المصدر: جريدة الاخبار

 

حاولت وزارة الطاقة والمياه الالتفاف على مسألة عدم صلاحيتها في إجراء مناقصة «استئجار بواخر الكهرباء»، فقررت نقل جلسات فضّ العروض من «طابق الوزير» إلى مكاتب مؤسسة كهرباء لبنان وإصدار البيانات الإعلامية باسم المؤسسة... هذا كلّه لا يلغي حقيقة أن وزارة الطاقة هي التي أعدّت دفتر الشروط وأطلقت المناقصة. ولا يلغي سيطرة مستشاري الوزير على قرار اللجنة التي عقدت، أمس، جلسة لاستكمال المستندات الإدارية المطلوبة من الشركات، من دون إصدار نتائج، فانتهى الأمر إلى إصدار بيان مفاجئ يعلن عن التعاقد مع استشاري عالمي «سيأتي لدرس هذه المستندات الأسبوع المقبل» ما يحوّل لجنة فضّ العروض إلى «بيادق» توقّع التقارير المرفوعة إلى وزير الطاقة ومنه إلى مجلس الوزراء

محمد وهبة
 

شكّلت دعوة وزارة الطاقة إلى عقد الجلسة الثانية من جلسات فضّ عروض مناقصة «استئجار بواخر لإنتاج الكهرباء بقدرة تتراوح بين 800 ميغاوات و1000 ميغاوات»، مفاجأة للشركات العارضة وللمراقبين، إذ إن هدفها الإيحاء بأن مؤسسة كهرباء لبنان هي التي تقوم بعملية التلزيم، ما يعفي وزارة الطاقة من المطالبات بإجراء المناقصة في إدارة المناقصات، إذ إن مؤسسة كهرباء لبنان هي مؤسسة عامة تتمتع بالاستقلالين المالي والإداري، ولديها نظامها الخاص الذي يتيح لها إجراء مناقصاتها بشكل مستقل عن إدارة المناقصات، على خلاف الإدارات العامة، فضلاً عن أن القانون لم يفرض عليها الاستحصال على الموافقة المسبقة من ديوان المحاسبة على نتائج مناقصاتها...

كل هذا للقول بأن تلزيم بواخر الكهرباء يتم عبر مناقصة تنفذها مؤسسة كهرباء لبنان، ولذلك جرى عقد الجلسة الثانية من فضّ العروض المخصصة لاستكمال أوراق العارضين الإدارية والقانونية، أمس، في مؤسسة كهرباء لبنان، وليس في الوزارة، وبحضور رئيس مجلس الإدارة ــ المدير العام كمال حايك، وصدر بيان عن المؤسسة لتوضيح مسار المناقصة.

هذا المسار، بحسب بيان مؤسسة كهرباء لبنان، جسّد مخالفات عدّة، إذ أشار البيان إلى أن العروض المقدمة من الشركات «جرى حفظها في خزينة لدى مؤسسة كهرباء لبنان، على أن يتم فضّ تلك العائدة إلى الشركات المؤهلة إدارياً وتقنياً وفنياً وفقاً وبناءً على توجيهات معالي وزير الطاقة والمياه»، وأضاف البيان أن الجلسة كانت مخصصة لفضّ «التوضيحات الإدارية والتقنية التي طلبت بتاريخ 10/5/2017 من العارضين الثمانية المشاركين في استدراج العروض... وبالتالي سيصار الى دراسة كل هذه التوضيحات التي قدمها العارضون الثمانية من قبل استشاري عالمي تم التعاقد معه لهذا الغرض، والذي من المتوقع وصوله الى لبنان أواسط هذا الأسبوع للبدء بدراسة العروض المقدمة من الناحيتين الإدارية والتقنية وتقديم تقرير خطي في هذا الشأن في مهلة أسبوعين كحد أقصى من تاريخ مباشرته العمل»

 

 

الإعلان عن التعاقد مع استشاري عالمي لدرس المستندات الإدارية، من دون أن يحضر أي من الجلسات، أثار الكثير من التساؤلات بين الشركات العارضة، كما أثارت الإجراءات الشكلية في الجلسة المذكورة العديد من الملاحظات.

في الشكل، أدارت الجلسة موظّفة من مؤسسة كهرباء لبنان، خلافاً للجلسة السابقة التي أدارتها مستشارة وزير الطاقة ندى البستاني. هذه الأخيرة لم تتفوّه بكلمة واحدة في جلسة أمس. أما مديرة الجلسة، فقد كانت تتلو على كل شركة المستندات المطلوبة منها ورقة ورقة ومستنداً ومستنداً وهي التي استمعت إلى مبررات الشركات التي لم تتمكن من تقديم المستندات المطلوبة منها في جلسة 8 أيار.

وبحسب مصادر مشاركة في الجلسة، فإن أربع شركات لم تتمكن من تقديم المستندات المطلوبة منها، ما يعني أن هناك أربع شركات مستوفية الشروط الإدارية، وبالتالي فإن الحديث عن استشاري عالمي سيدرس الملف الإداري للشركات أمر مستغرب، ولا سيما أن غالبية المستندات الإدارية المعروضة تتعلق بالوكالات الممنوحة لممثل الشركة والحسابات المالية لآخر ثلاث سنوات وعلاقة الشركة المحليّة بالشركة الأجنبية... وما يثير الاستغراب أكثر أن اللجنة طلبت في الجلسة الأولى مستندات أصلية موقعة حسب الأصول، أي أنها رفضت استقبال أي مستند منسوخ، وبالتالي بتّ صحة المستندات لا يتطلب استشارياً عالمياً، بل يمكن بتّه فوراً بعد عملية تدقيق بسيطة كما يحصل في كل المناقصات العامة.

كان لافتاً في جلسة أمس «الهدوء» الذي اتّسم به فريق مستشاري الوزير وعدم تدخّلهم في أي من المناقشات بين ممثلي الشركات ومديرة الجلسة، إلا أن بعض الشركات التي قرأت البيان الصادر عن مؤسسة كهرباء لبنان رأت في هذا السلوك «فخاً» منصوباً لها، إذ إنها لم تطّلع على أي من الإجراءات والتدابير المتعلقة بفضّ العروض، فضلاً عن أن الجلسة التي عُقدت أمس لم تكن مخصصة لتقديم أي من المستندات التقنية ولم تُطرح فيها أي أسئلة تقنية خلافاً لما ورد في بيان مؤسسة كهرباء لبنان عن «التوضيحات الإدارية والتقنية».

تقول مصادر متابعة إن نقل فضّ العروض من «طابق الوزير» في وزارة الطاقة، إلى مكاتب مؤسسة كهرباء لبنان لا يغيّر في واقع الحال أي شيء، إذ إن دفتر الشروط الذي يجرى على أساسه استدراج العروض من الشركات، وضعته وزارة الطاقة من دون عرضه على مجلس الوزراء، فضلاً عن أن وزير الطاقة هو الذي أطلق المناقصة وهذا الأمر ثابت في الإعلان المنشور في الصحف، فيما هناك عدد كبير من مستشاري الوزير ضمن لجنة فضّ العروض من دون أي صفة رسمية فعلية لهؤلاء الذين لا يصنّفون ضمن موظفي القطاع العام، بل هم مستشارون للوزير فقط. واللافت أيضاً أن مكتب الوزير هو الذي استقبل أسئلة الشركات على دفتر الشروط وتولى الردّ عليها وإعطاء التوضيحات للشركات...

