الارضية والآلية المناسِبة لوضع قائمة بعدد العائلات المحتاجة، وعَرض عليها قرض بقيمة 500 مليون دولار لفترة زمنية طويلة وبفائدة رمزية من اجل الانطلاق بتأسيس شبكة الامان الاجتماعي، «إلّا ان الحكومة المستقيلة، عبر أحد وزرائها، رفضت عرض البنك الدولي لأنّ مصالحها الشخصية تقتضي بإعداد قائمتها الخاصة بالأسَر المؤهلة الحصول على مساعدات مالية».


وقال: رغم انّ هذه القضية مُلحّة اكثر من اي شيء آخر لأنّ الدعم سيتوقف عاجلا أم آجلا، فإنّ الحكومة تجاهَلتها واقفلت الباب أمام البنك الدولي.

 

بالاضافة الى ذلك، لفت حداد الى صدور بيان عن وزارة الشؤون الاجتماعية منذ حوالى الشهر، يعلن انّ اوروبا مستعدّة لمساعدة لبنان في موضوع بناء شبكة الامان الاجتماعي وتحديد لوائح بالاشخاص المؤهلين للاستفادة من الدعم، «إلا انه لم تتم متابعة الموضوع لغاية اليوم».

 

وختم مؤكداً انّ صندوق النقد الدولي لن يدعم لبنان «بقرش واحد» قبل تفعيل شبكة الأمان الاجتماعي.

 

أسعد  سمور- في تشرين أول من العام 2019، لم تكن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وصلت إلى حالة من التردي والانهيار كالذي وصلنا إليه اليوم. قبل عام اندفعت الناس إلى الساحات لتعبر عن سخطها وغضبها من ما آلت إليه الأمور. كنا نشاهد الانهيار بأم عيوننا. كما شاهدنا التمرد الشعبي غير المسبوق.

غضب أطاح بحكومة التفاهمات الطائفية وهدد زعماء الطوائف في عقرهم دارهم من الشمال إلى الجنوب، ومن الجبل إلى السهل. كان الأمل كبيرا بإمكانية الاطاحة  السريعة بهذا النظام فبعد إسقاط الحكومة، خسر النظام نقابة المحامين، والجمهور بدأ يمارس العمل السياسي ويواجه النظام الطائفي بعيدا عن الكليشيات المملة والمقيتة لـ"هلال يعانق الصليب". كانت مواجهة النظام الطائفي حقيقية في رفضها للمحاصصة وتسمية اللصوص بأسمائهم دون أي اعتبار للتوازنات الطائفية، كانت مواجهة النظام الطائفي حقيقية وواضحة في إعلانهم "كلن يعني كلن" كمجرمي حرب وسلم.

صعود وهبوط

عام على 17 تشرين 2019، انتهى بإنهاك القوى الشعبية للانتفاضة، بعد جولات طويلة من القمع الحكومي، والميليشيوي، الكثير من الاستدعاءات للصحافيين والناشطين، عشرات المعتقلين، والجرحى، وسقوط عدد من الشهداء ، بالاضافة إلى خطابات التخوين واللعب على الوتر الطائفي، واستغلال ارتفاع نسبة الفقر في شراء الذمم، كل هذه الإجراءات  ساهمت في الحد من الاستمرارية الفعالة للتحركات الشعبية، ولم يكن ينقص اللبنانيين إلا وباء كـ" كوفيد-19" لضرب ما تبقى من رمزية حيث سارعت حكومة دياب إلى إزالة كل مظاهر الاحتجاج من وسط البلد. بدأ الروتين يعود إلى البلاد حركة المرور عادت شبه عادية، ملامح الغضب انتهت تقريبا حتى على وسائل التواصل الاجتماعي.

4 آب 2020 تنفجر بيروت، ومرة جديدة ينفجر الجمهور غضبا، مظاهرة 8 آب كانت واحدة من أعنف المظاهرات التي شهدتها في حياتي، كل متظاهر ومتظاهرة كانوا يمارسون عنفهم الثوري على كل أشكال هذا النظام. منسوب العنف ارتفع إلى حده الأقصى رصاص حي وخردق ومسيل للدموع وهمجية واضحة من القوى الأمنية مقابل عنف ثوري متقدم في الساحات. ولكن مع نهاية اليوم الغاضب انتهى كل شيء.

الانتفاضة لم تفشل، ولم تنتصر أيضا

بعد كل ما حدث يتسع الحديث عن فشل الثورة في تحقيق أهدافها. الكثير من الذين شاركوا في المظاهرات والتحركات الاحتجاجية يشعرون بخيبة الأمل والاحباط. يستمع هؤلاء إلى التحليلات الأكاديمية والشروحات المطولة عن مفهوم الثورة وسيرورتها، ويهزون رؤوسهم مقتنعين بعقلانية التحليل الموضوعي لعملية التغيير ومدى أهمية تحقيق تراكم كمي، الذي سيؤدي إلى إحداث تغيير نوعي....

أيضا مناصري النظام يعتقدون، مزهوين، أن الثورة قد فشلت، لا بل أكثر من ذلك يعتقدون أن التحركات الغاضبة في الواقع ليست سوى أدوات يتم استخدامها من قبل "أطراف سياسية". كأن يقال مثلا أن الثورة أسقطت الحريري وسلمت البلد إلى حزب الله، أو أن سمير جعجع والكتائب لهم اليد الطولى في الثورة ويريدون نزع سلاح الحزب. هؤلاء متأثرين بخطاب النظام ومما لا شك فيه أن خطاب الاستلاب هذا يتسلل إلى جمهور الثورة/الانتفاضة...

خطاب الاستيلاب لم يأت  به النظام من العدم بل أتى من قراءة جدية لعمل مجموعات الانتفاضة، التي لم تستطع مواكبة التطورات، فبقيت مجموعات منظمة من الناشطين (كأننا مازلنا أمام مشهد حراك 2015)، ولم تتحول إلى منظمات سياسية ثورية. لقد حققت  17 تشرين الكثير، ولكنها لم تستطع إنشاء ولو تنظيم سياسي ثوري واحد يعطي الناس حافزا للاستمرار في مسار الثورة وسيرورتها.

نحو تنظيم سياسي أكثر فعالية

لقد كان غريبا الاصرار على ضرورة إنشاء التنظيمات النقابية باعتبارها من أبرز الأدوات القادرة على إحداث دور فعال. وبالرغم من استحالة إطلاق تنظيمات نقابية فعالة في ظل الإنهيار الاقتصادي وتشظي سوق العمل، إلا أن عددا من التنظيمات النقابية البديلة قد ظهرت كنقابة الصحافة البديلة ونقابة العاملين في الجمعيات المدنية، أيضا شهدنا إطار مهني كتجمع مهنين ومهنيات ومع ذلك لم يستطع هؤلاء إحداث أي تغيير فعلي لا على مستوى الانتفاضة ولا على مستوى المهنة، لا لعيب في نشاطية وعمل هذه التجمعات النقابية والمهنية، بل لأن هذه المرحلة تحتاج إلى تنظيم سياسي مفتوح لكل الفئات وليس لتنظيم قطاعي محدد بفئة دون أخرى. لقد خلقت 17 تشرين بيئة مؤاتية لتنظيم جمهور لبناني علماني ديمقراطي، يحمل طروحات يسارية أو برجوازية، كبديل عن التنظيمات السياسية الطائفية والرجعية الراهنة.