هكذا تبرز أسئلة أساسية عن الهدف من بدء التقييم الفني للعروض قبل إنهاء الملفات الإدارية، وعن تكليف استشاري متخصص بالأمور الإدارية هو لزوم ما لا يلزم، إذ كان يمكن أن تقوم إدارة المناقصات بهذه المهمة على أكمل وجه وأن تصدر النتائج الإدارية خلال فترة قصيرة جداً. وإذا كانت الخطة القاضية باستئجار بواخر مولّدة للكهرباء بواسطة الفيول أويل هي خطّة طارئة، فإن هذه الصفقة تحوّلت من خطة مستعجلة لصيف 2017 إلى خطّة مستعجلة لإنقاذ إجراءات المناقصة، علماً بأنه لا لمعنى لاستئجار بواخر كلفتها تصل إلى 5 مليارات دولار، فيما هناك حلول بديلة توفّر أكثر من 35% من الكلفة هي استثمار على المدى الطويل. على رأس هذه الحلول البديلة، هناك معامل ثابتة للإنتاج بواسطة الغاز، سواء الغاز المنزلي أو الغاز المسال، وهناك المعامل الثابتة التي تعمل بواسطة الفحم الحجري، وهناك البواخر العاملة بواسطة الغاز... كل الخيارات متاحة، لكن الخيار الوحيد المقبول من وزارة الطاقة هو البواخر العاملة بواسطة الفيول أويل!

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

سيطر القلق من منظومة النهب القائم في لبنان على أعمال مؤتمر «الصناعة البتروليّة في لبنان: أوراق عمل في السياسات العامّة وقضايا هيكليّة»،الذي نظمه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، في بيروت، أول من أمس. التعبير عن هذا القلق جاء على الشكل الآتي: «منذ نهاية الحرب حتى اليوم، تدفقت أموال إلى لبنان من الخارج بقيمة 200 مليار دولار، وقد جرى استهلاكها في عمليات توزيعية... هذه الأموال لا تختلف عن الأموال التي ستأتي من النفط. وتركيبتنا السياسية الاجتماعية الاقتصادية مؤهلة لهضم الأموال الآتية، كما هضمت الأموال السابقة، أي في تراكم ثروات شخصية على حساب المجتمع ككل»

محمد وهبة
 

ثمة خلاصة أساسية يمكن الخروج بها من مؤتمر "الصناعات البترولية"، الذي نظّمه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في فندق ريفييرا، أول من أمس، وهي أن الدولة تخلّت عن سيادتها وحقوقها في قطاع النفط. تكفي مراجعة المادة الخامسة من نموذج اتفاقية الاستكشاف والإنتاج للأنشطة البترولية للتثبت من هذه الخلاصة، فهذه المادة تشير إلى أنه «ليس للدولة نسبة مشاركة في دورة التراخيص الأولى».

فماذا يعني أن تحصل الدولة على مشاركة بعد توقيع عقود الاستكشاف والإنتاج مع شركات القطاع الخاص؟ ألا يعني ذلك أن المحظور وقع وأنه لا يمكن استدراك هذا الأمر لاحقاً؟ هذه المسألة بالتحديد، كانت محور النقاش على هامش المؤتمر بعيداً عن لغة أوراق العمل ولياقات المتداخلين.

تخالف المادة المذكورة قانون «الموارد البترولية في المياه البحرية» الرقم 132 الذي صدر في 2010، ولا سيما المادة السادسة من القانون التي تشير إلى أن الدولة «تحتفظ بحق المشاركة وتحدد حصتها في الرخصة أو اتفاقية الاستكشاف بموجب مرسوم يصدر بناءً على اقتراح الهيئة، ويمكن عند الاقتضاء وبعد التحقق من وجود فرص تجارية واعدة، إنشاء شركة بترول وطنية تصدر بمرسوم بناءً على اقتراح الهيئة».

ما قامت به الدولة واضح لجهة التخلّي عن أي دور فعلي لها في قطاع النفط. وقد يكون هذا التخلّي مجرّد إهمال على افتراض أن حسن النية موجود، لكن تجربة لبنان ما بعد الحرب الأهلية ترجح فرضية سوء النيّة. تفسير الوزير السابق شربل نحّاس، أن الأمر مقصود لأنه لم يقتصر على هذا التفصيل فقط، بل «كان هناك مسار عجيب ومقلق، إذ انتقل الملف من الجمود لفترة طويلة وسجالات محتدمة حوله، إلى خطوات تنفيذية مفاجئة في الحكومة الجديدة التي أقرّت المرسومين في أول جلسة لها! اللافت أن الإقرار لم يأخذ في الاعتبار السجالات السابقة، فعلى سبيل المثال، بعد صدور قانون النفط كان النقاش عن تركيا التي تعترض على الترسيم وتطالب بالأخذ في الاعتبار مسألة مشكلتها مع قبرص التركية، وبالتالي لم يكن هناك أي نقاش عن أي غلطة في عملية الترسيم بحدّ ذاتها، لكن فجأة صار الحديث عن البلوكات وتوزيعها من دون أن نعرف من هو مرتكب الغلطة».

لا يمكن تصنيف هذه الخفة في التعاطي مع ملف بهذا الحجم كمؤشر جيّد، فيما المنطقة تمر بحروب مموّلة بأموال النفط ويعاد النظر في حدودها على أساس أول بئر نفط وآخر مكان يصل إليه أنبوب النقل. لا بل كان لافتاً أن تظهر هذه الخفة في غياب أي تخطيط استراتيجي للقطاع تشكل الشركة الوطنية عنصراً أساسياً فيها. فبحسب رئيس المركز الاستشاري عبد الحليم فضل الله، إن الدولة «هي الناظم الأساسي لسياسات القطاع»، أي أن تحكّمها بمسار القطاع «يقتضي أن تكون شريكاً فعالاً وحاسماً في اتخاذ القرارات المفصلية وامتلاك الدولة من خلال الشركة الوطنية، مثلاً، حصصاً في رخص الاستكشاف والإنتاج يقوي موقعها في اتخاذ القرارات التشغيلية ويعزّز قدرتها على الوصول إلى البيانات ويساعد على التوفيق بين وتيرة الإنتاج والسياسة النفطية العامة التي تتبناها الدولة».

يتطلب الأمر وجود سياسات عامة، فما هي خيارات الدولة؟ الإجابة رسمها نحاس وهي مبنية على الواقع اللبناني لفترة ما بعد التسعينيات. يقول نحاس إن معظم الدول تدفع لمواطنيها من أموال النفط من خلال عملية توزيع مباشرة أو مبطنة (دعم أسعار البنزين، دفع رواتب شهرية...) ينجم عن كل ذلك زيادة في الاستهلاك والاستيراد «وهذا بالتحديد ما دأبنا على القيام به منذ انتهاء الحرب، فقد تدفق أكثر من 200 مليار دولار من الخارج من التسعينيات إلى اليوم وقمنا بتوزيعها. اشترينا السلم الأهلي ونظّمنا تشكيلات سياسية اجتماعية مختلفة، ورتبنا أوضاع الأفرقاء كافة. باختصار، استهلكنا هذا المبلغ، وهو مبلغ لا يختلف بأي شكل عن أي مبلغ مماثل سيأتي من النفط. تركيبتنا السياسية الاجتماعية الاقتصادية مؤهلة لهضم مبلغ كهذا».

هذا يعني أن اللجوء إلى خيار كهذا في التعامل مع قطاع النفط لم يكن مبنياً على التخطيط الاستراتيجي للأهداف، وللخيارات المتاحة، وأدواتها. أدّى ذلك إلى فقدان لبنان «التحكّم بوتيرة تحويل المخزون الأحفوري إلى مخزون مالي»، فقد جرى إمرار بعض الخيارات المطروحة «بالجملة ومن دون أي نقاش». فعلى سبيل المثال، كان يمكن إبقاء النفط كمخزون أحفوري في انتظار الوقت المناسب، وقد يكون الوقت المناسب هو لحظة الأسعار المستقبلية، أو اعتبارات متصلة بعدم الثقة في السلطة التي ستدير الأموال المولدة من النفط، أو لاعتبارات متصلة بمخاطر ديموغرافية وأمنية... هذا الخيار ليس بسيطاً لأن الشركة المستخرجة للنفط لديها أهداف مختلفة. كان يمكن القول إن لبنان يريد استخراج المخزون وتحويله إلى ثروة مالية يستخدمها في إطار «إدارة الثروة». وهناك نقف أمام أكثر من خيار، فهناك من سوّق لاستخدام الأموال من خلال توظيفها في الخارج (شراء سندات وأسهم وحصص في شركات في الخارج...) وثمة من تحدّث عن إطفاء الدين العام وهذا يعني أن «لبنان سيدفع من إيرادات النفط ديونه للمصارف، ما يضطره إلى احتواء هذه الكتلة الضخمة لإبقائها في لبنان، أو خفض الفوائد على الودائع... وفي الحالتين الكلفة كبيرة، سواء كلفة تجميع هذه الأموال في لبنان، أو كلفة إبقائها. وقيل أيضاً إنه يمكن الاستدانة أكثر بالاستناد إلى أموال النفط القادمة «وفي الواقع هذا ما نقوم به اليوم، إذ إن حكومة الأمر الواقع تزيد ديونها على أساس النفط القادم».

لكل خيار أثره الاقتصادي والمالي «لكننا لا نزال ضمن درس إدارة المخزون وتشعباته»، فإذا انتقلنا إلى استخراج النفط فمن المهم أن نسأل إذا كان الخيار هو الاستثمار أو الاستهلاك. بكلام آخر، إن المبلغ المتولد من استخراج النفط يزيد الثروة الاقتصادية الصافية، وبالتالي فإن الاستثمار هو ضخّ هذه الأموال في الاقتصاد بما يحقق التوازن بين رأس المال والعمالة.

 

في حالة لبنان، «دخل 1.5 مليون نازح سوري بما يؤدي إلى تحوّل عميق غير قابل للارتداد عنه، وبالتالي فإن الاستثمار يعني زيادة كمية رأس المال الموظفة، لكن لأي عمالة سنزيد رأس المال؟ هل سندمج العمال الأجانب في الاقتصاد من كل الجنسيات أو انتقائياً؟ لا يجب أن ننسى ما حصل في دول الخليج حيث العمالة كلها مستوردة وهذا تحدّ مجتمعي غير بسيط. هل سنذهب لتملك قدرات إنتاجية مثل أوروبا لنضمن الاستقرار السياسي على المدى الطويل لضمان استثماراتنا؟ الحديث عن نموذج يغير في الداخل ويغير في علاقاتنا مع الخارج». بمعنى ما، يقترح نحاس السؤال الآتي: ما هو نظام الاستثمار الذي يولّد دولة وسياسة ومجتمعاً؟ هل نريد الاستهلاك؟ أم نريد مساراً يدمج بين إدارة المخزون والاستهلاك والاستثمار بنسب مختلفة؟

خلاصة نحاس من تجربة ما بعد التسعينيات أن لبنان من بين الدول القائمة على النهب، سواء من خلال فرض خوات وأتاوات أو إقناع الناس بأن هناك مالاً سائباً. «عندما يكون منطق النهب هو الغالب، يصبح التمثيل السياسي لتقاسم نتيجة النهب ولا يعود لخيارات الإنفاق والجباية».

هذه الهواجس كانت حاضرة في مؤتمر الصناعة البترولية، سواء مباشرة أو في الأحاديث الجانبية، والقلق كان يتمحور حول الشركة الوطنية بوصفها أداة تجارية ــ سيادية. فهذه الشركة التي تعدّ أحد الخيارات الأساسية لأي استراتيجية، جرى التخلّي عنها بشكل فاضح. وقد عبّر بعض المشاركين في المؤتمر عن هذا التخلّي بالإشارة إلى الفساد المنتشر في لبنان، منتقدين ما قاله وزير الطاقة سيزار أبي خليل عن «الموازنة بين السرعة والشفافية»، إذ لا يمكن أن تكون «للشفافية نسبتها».

رغم ذلك، تحدّث رئيس الوحدة الاقتصادية في هيئة إدارة البترول وسام الذهبي، عن «تضليل وافتراء». ما استفزّ الذهبي هو الخبير النفطي نقولا سركيس الذي تحدّث عن «تزوير لقانون الموارد البترولية» وعن «دور الدولة السيادي في قطاع النفط»، وقدّم ردّاً تقنياً انفعالياً عن اقتباس إسرائيل عن لبنان بعض المعادلات المتعلقة بحصّة الدولة، إلا أن أحد الخبراء اللبنانيين الآتي من كندا، عاجله بتصحيح لمعلوماته المغلوطة عن وجود هذه المعادلات قبل سنوات كثيرة. صدقية الذهبي وقعت فريسة الدفاع عن منطق النهب الذي عبّر نحاس عن القلق منه.


آراء في الصندوق السيادي

يعتقد الرئيس السابق وعضو الهيئة الناظمة لإدارة البترول في لبنان، ناصر حطيط، أن إنشاء صندوق سيادي لا هدف له سوى إدارة أرباح الطاقة واستثمارها للأجيال المقبلة. ويرى حطيط أن المسألة الأساس في قطاع النفط متصلة بخلق الوظائف. ثمة سؤال تجب الإجابة عنه: هل نستخرج البترول ونصدّره أم نستخرجه ونصنّعه؟ إن الاستثمار في الوظائف المرتبطة أمر حيوي، وهذا ما يجب أن نفعله خلال السنوات المقبلة.

وعندما بدأ النقاش في الصندوق السيادي المقترح، علّق الخبير النفطي ربيع ياغي بالإشارة إلى أن النقاش في هذا الأمر غير مفيد، نظراً إلى الوقت الذي سيتطلبه الانتقال من المرحلة الحالية حيث تجري عملية الاستكشاف، وصولاً إلى المرحلة التالية، أي الاستخراج وتطوير الحقول والإنتاج التجاري. ويلفت ياغي إلى أنه «لن يكون لدينا إنتاج تجاري قبل 2025، وبالتالي إن الحديث عن الصندوق يمكن أن يكون استباقياً، لكنه اليوم عبارة عن قفزة في الفراغ. الضريبة والرسوم الحالية لا تشكّل مبلغاً مجدياً لإنشاء الصندوق السيادي». وبحسب نقيب خبراء المحاسبة السابق أمين صالح، فإن النصّ القانوني الذي يرعى إنشاء الصندوق السيادي لا يزال غامضاً ومبهماً وملتبساً.