واليوم بعد مرور عام على الانتفاضة لم يفت الأوان على العمل الجدي للانتقال بالمجتمع اللبناني إلى مجتمع أكثر تحررا، فئات كثيرة باتت جاهزة للانخراط في العمل السياسي، وللدفاع عن مصالحها، العمال والمصروفين، والطلاب، حتى أصحاب المصالح المتضررين من النموذج الاقتصادي غير المنتج باتوا أكثر قابلية للعمل السياسي. اليوم بعد مرور عام على 17 تشرين علينا أن نتوقف عن طرح أسئلة من نوع "هل كانت ثورة أم إنتفاضة؟" و"هل فشلت الثورة؟" و"لماذا فشلت الثورة؟" اليوم بات ملحا أن نسأل كيف نبني تنظيمات سياسية ثورية تحافظ على ثقة الشارع وتستمر في هدم البنى الطائفية للمجتمع اللبناني؟ وكيف يمكن أن نشرك أكبر عدد ممكن المواطنين في التنظيمات السياسية الثورية الجديدة؟ فبعد عام على 17 تشرين مازلنا قاصرين عن تقديم تنظيم سياسي ثوري بخطاب مطلبي سياسي واجتماعي واقتصادي واضح.

أسعد  سمور- في تشرين أول من العام 2019، لم تكن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وصلت إلى حالة من التردي والانهيار كالذي وصلنا إليه اليوم. قبل عام اندفعت الناس إلى الساحات لتعبر عن سخطها وغضبها من ما آلت إليه الأمور. كنا نشاهد الانهيار بأم عيوننا. كما شاهدنا التمرد الشعبي غير المسبوق.

غضب أطاح بحكومة التفاهمات الطائفية وهدد زعماء الطوائف في عقرهم دارهم من الشمال إلى الجنوب، ومن الجبل إلى السهل. كان الأمل كبيرا بإمكانية الاطاحة  السريعة بهذا النظام فبعد إسقاط الحكومة، خسر النظام نقابة المحامين، والجمهور بدأ يمارس العمل السياسي ويواجه النظام الطائفي بعيدا عن الكليشيات المملة والمقيتة لـ"هلال يعانق الصليب". كانت مواجهة النظام الطائفي حقيقية في رفضها للمحاصصة وتسمية اللصوص بأسمائهم دون أي اعتبار للتوازنات الطائفية، كانت مواجهة النظام الطائفي حقيقية وواضحة في إعلانهم "كلن يعني كلن" كمجرمي حرب وسلم.

صعود وهبوط

أسعد  سمور- في تشرين أول من العام 2019، لم تكن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وصلت إلى حالة من التردي والانهيار كالذي وصلنا إليه اليوم. قبل عام اندفعت الناس إلى الساحات لتعبر عن سخطها وغضبها من ما آلت إليه الأمور. كنا نشاهد الانهيار بأم عيوننا. كما شاهدنا التمرد الشعبي غير المسبوق.

غضب أطاح بحكومة التفاهمات الطائفية وهدد زعماء الطوائف في عقرهم دارهم من الشمال إلى الجنوب، ومن الجبل إلى السهل. كان الأمل كبيرا بإمكانية الاطاحة  السريعة بهذا النظام فبعد إسقاط الحكومة، خسر النظام نقابة المحامين، والجمهور بدأ يمارس العمل السياسي ويواجه النظام الطائفي بعيدا عن الكليشيات المملة والمقيتة لـ"هلال يعانق الصليب". كانت مواجهة النظام الطائفي حقيقية في رفضها للمحاصصة وتسمية اللصوص بأسمائهم دون أي اعتبار للتوازنات الطائفية، كانت مواجهة النظام الطائفي حقيقية وواضحة في إعلانهم "كلن يعني كلن" كمجرمي حرب وسلم.