فضل الله: معدل ضريبي غير مفيد

يشير رئيس المركز الاستشاري عبد الحليم فضل الله، إلى أن خفض الضريبة إلى 20% لجذب الشركات النفطية العالمية، نسبة «شديدة الانخفاض مقارنة مع المعايير العالمية». وبحسب دراسة للمركز الاستشاري، تبيّن أن هناك 43 دولة تتبنى صيغة عقود المشاركة في الإنتاج، ويبلغ فيها متوسط ضريبة الدخل المفروضة على الشركات 31%، فيما هناك 68% منها تفرض معدلاً يفوق 25% على الأرباح أو ما يساويه في مقابل ست دول فقط حدّدت المعدل الضريبي بـ20% أو أقلّ.

ويشير فضل الله إلى أن هذا المعدل الضريبي هو أقل من المطلوب «ويحرم الخزينة عوائد مستحقة، ومن شأنه أن يخفض الحصّة الوطنية من عائدات الثروة النفطية في ظل الحضور الضعيف أو المعدوم للشركات اللبنانية في دورة التأهيل الأولى والثانية، لا بل تظهر نتائج السياسات المالية والاقتصادية للدول النفطية، أنّ اعتماد ضريبة دخل على الشركات لا يعدّ عامل تحفيز حاسم مقارنة مع حوافز مالية أخرى أسهم تطبيقها في جذب الشركات الأجنبية من دون التفريط بحقوق الخزينة».

ويطرح فضل الله تساؤلات عمّا ستفعله الدولة بالعائدات النفطية، «فقد آن الأوان للخروج من مركزية الدين العام. استطعنا احتواء الدين العام بمجموعة إجراءات وموّلنا كلفته وغطّيناه بالسياسة النقدية التي استخدمت لجذب الودائع من الخارج، وبالتالي لسنا مضطرين لاستخدام أموال النفط لاحتواء الدين العام». يشير فضل الله إلى أن وثيقة رسمية تحدثت عن تكريس عوائد النفط لسداد مستحقات الدين العام إلى أن يتراجع حجم الدين إلى ما دون 60% من الناتج المحلي الإجمالي. وهناك جهة اقترحت تخصيص الجزء الأكبر من إيرادات النفط والغاز للدعم الاجتماعي، حتى لو تطلب الأمر توزيع مخصصات منتظمة للأسر، على أن تطبق الدولة ضريبة تصاعدية تعيد لها جزءاً من فوائض النفط والغاز على حساب الأثرياء.


خشية كمال حمدان من منطق الجزيرة

غياب التخطيط لا يقتصر على السياسات العامة التي يجري نقاش سطحي حولها، لكنه يغيب كلّياً عن بعض تشعّبات القطاع مثل الموارد البشرية في قطاع النفط. وبحسب الخبير الاقتصادي كمال حمدان، فإن سوق العمل فيه فجوات بنيوية في الأصل بين العرض والطلب، وفي التفاصيل يظهر أن نسبة المتخرجين في الهندسة والعلوم تراوح بين 15% و20%، وعندما يجري التعمّق أكثر بهذه التخصصات، يتبيّن أن المشكلة أكبر من ذلك، إذ إن هناك تخصصات يغلب عليها الطابع النظري، وليست هناك تجربة مهنية لغالبية المتخرجين، ما يعني أنّ علينا الخروج من منطق الجزيرة التعليمية إلى المحيط الأوسع.

ويعتقد حمدان أن مشكلة قطاع النفط تكمن في محدودية الطلب المباشر على العمالة، إذ إن العاملين في قطاع النفط في أميركا يمثّل 0.5% من القوى العاملة «ولا يمكن أن يأخذ الأمر أبعاداً إلا بما يتجاوز الأثر المباشر، أي العمل على تطوير النشاطات ذات الصلة مثل التأمين والنقل وصناعة البتروكيماويات والخدمات والتجديد الطاقوي...».

هذا هو التحدّي الماثل أمام لبنان اليوم، ويمكن اختصاره بـ«سياسات المحتوى المحلي». تبدو هذه السياسات نقطة الانطلاق المستندة إلى الأثر المباشر للعمالة للوصول إلى دوائر أكبر وأكبر حول القطاع الضيّق، أي بكلام آخر يمكن إعادة الاعتبار إلى إنتاجية العمل، وخصوصاً في قطاع الصناعة، لكن «هل هناك إطار سياسي ومؤسساتي قادر؟ إذا لم يكن لدى الدولة دور أساسي يخشى أن يسيطر منطق الجزيرة وتضمحل الآفاق الكامنة». كان العمل الأساسي للمهندسين يتركز في قطاع العقارات، ثم تخصص في الهجرة، والكارثة تكمن في التفاعل الإيجابي مع قطاع صناعة النفط، فعن أي محتوى تعليمي نتحدث، وعن أي تهيئة وتدريب للقوى العاملة؟

باتت مشاريع قوانين الموازنة هي السبيل لتمرير «الموبقات». ففي مشروع موازنة عام 2017 توجد مادّة تجيز تسوية كل مخالفات البناء المرتكبة خلال السنوات الـ45 الماضية، دفعة واحدة. هذه المادة تعدّ أخطر ما في المشروع، وهي لم تخضع لأيّ نقاش جدّي، على الرّغم من الإقرار بآثارها «التدميرية». تسعى هذه المادة لشطب كلّ المخالفات التي ارتكبها الناس وتجار البناء منذ عام 1954، بشحطة قلم، على غرار التسويات السابقة، التي حققت للبعض أرباحاً فاحشة بالمليارات، فيما خسر الجميع فرص التطوير الحضري الجيّد والحقوق بالبيئة المصانة والبنى التحتية الفعالة والخدمات العامة الكافية

محمد وهبة
 

بحجّة البحث عن مورد يدرّ إيرادات استثنائية للخزينة، جرى تضمين مشروع موازنة 2017 المادة 64، التي تُجيز تسوية مخالفات البناء الحاصلة خلال الفترة من 13/9/1971 ولغاية 31/12/2016 ضمناً.

مشروع التسوية المقترح، هو القانون السادس لتسوية مخالفات البناء، بعد قوانين الأعوام 1964 و1979 و1983 و1990 و1994، ويشكّل امتداداً لها، في سياق نهج تدميري لأسس الدولة ووظائفها، والانتظام العام، والمساواة بين المواطنين، وحقوقهم بالعيش في مدن وبيئات سليمة، تتوفر فيها البنى التحتية والخدمات العامّة الكافية للحاجات الآن وفي المستقبل.