صعود وهبوط

عام على 17 تشرين 2019، انتهى بإنهاك القوى الشعبية للانتفاضة، بعد جولات طويلة من القمع الحكومي، والميليشيوي، الكثير من الاستدعاءات للصحافيين والناشطين، عشرات المعتقلين، والجرحى، وسقوط عدد من الشهداء ، بالاضافة إلى خطابات التخوين واللعب على الوتر الطائفي، واستغلال ارتفاع نسبة الفقر في شراء الذمم، كل هذه الإجراءات  ساهمت في الحد من الاستمرارية الفعالة للتحركات الشعبية، ولم يكن ينقص اللبنانيين إلا وباء كـ" كوفيد-19" لضرب ما تبقى من رمزية حيث سارعت حكومة دياب إلى إزالة كل مظاهر الاحتجاج من وسط البلد. بدأ الروتين يعود إلى البلاد حركة المرور عادت شبه عادية، ملامح الغضب انتهت تقريبا حتى على وسائل التواصل الاجتماعي.

4 آب 2020 تنفجر بيروت، ومرة جديدة ينفجر الجمهور غضبا، مظاهرة 8 آب كانت واحدة من أعنف المظاهرات التي شهدتها في حياتي، كل متظاهر ومتظاهرة كانوا يمارسون عنفهم الثوري على كل أشكال هذا النظام. منسوب العنف ارتفع إلى حده الأقصى رصاص حي وخردق ومسيل للدموع وهمجية واضحة من القوى الأمنية مقابل عنف ثوري متقدم في الساحات. ولكن مع نهاية اليوم الغاضب انتهى كل شيء.

الانتفاضة لم تفشل، ولم تنتصر أيضا

بعد كل ما حدث يتسع الحديث عن فشل الثورة في تحقيق أهدافها. الكثير من الذين شاركوا في المظاهرات والتحركات الاحتجاجية يشعرون بخيبة الأمل والاحباط. يستمع هؤلاء إلى التحليلات الأكاديمية والشروحات المطولة عن مفهوم الثورة وسيرورتها، ويهزون رؤوسهم مقتنعين بعقلانية التحليل الموضوعي لعملية التغيير ومدى أهمية تحقيق تراكم كمي، الذي سيؤدي إلى إحداث تغيير نوعي....

أيضا مناصري النظام يعتقدون، مزهوين، أن الثورة قد فشلت، لا بل أكثر من ذلك يعتقدون أن التحركات الغاضبة في الواقع ليست سوى أدوات يتم استخدامها من قبل "أطراف سياسية". كأن يقال مثلا أن الثورة أسقطت الحريري وسلمت البلد إلى حزب الله، أو أن سمير جعجع والكتائب لهم اليد الطولى في الثورة ويريدون نزع سلاح الحزب. هؤلاء متأثرين بخطاب النظام ومما لا شك فيه أن خطاب الاستلاب هذا يتسلل إلى جمهور الثورة/الانتفاضة...

خطاب الاستيلاب لم يأت  به النظام من العدم بل أتى من قراءة جدية لعمل مجموعات الانتفاضة، التي لم تستطع مواكبة التطورات، فبقيت مجموعات منظمة من الناشطين (كأننا مازلنا أمام مشهد حراك 2015)، ولم تتحول إلى منظمات سياسية ثورية. لقد حققت  17 تشرين الكثير، ولكنها لم تستطع إنشاء ولو تنظيم سياسي ثوري واحد يعطي الناس حافزا للاستمرار في مسار الثورة وسيرورتها.

نحو تنظيم سياسي أكثر فعالية

لقد كان غريبا الاصرار على ضرورة إنشاء التنظيمات النقابية باعتبارها من أبرز الأدوات القادرة على إحداث دور فعال. وبالرغم من استحالة إطلاق تنظيمات نقابية فعالة في ظل الإنهيار الاقتصادي وتشظي سوق العمل، إلا أن عددا من التنظيمات النقابية البديلة قد ظهرت كنقابة الصحافة البديلة ونقابة العاملين في الجمعيات المدنية، أيضا شهدنا إطار مهني كتجمع مهنين ومهنيات ومع ذلك لم يستطع هؤلاء إحداث أي تغيير فعلي لا على مستوى الانتفاضة ولا على مستوى المهنة، لا لعيب في نشاطية وعمل هذه التجمعات النقابية والمهنية، بل لأن هذه المرحلة تحتاج إلى تنظيم سياسي مفتوح لكل الفئات وليس لتنظيم قطاعي محدد بفئة دون أخرى. لقد خلقت 17 تشرين بيئة مؤاتية لتنظيم جمهور لبناني علماني ديمقراطي، يحمل طروحات يسارية أو برجوازية، كبديل عن التنظيمات السياسية الطائفية والرجعية الراهنة.