تسوية مخالفات بالجملة

صدر أول قوانين تسوية مخالفات البناء في آذار 1964، وشطب كلّ المخالفات المُرتكبة اعتباراً من 20 كانون الثاني 1954، وصدر آخر هذه القوانين في عام 1994 وشطب بدوره كل المخالفات المرتكبة اعتباراً من 26 آذار 1964... يأتي الاقتراح الحالي ليستكمل المسار، إذ يرمي إلى شطب كل المخالفات المرتكبة منذ 13/9/1971 إلى 31/12/2016، ويشمل جميع الأبنية وأجزاء الأبنية المنشأة خلافاً لقوانين وأنظمة البناء، كما يشمل الأبنية وأجزاء الأبنية المنشأة على غير الأملاك الخاصة لأصحابها! إذ يشرّع هذا الاقتراح تسوية المخالفات المرتكبة على الأملاك الخصوصية العائدة للدولة والمشاعات العائدة للقرى، من خلال إجازة بيع هذه الأملاك للمخالفين، من دون أيّ شرط أو ضابط، سوى موافقة مجلس الوزراء على عمليات البيع، بناء على اقتراح الوزير المختص! ليس هذا فحسب، بل يذهب الاقتراح الوارد في مشروع موازنة عام 2017 إلى أبعد من ذلك، إذ يجيز أيضاً وأيضاً تسوية مخالفات الأبنية وأجزاء الأبنية، من أيّ فئة كانت، المنشأة ضمن الحرم والبراحات العائدة للطرق والأملاك العامة وضمن البراحات والتراجعات العائدة للتخطيطات، ومن ضمنها التراجعات عن الأملاك العمومية، ولا يستثني سوى الأملاك البحرية، التي يبشّر الاقتراح أن قانوناً خاصاً بها سيصدر لتسوية المخالفات المرتكبة عليها! ويغطي الاقتراح المخالفات لعوامل الاستثمار، وكلّ تحوير حدث قبل 31/12/2016 في وجهة استعمال المرأب والملجأ أو إلغائهما في جميع الأبنية، فيما يصنّف الأبنية المخالفة تلك التي نفذت كلياً أو جزئياً بموجب رخص بناء معطاة خلافاً للقوانين والأنظمة منذ 24/3/1994... بمعنى أوضح، يسعى الاقتراح الحالي التسوية كلّ المخالفات من أيّ نوع كانت ومهما بلغت الأضرار الناجمة عنها.

تشجيع المخالفات بدلاً من ردعها

لا يختلف الاقتراح الحالي عن القوانين الصادرة منذ الخمسينيات، إلا في توسّعه ليشمل كلّ المخالفات من كل الأنواع والفئات، بما فيها التعديات على أملاك الدولة والمشاعات والمجال العام، كما لا يختلف في تركيب معادلة احتساب المبالغ المترتّبة على المخالف. كل هذه القوانين، بالإضافة إلى الاقتراح الأخير، كانت متشابهة في خطورتها، ولم ينتج عنها إلا المزيد من التشويه للمدن والقرى، وتحويل مخالفة قوانين وأنظمة البناء إلى قاعدة وليس استثناء، وتعطيل أيّ فعالية للتنظيم المدني والتخطيطات والتصاميم التوجهية وتحديد عوامل الاستثمار، وتوسيع دائرة الاعتداءات على الأراضي المصنّفة والأملاك العامّة... وتحقيق المزيد من الأرباح والمكاسب للمعتدين على الغير والحق العام والقانون.

 

أدّت هذه القوانين إلى إحلال سلوك يحرّض على مخالفة القانون بوصفه سلوكاً قابلاً للتسوية في مقابل مبلغ مالي زهيد، بدلاً من إنزال العقاب بالمخالفين وردعهم عن تكرار المخالفة. كلّ مخالفة مرتكبة لإنشاء بناء غير مرخّص أو لتوسيع بناء قائم، أفقياً وعامودياً، أو سواها من المخالفات المماثلة، بات يمكن معالجتها بتسديد مبلغ مالي للخزينة مقابل الاعتراف بشرعية البناء المنشأ أو التوسعة المنفذة. المبلغ المدفوع يمحو كل أثر للمخالفة رغم كل ما ينتج عنها من أضرار، وليس ذلك فقط، بل يكرّس العودة إلى المخالفة مجدداً في انتظار قانون جديد يمحوها!

جاء الاقتراح الحالي بناءً على توافق بين رئيس الحكومة ووزيري المال والأشغال، وجرى تسويقه بحجة تأمين إيرادات استثنائية للدولة. وقد درسته لجنة وزارية فرعية ونوقش في إحدى جلسات مجلس الوزراء المخصصة لدرس موازنة 2017، وأُدرج في مشروع الموازنة بعلم كلّ الوزراء، خلافاً لما أُشيع عن «دسّه» بطلب من رئيس الحكومة. إلّا أنه ظلّ اقتراحاً خارج التداول إلى أن بدأ تجار البناء يسألون عن مصيره سؤال المرتكبين عن قانون العفو.

 

الأسباب الموجبة

هذا الاقتراح يتّسم بوقاحة «مميزة»، تظهر جلياً في صياغة أسبابه الموجبة، التي تشير إلى أن «مخالفات البناء ارتُكبت من قبل بعض تجار البناء والمواطنين في ظلّ عدم إمكانية أجهزة الدولة في مراقبتها ومنع حصولها». وأضافت الأسباب الموجبة أن هذه المخالفات تحول دون استيفاء الإدارة الضريبية لرسوم وضرائب سنويّة مستمرّة (تسجيل وإفراز وأملاك مبنية وسواها)، فضلاً عن أن «الرسوم والغرامات المقترحة عن المخالفة تؤمن للخزينة موارد إضافية»، لتخلص إلى إعلان زوال الدولة نهائياً، إذ «أن معظم مخالفات البناء أصبحت أمراً واقعاً ويستحيل أو يتعذر إزالتها».

تحمل هذه الأسباب الموجبة دلالات واضحة على أن المخالفات كان يجرى تشجيعها لأهداف مختلفة تتراوح بين الأهداف الانتخابية وأغراض السمسرة المالية. فمن جهة تزعم السلطة أنها عاجزة عن قمع المخالفات وعن منع حصولها، فيما يحصي المتابعون عدداً من التعاميم الصادرة عن وزراء الداخلية المتعاقبين تسمح بإنشاء أبنية استناداً إلى «ورقة بلدية» من دون الحاجة إلى ترخيص من التنظيم المدني! في المقابل، توجد قصص كثيرة عن نافذين يقبضون ثمن صدور هذه التعاميم، سواء في السلطة المحلية أو في الأجهزة المولجة تطبيق القانون، فيما يستفيد تجار البناء من التعاميم المخالفة للقانون لتشييد المزيد من الشقق غير المرخصة.

تتذرع الأسباب الموجبة بحالة محددة، إلا أنها تستغلها لتبرير تسويات لشتى أنواع المخالفات التي لا تستند إلى أيّ حقوق من أيّ نوع كانت، إذ يرد في الأسباب «أن كثيراً من المواطنين اشتروا بالتقسيط وحدات سكنية أو غير سكنية على الخريطة (...) وتبيّن لهم بعد إنجاز هذه الوحدات أن منشئ العقار قد ارتكب مخالفات بناء في الوحدات التي اشتروها، مما حال دون تسجيل هذه الوحدات (...) أو الاستحصال على قرض سكني (...) مما أدى إلى نزاعات قانونية (...)». هذه الحالة المحدّدة تحتاج إلى معالجة خاصة بها، تنطوي على عقاب لمنشئ الوحدات المخالفة وإنصاف لمشتريها، لا إلى تسويات بالجملة.

القاعدة هي المخالفة وتسويتها!