واليوم بعد مرور عام على الانتفاضة لم يفت الأوان على العمل الجدي للانتقال بالمجتمع اللبناني إلى مجتمع أكثر تحررا، فئات كثيرة باتت جاهزة للانخراط في العمل السياسي، وللدفاع عن مصالحها، العمال والمصروفين، والطلاب، حتى أصحاب المصالح المتضررين من النموذج الاقتصادي غير المنتج باتوا أكثر قابلية للعمل السياسي. اليوم بعد مرور عام على 17 تشرين علينا أن نتوقف عن طرح أسئلة من نوع "هل كانت ثورة أم إنتفاضة؟" و"هل فشلت الثورة؟" و"لماذا فشلت الثورة؟" اليوم بات ملحا أن نسأل كيف نبني تنظيمات سياسية ثورية تحافظ على ثقة الشارع وتستمر في هدم البنى الطائفية للمجتمع اللبناني؟ وكيف يمكن أن نشرك أكبر عدد ممكن المواطنين في التنظيمات السياسية الثورية الجديدة؟ فبعد عام على 17 تشرين مازلنا قاصرين عن تقديم تنظيم سياسي ثوري بخطاب مطلبي سياسي واجتماعي واقتصادي واضح.

عام على 17 تشرين 2019، انتهى بإنهاك القوى الشعبية للانتفاضة، بعد جولات طويلة من القمع الحكومي، والميليشيوي، الكثير من الاستدعاءات للصحافيين والناشطين، عشرات المعتقلين، والجرحى، وسقوط عدد من الشهداء ، بالاضافة إلى خطابات التخوين واللعب على الوتر الطائفي، واستغلال ارتفاع نسبة الفقر في شراء الذمم، كل هذه الإجراءات  ساهمت في الحد من الاستمرارية الفعالة للتحركات الشعبية، ولم يكن ينقص اللبنانيين إلا وباء كـ" كوفيد-19" لضرب ما تبقى من رمزية حيث سارعت حكومة دياب إلى إزالة كل مظاهر الاحتجاج من وسط البلد. بدأ الروتين يعود إلى البلاد حركة المرور عادت شبه عادية، ملامح الغضب انتهت تقريبا حتى على وسائل التواصل الاجتماعي.

4 آب 2020 تنفجر بيروت، ومرة جديدة ينفجر الجمهور غضبا، مظاهرة 8 آب كانت واحدة من أعنف المظاهرات التي شهدتها في حياتي، كل متظاهر ومتظاهرة كانوا يمارسون عنفهم الثوري على كل أشكال هذا النظام. منسوب العنف ارتفع إلى حده الأقصى رصاص حي وخردق ومسيل للدموع وهمجية واضحة من القوى الأمنية مقابل عنف ثوري متقدم في الساحات. ولكن مع نهاية اليوم الغاضب انتهى كل شيء.

الانتفاضة لم تفشل، ولم تنتصر أيضا

بعد كل ما حدث يتسع الحديث عن فشل الثورة في تحقيق أهدافها. الكثير من الذين شاركوا في المظاهرات والتحركات الاحتجاجية يشعرون بخيبة الأمل والاحباط. يستمع هؤلاء إلى التحليلات الأكاديمية والشروحات المطولة عن مفهوم الثورة وسيرورتها، ويهزون رؤوسهم مقتنعين بعقلانية التحليل الموضوعي لعملية التغيير ومدى أهمية تحقيق تراكم كمي، الذي سيؤدي إلى إحداث تغيير نوعي....