يشير المعماري عصام بكداش إلى أن الخطر في هذه التسويات هو «تراكم عدم الانتظام، إذ اعتاد اللبنانيون على إنشاء نظام ومخالفته ثم تشريع المخالفة، وأصبح ذلك نمطاً في الثقافة العامة، فيما هو تدمير للحاضر والمستقبل، لأن التخطيط المديني لا يتعلق بالوضع الحالي، بل هو ينظر إلى توالي الأجيال». ويرى بكداش أن تعميم التسويات له مخاطر واسعة متصلة بما هو أبعد من مخالفات موضعية، فعلى سبيل المثال إن إنشاء الخطّ السريع في كورنيش المزرعة كان يُفترض أن ينشأ على جوانبه طرقات جانبية، لكن إغفال المرحلة الثانية حوّل كورنيش المزرعة إلى بولفار، وصار للمباني حق مكتسب أن تتمدد إلى المساحات التي كانت مخصّصة للطرقات الجانبية... يوضح فكرته بالقول: «لو تخيّلنا فقط أن الطرقات سهلة بين بيروت والضواحي من خلال التخطيط المديني، لأمكن التخفيف من وطأة التركز السكاني والاقتصادي في المدينة. لكن النمط فرض نفسه، ففي إحدى المرّات صدر مرسوم بتعديل التخطيط التنظيمي للمنطقة التي توجد فيها مباني مشروع cap sur mer، وبعد يوم من الحصول على الرخصة، بناء على هذا التعديل، صدر مباشرة مرسوم ثانٍ يعيد التنظيم إلى ما كان عليه قبل منح الرخصة».

باتت «مخالفات البناء هي القاعدة في العمل، وقد تكون المخالفة أكبر من الأصل (المرخص) في بعض الأحيان، كما هي الحال في منطقة عرمون جنوبي مدينة بيروت مثلاً، حيث تم إنشاء أبنية من خمسة عشر طابقاً، بينما يحدد النظام المصدّق في المنطقة العدد الأقصى المسموح به بثلاثة طوابق». هذا ما أورده الوزير السابق، شربل نحاس، في ورقة أعدّها في عام 2000، يبين فيها كيف يتحول الممنوع إلى مسموح بعد دفع غرامة، من دون أن يتزامن ذلك مع التطبيق الجدي للقانون، إذ «رغم وجود قوانين التسوية فإن المخالفات لم تتوقف، علماً بأن كلّ قانون لتسوية مخالفات بناء ينصّ على إزالة المخالفات التي تحصل بعد العمل به، ولم يأخذه الكثيرون على محمل الجد، لا بل تبيّن أنه لم يتقدم الكثيرون بالتصريح لتسوية المخالفات، ولم تُفرض الغرامات على المخالفات غير القابلة للتسوية».

القوانين لا تطبّق

في المقابل، فإن فاعلية وحدود إمكانات تطبيق أنظمة التنظيم المدني تبقى متدنية إن لم تكن غائبة كلياً. فبحسب دراسة نحاس، تبيّن أن هناك العديد من القوانين التي يجب تطبيقها لقمع المخالفات، المادة 36 من قانون التنظيم المدني تنصّ على أن «جميع الأشغال المنفذة خلافاً لأحكام التصاميم والأنظمة النافذة يجب أن تُهدم أو أن يجعلها المخالف منطبقة على أحكام القانون بعد إنذار تحدّد فيه مهلة التنفيذ يوجهه إلى المخالف رئيس السلطة التنفيذية في البلدية أو المحافظ أو القائمقام حيث لا يوجد بلدية، وإذا لم يرضخ المخالف في نهاية المهلة تنفذ حكماً على نفقته ومسؤوليته الأشغال اللازمة لإزالة المخالفة. يحدّد المبلغ المتوجب من قبل السلطة التي وجهت الإنذار ويحصّل من قبل دوائر الضرائب في وزارة المالية وفقاً للقواعد المتبعة في جباية الضرائب والرسوم. ويعاقب المخالف عدا ذلك بغرامة تتراوح من 5000 إلى 000 50 ليرة لبنانية وبالحبس من يوم إلى 15 يوماً أو بإحدى هاتين العقوبتين».

 

كذلك تنصّ المادة 22 من قانون البناء على أن «كلّ حفر أساسات أو بناء أو ترميم أو تحويل يباشر به من دون ترخيص أو تصريح حسبما يكون العمل خاضعاً لرخصة أو لتصريح أو يجري خلافاً للرخصة أو للوصل بالتصريح يوقف حتماً وينظم بحق المالك والمسؤول عن التنفيذ محضر ضبط بالمخالفة وعلى صاحب الشأن أن يتقدّم بدون إبطاء بطلب رخصة أو بالتصريح حسب الاقتضاء. إذا ظهر أن الإنشاءات لا تتنافى مع التخطيط ولا مع الشروط القانونية، تعطى الرخصة أو الوصل بالتصريح مع فرض غرامة تعادل ثلاثة أضعاف قيمة جميع الرسوم المتوجبة عن القسم الذي يكون قد تم. يُعتبر تاماً كل بناء صب سقفه. تعتبر الغرامة والرسوم ديناً ممتازاً على العقار ولا تعطى براءة ذمة من البلدية إلا بعد استيفائها وتسوية وضع المخالفة». وتنصّ المادة 23 من قانون البناء على أنه «يعاقب المسؤول الذي يخالف أحكام هذا المرسوم الاشتراعي والنصوص التي تتخذ لتطبيقه من /1000/ الى /000 50/ ليرة وبالسجن من ثلاثة أيام إلى أسبوع أو بإحدى هاتين العقوبتين. إن المخالف الذي يواصل العمل بعد أن يكون قد أوقف يعاقب بغرامة من /2000/ إلى /000 100/ ليرة لبنانية وبالسجن من أسبوع إلى 15 يوماً أو بإحدى هاتين العقوبتين على ألا يحول ذلك دون تنفيذ الهدم عند الاقتضاء». أيضاً تنصّ المادة 24 من قانون البناء على أنه «يحظّر على المالك بيع أو تأجير أيّ قسم من البناء قبل الحصول على رخصة البناء، كما يحظر إشغال البناء قبل الحصول على رخصة الأشغال العائدة له. يعاقب كلّ من يخالف ذلك بغرامة من /2000/ إلى /000 10/ ليرة لبنانية بالإضافة إلى اعتبار عقد الإيجار باطلاً».

وتشير المادة 37 من قانون التنظيم المدني على أنه «يُعاقب كلّ من قام بإفراز دون الحصول على الإجازة التي يفرضها هذا المرسوم الاشتراعي أو كل من ينفّذ إفرازاً دون التقيّد بالأحكام الخاصة التي تفرضها الإجازة بالإفراز بغرامة من 5000 إلى 000 50 ليرة لبنانية، وبالحبس من يوم واحد إلى 15 يوماً أو بإحدى هاتين العقوبتين»... هذه الأمثلة تشمل أيضاً المادة 38 من قانون التنظيم المدني، وهي كلّها تظهر أن «تطبيق أنظمة التنظيم المدني فاعلية وإمكانيات تكاد تكون غير محدودة، وتعطي نتائج جيدة وحاسمة، وإن لم تكن كافية في بعض الأحيان حيث يفرض واقع المنطقة أو الحاجة إلى السرعة في التنفيذ تدخّل السلطة العامة لإجراء الضم والفرز أو إنشاء شركة عقارية أو إنشاء مؤسسة عامة لترتيب المنطقة». ويذكّر نحاس بأن «الوصول إلى النتائج المناسبة يفترض حكماً التقيّد بأحكام القانون، الأمر غير المتوفر حتى الآن مع الأسف، إذ يشكّل عدم تطبيق القانون أحد الأسباب الرئيسية للوضع الراهن غير المرضي في حقل التنظيم المدني والبناء».

 


إجراءات التخمين

تسوية مقابل المال

ينصّ مشروع تسوية مخالفات البناء على تعيين لجان تخمين مختصة، من قبل مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزراء الأشغال والمالية والداخلية والعدل. مهمة هذه اللجان تخمين ثمن الأرض، وتعدّ قراراتها غير قابلة للمراجعة، على أن يجري التخمين بالأسعار الرائجة مع حسم تراجعي يختلف بحسب شطور زمنية، فيتراوح الحسم بين 10% في 2011 و85% في 1971، على ألا يكون هناك أيّ حسم على المخالفات بعد مطلع 2012. وتهدم المخالفات التي تحصل بعد 1/1/2017، علماً بأنه لا تتم تسوية أيّ وضع إلا بعد تسوية وضع الجورة الصحية وتسكير الآبار ذات الغور المفقود لتصريف المياه المبتذلة، فيما توزّع الغرامات الناتجة عن تطبيق هذه المادة على البلديات بنسبة 30% وعلى الخزينة بنسبة 70%.


تسوية مقابل المال

تنص المادة 64 من مشروع قانون موازنة عام 2017 على احتساب الرسوم والغرامات، المفروضة لتسوية مخالفات البناء، على أساس شطور لسعر متر الأرض بين حدّ أدنى يساوي مرتين قيمة الرسوم التي تُدفع عند الترخيص القانوني وما يعادل نصف ثمن الأرض الوهمية، وبين حدّ أقصى يصل إلى أربع مرات الرسوم ومرتين ثمن الأرض، وتدفع الغرامة عن كامل المساحة المخالفة. أما إذا تجاوزت المخالفة ضعف عوامل الاستثمار المسموح بها، فتزداد الغرامة وصولاً إلى تضاعفها في حال البناء على عقار غير صالح للبناء. أما المخالفات الأخرى، فيتوجب تسديد غرامة تصل إلى عشر مرات قيمة الرسوم ورسم رخصة بناء ورسم خاص عن عدم تأمين المرأب بين 15% من ثمن الأرض اللازمة للمرأب بمساحة 25 متراً مربعاً، وذلك بين ثمن أدنى قيمته 500 ألف عن كل متر وثمن أقصى قيمته 25 مليون ليرة. وينصّ مشروع القانون على أن تعدّد المخالفات يؤدي حكماً إلى تعدّد الرسوم والغرامات.

كذلك، ألغى المشروع التسويات والرخص والمعاملات التي تمّت خلافاً للقانون، وأعطى البلديات والمحافظين صلاحية إعادة النظر بها وتحديد قيمة الرسوم والغرامات المتوجبة على المخالفين، على أن تُخفّض الغرامة إلى 50% من قيمتها، وإذا لم يسدّد المخالف ما يترتب عليه، يسجّل المبلغ ديناً ممتازاً على الصحيفة العقارية.

وبالنسبة إلى الأبنية المنشأة وفقاً لقوانين وأنظمة البناء من دون ترخيص قانوني، يمكن تسوية وضعها لقاء دفع مرتين قيمة الرسوم المتوجبة عند الترخيص خلال ستة أشهر من صدور القانون.

بحسب هذه المادة، على المخالف التصريح عن المخالفة خلال ستة أشهر، وإذا لم يصرّح أو لم ينجز ملف إتمام التسوية أو اختار هدم المخالفة من دون تنفيذ ذلك، يصبح ملزماً بأداء الرسوم والغرامات التي تحتسبها الدوائر الفنية المختصّة بالاستناد إلى قرار لجنة التخمين. وتخفض الغرامة بنسبة 40% إذا سدّد المخالف المبالغ المترتبة عليه خلال شهرين، فيما ينال إعفاء يتراوح بين 20% و40%، بحسب الفترة الزمنية للتسديد، أما إذا لم يدفع الرسوم والغرامات خلال ستة أشهر فيتوجب عليه عندها غرامة إضافية بنسبة 1 بالألف عن كل شهر تأخير. أما بالنسبة إلى الراغبين بالتسوية وتسديد المترتب عليهم، فيمكنهم تقسيط الرسوم والغرامات لمدة خمس سنوات.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

لم تفلح الاعتراضات على ملف تلزيم بواخر الكهرباء في توضيح طبيعة ونتائج الخيار. الطبقة السياسية تكرّر سلوكها السابق في ملف الكهرباء من خلال تبادل الاتهامات بالفساد وتضييع القضية المركزية المتعلّقة بضرورة الاستثمار في القدرة الإنتاجية لشبكة الكهرباء، بدلاً من اللجوء المتكرّر ــ الثابت ــ لخيارات مؤقتة يُشتم منها رائحة الهدر والفساد

محمد وهبة
 

الأجواء التي سادت بعد إطلاق عملية تلزيم استئجار بواخر مولدة للكهرباء، لم تعبّر عن الوضع الحقيقي لملف الكهرباء، بمقدار ما عبّرت عن الرغبات السياسية الكامنة وراء هذا الملف. فالانقسام حول الملف بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل من جهة وحركة أمل وأحزاب الاشتراكي والكتائب والقوات اللبنانية من جهة ثانية، ليس سوى نسخة عن المشهد المتكرّر في ملف الكهرباء منذ مطلع التسعينيات.

الكلّ يريد حصّة في الكعكة المربحة، والكل يريد أن يستعملها للضغط على الآخرين في سياق التسويق الانتخابي لنفسه... لكن لا أحد، على ما يبدو، يريد أن يقدّم للناس هذه «النعمة»، بل يريدون إذلالهم وإفراغ جيوبهم وحصد أصواتهم.

قصّة البواخر بدأت في عام 2010 حين أقرّ مجلس الوزراء ورقة سياسة قطاع الكهرباء، التي تتضمن اللجوء إلى خيار استجرار الطاقة الكهربائية بواسطة البواخر في انتظار إنجاز معامل إنتاج الكهرباء. مرّت السنوات الواحدة تلو الأخرى من دون أيّ إنجاز يُذكر، باستثناء إنشاء محركات عكسية في الذوق والجية بقدرة إجمالية تبلغ 270 ميغاوات، لم ينفّذ أي مشروع إنتاجي آخر. مشروع المحركات العكسية أُنجز في مطلع عام 2016 ولزّم تشغيله، إلا أن الخلافات عرقلت تسليمه إلى المتعهد لأكثر من عام. أما مشروع إنشاء معمل بقدرة 450 ميغاوات في دير عمار والمعروف بـ«دير عمار - 2» لا يزال معطّلاً، ومشاريع تأهيل معملي الذوق والجية القديمين، فقد نالا كفايتهما من الدرس إلى أن بات من غير المجدي تأهيل الجيّة فيما تأهيل الذوق مجمّد.