أيضا مناصري النظام يعتقدون، مزهوين، أن الثورة قد فشلت، لا بل أكثر من ذلك يعتقدون أن التحركات الغاضبة في الواقع ليست سوى أدوات يتم استخدامها من قبل "أطراف سياسية". كأن يقال مثلا أن الثورة أسقطت الحريري وسلمت البلد إلى حزب الله، أو أن سمير جعجع والكتائب لهم اليد الطولى في الثورة ويريدون نزع سلاح الحزب. هؤلاء متأثرين بخطاب النظام ومما لا شك فيه أن خطاب الاستلاب هذا يتسلل إلى جمهور الثورة/الانتفاضة...

خطاب الاستيلاب لم يأت  به النظام من العدم بل أتى من قراءة جدية لعمل مجموعات الانتفاضة، التي لم تستطع مواكبة التطورات، فبقيت مجموعات منظمة من الناشطين (كأننا مازلنا أمام مشهد حراك 2015)، ولم تتحول إلى منظمات سياسية ثورية. لقد حققت  17 تشرين الكثير، ولكنها لم تستطع إنشاء ولو تنظيم سياسي ثوري واحد يعطي الناس حافزا للاستمرار في مسار الثورة وسيرورتها.

نحو تنظيم سياسي أكثر فعالية

لقد كان غريبا الاصرار على ضرورة إنشاء التنظيمات النقابية باعتبارها من أبرز الأدوات القادرة على إحداث دور فعال. وبالرغم من استحالة إطلاق تنظيمات نقابية فعالة في ظل الإنهيار الاقتصادي وتشظي سوق العمل، إلا أن عددا من التنظيمات النقابية البديلة قد ظهرت كنقابة الصحافة البديلة ونقابة العاملين في الجمعيات المدنية، أيضا شهدنا إطار مهني كتجمع مهنين ومهنيات ومع ذلك لم يستطع هؤلاء إحداث أي تغيير فعلي لا على مستوى الانتفاضة ولا على مستوى المهنة، لا لعيب في نشاطية وعمل هذه التجمعات النقابية والمهنية، بل لأن هذه المرحلة تحتاج إلى تنظيم سياسي مفتوح لكل الفئات وليس لتنظيم قطاعي محدد بفئة دون أخرى. لقد خلقت 17 تشرين بيئة مؤاتية لتنظيم جمهور لبناني علماني ديمقراطي، يحمل طروحات يسارية أو برجوازية، كبديل عن التنظيمات السياسية الطائفية والرجعية الراهنة.

واليوم بعد مرور عام على الانتفاضة لم يفت الأوان على العمل الجدي للانتقال بالمجتمع اللبناني إلى مجتمع أكثر تحررا، فئات كثيرة باتت جاهزة للانخراط في العمل السياسي، وللدفاع عن مصالحها، العمال والمصروفين، والطلاب، حتى أصحاب المصالح المتضررين من النموذج الاقتصادي غير المنتج باتوا أكثر قابلية للعمل السياسي. اليوم بعد مرور عام على 17 تشرين علينا أن نتوقف عن طرح أسئلة من نوع "هل كانت ثورة أم إنتفاضة؟" و"هل فشلت الثورة؟" و"لماذا فشلت الثورة؟" اليوم بات ملحا أن نسأل كيف نبني تنظيمات سياسية ثورية تحافظ على ثقة الشارع وتستمر في هدم البنى الطائفية للمجتمع اللبناني؟ وكيف يمكن أن نشرك أكبر عدد ممكن المواطنين في التنظيمات السياسية الثورية الجديدة؟ فبعد عام على 17 تشرين مازلنا قاصرين عن تقديم تنظيم سياسي ثوري بخطاب مطلبي سياسي واجتماعي واقتصادي واضح.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد لعاملات المنازل: تعطيل مبادرة جديدة للحدّ من ممارسات الاستعباد

شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد …

تشرين1 26, 2020 28 مقالات وتحقيقات

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاستقدام ينتفضون ضدّ عقد العمل الموحّد

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاس…

تشرين1 26, 2020 18 مقالات وتحقيقات

الحركة الشبابيّة للتغيير: إجراءات فوريّة للإنقاذ

الحركة الشبابيّة للتغيير: إجراءات فوريّة…

تشرين1 23, 2020 18 مقالات وتحقيقات

الطبقة الوسطى تنهار: فقدان حزام الأمان الاجتماعي؟

الطبقة الوسطى تنهار: فقدان حزام الأمان ا…

تشرين1 23, 2020 26 مقالات وتحقيقات

حان وقت رفع الدعم عن الأغنياء -

حان وقت رفع الدعم عن الأغنياء -

تشرين1 20, 2020 32 مقالات وتحقيقات

"حرب" الصيدليات ومستوردي الأدوية: حياة المرضى بخطر - جريدة المدن - عزة الحاج حسن

"حرب" الصيدليات ومستوردي الأدو…

تشرين1 14, 2020 50 مقالات وتحقيقات

كلّما ارتفع "المعاش" وانخفضت قيمة الليرة ازدادت نسبة الاقتطاع لصالح القطاع المصرفي الرواتب الموطّنة بالدولار تُنتهك من التعميم 151 واستنسابية البنوك

كلّما ارتفع "المعاش" وانخفضت ق…

تشرين1 14, 2020 51 مقالات وتحقيقات

المافيا تمنع الدواء

المافيا تمنع الدواء

تشرين1 13, 2020 43 مقالات وتحقيقات

أقطاب سلطة النهب يمنعون التدقيق الجنائي لإخفاء جرائمهم المالية

أقطاب سلطة النهب يمنعون التدقيق الجنائي …

تشرين1 12, 2020 34 مقالات وتحقيقات

تعميم مرتقب يمدد العمل بالسحوبات المصرفية على اساس 3900 ليرة تقاذفَ المسؤولين كرة رفع الدعم خوفا من إنفجارها... القرار للحكومة!

تعميم مرتقب يمدد العمل بالسحوبات المصرفي…

تشرين1 12, 2020 51 مقالات وتحقيقات

التدقيق كشف مبالغات: إدانة من دون محاسبة لكارتيل المدارس

التدقيق كشف مبالغات: إدانة من دون محاسبة…

تشرين1 09, 2020 64 مقالات وتحقيقات

البطاقة التموينية... "طبخة بحص"؟

البطاقة التموينية... "طبخة بحص…

تشرين1 06, 2020 55 مقالات وتحقيقات

وعود جديدة بالمزيد من الفقر: جهنم أصبحت قريبة!

وعود جديدة بالمزيد من الفقر: جهنم أصبحت …

تشرين1 05, 2020 189 مقالات وتحقيقات

دراسة لتوفيق كسبار: الدولة أقرضت مصرف لبنان... لا العكس!

دراسة لتوفيق كسبار: الدولة أقرضت مصرف لب…

تشرين1 05, 2020 76 مقالات وتحقيقات

تعويضات نهاية الخدمة: الضمان «يبلف» الأُجراء

تعويضات نهاية الخدمة: الضمان «يبلف» الأُ…

تشرين1 01, 2020 90 مقالات وتحقيقات

صندوق بطالة يوزّع 40 دولاراً في الشهر

صندوق بطالة يوزّع 40 دولاراً في الشهر

أيلول 30, 2020 126 مقالات وتحقيقات

كشف حقائق وتحديد المخالفات في قضيّة الموظفين المصروفين من الجامعة الأميركيّة -

كشف حقائق وتحديد المخالفات في قضيّة المو…

أيلول 30, 2020 95 مقالات وتحقيقات

ديوان المحاسبة يخرق «حصانة الوزراء» حكم …

أيلول 30, 2020 76 مقالات وتحقيقات