في هذا الوقت، بدأت الهجمة من رجال الأعمال تستشرس على قطاع إنتاج الكهرباء. سبق للبنك الدولي أن قدّر أن الخصخصة سترفع كلفة إنتاج الكيلوات - ساعة ثلاثة سنتات على الأقل بالمقارنة مع استثمارات القطاع العام، إذ أن كلفة تطوير القدرة الإنتاجية عبر استثمارات القطاع العام تبلغ 6.58 سنت للكيلوات - ساعة مقابل 8.19 سنت للقطاع الخاص. على الرغم من هذا الوضوح في المقارنة، بقيت الخصخصة تعترض إنجاز معامل جديدة، في حين أن المشروع الذي اجتاز امتحان السياسة وبلا عوائق تُذكر، كان مشروع استئجار باخرتين مولدتين للكهرباء من شركة «كارادينيز» التركية بكلفة 430 مليون دولار لمدة ثلاث سنوات، جرى تمديدها من دون العودة إلى مجلس الوزراء (392 مليون دولار مضافاً إليها قيمة الضريبة على القيمة المضافة بقيمة 39 مليون دولار) يضاف إليها كلفة استهلاك الفيول، وهو المشروع نفسه الذي يتكرّر اليوم لاستئجار باخرتين إضافيتين بكلفة إجمالية (كلفة استئجار البواخر وكلفة الفيول لإنتاج نحو 830 ميغاوات) ستصل إلى 5 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

اللجوء إلى البواخر حفّز رجال الأعمال المستظلين بالسياسيين للطلب بوقاحة من وزارة الطاقة الترخيص لهم بإنتاج الكهرباء. امتياز جبيل، قدّم طلباً للحصول على ترخيص إنتاج الطاقة، وامتياز زحلة أيضاً، وهما شركتان مملوكتان من رجال الأعمال، مشكلتهما أنهما محسوبتان سياسياً على "القوات اللبنانية". ما يدفع إلى الاعتقاد بأن وزراء التيار الوطني الحرّ المتعاقبين على وزارة الطاقة استغلوا هذا السبب لرفض منح التراخيص لهاتين الشركتين. حسابات الطرفين انتخابية.

القصة لا تنتهي عند هذا الحدّ، بل إن رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي حاول الحصول على ترخيص، فاقترح شراء أسهم شركة قاديشا لتوسيع قدرتها الإنتاجية تحت اسم نور الفيحاء، أو إعطاء الإذن لهذه الشركة بإنتاج الطاقة على غرار تجربة البواخر التركية. وكذلك، ظهر مشروع مماثل لوزير العدل السابق أشرف ريفي، ومشاريع أخرى بحجج مختلفة... في ظلّ هذه الشهية المفتوحة، عادت وزارة الطاقة إلى طرح استئجار بواخر كهرباء. رئيس الحكومة سعد الحريري، قالها صراحة أمام زواره إن هذا المشروع "سيمرّ برغم معارضة من يعارض"، ثم كرّر كلامه بطريقة سياسية في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة بعد سجال حاد بينه وبين الرئيس ميقاتي.

الكلّ يريد حصّة من أرباح الكهرباء. واتهامات الفساد في ملف استئجار بواخر الكهرباء التي فضت عروضها في مكتب وزير الطاقة وبرئاسة مستشارته ندى البستاني دليل على ذلك. وتأتي هذه الاتهامات رغم أن الجميع كان شريكاً في القرار المتخذ في مجلس الوزراء في عام 2010. في حينه لم يكن هناك داعٍ لتوجيه التهم بالفساد.

إذاً، وظّفت الاتهامات بالفساد بين منتفع وساعٍ للانتفاع للاستغلال الانتخابي ولأغراض السمسرة المالية. كلاهما شريك في منظومة الفساد. إلا أن بين هذا وذاك، يختلط مفهوم إنشاء معمل دائم للكهرباء مع استئجار باخرة مولّدة للكهرباء بكلفة تساوي كلفة إنشاء المعمل. فالواقع، أن استئجار البواخر قد تكون كلفته موازية لكلفة إنشاء معمل جديد! الاستئجار ليس استثماراً، بل هو إنفاق جارٍ تصرفه الدولة لشراء الكهرباء، أما الاستثمار فهو إنفاق تدفعه الدولة مرّة واحدة لمدّة لا تقلّ عن ثلاثين عاماً لإنشاء معمل ينتج الكهرباء تتوزّع كلفته على هذه المدّة الطويلة.

يصف الوزير السابق شربل نحاس الفرق بين إنشاء معمل لإنتاج الكهرباء وبين استئجار بواخر مولدة للكهرباء، بأنها مثل شراء العقار أو استئجاره. كلفة الإيجار تساوي كلفة الشراء على فترة متوسطة قد تمتد إلى خمس سنوات. الإيجار هو حلّ ظرفي ومؤقت يرتّب أكلافاً بالغة على الخزينة ولا مردود له على الأصول. في العادة يكون الإيجار في حالات الزلازل وحالات الضرورة القصوى وهي ليست موجودة في لبنان "لكن المشكلة الفعلية تكمن في الآتي: ما هو الشبه الفعلي بين البواخر المولدة للكهرباء وإنشاء معمل للكهرباء في لبنان؟ لا فرق كبير بين الاثنين سوى في الباخرة، فالمعمل هو نفسه سواء كان على الأرض أو على الباخرة، لكن استئجار خدمات هذا المعمل يختلف بجدواه الاقتصادية عن شرائه رغم أن تجهيز المعمل على الباخرة أو على الأرض يتطلب وقتاً متساوياً (قد تتفاوت فترة التجهيز قليلاً بحسب كل شركة، علماً بأن المولدات التي توضع على الباخرة هي من إنتاج شركات معروفة في العالم)، وهذا يثير الكثير من الأسئلة والشبهات حول الرغبة والنية في معالجة الأمر بشكل جذري. الشكوك لم تعد كافية في هذا المجال بل أصبحت أمراً ملازماً وضرورة في أي صفقة".

إذاً، ما هي تداعيات استئجار البواخر؟ يقول النائب ياسين جابر: "أثرنا في لجنة المال والموازنة التبعات المالية على الخزينة جرّاء استئجار البواخر. وتبيّن أن وزارة المال لم تدرج كلفة الاستئجار في مشروع الموازنة، وبالتالي فإن انعكاس هذا الإنفاق على العجز سيكون كبيراً، إذ أن الزيادة في العجز السنوي سترتفع بقيمة لا تقل عن 800 مليون دولار سنوياً".

في الواقع، إن الأثر المالي كان محور مجموعة تحذيرات أطلقها البنك الدولي في جولاته الماضية على المسؤولين. يقول جابر: "لقد كان البنك الدولي واضحاً بأن زيادة الإنفاق سترتب نتائج كارثية على الاقتصاد، وهو تحدّث عن الكهرباء وعن الخيارات غير المنطقية التي تقوم بها الدولة في هذا المجال. البنك الدولي طلب أن تكون هناك خيارات واضحة ومستدامة، وهذا الأمر لا يشمل استئجار بواخر بكلفة تصل إلى ملياري دولار لمدّة ثلاث سنوات".

هذا المشهد المقزز من التهافت السياسي لاستغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، لا يلغي عملياً الحاجة إلى تطوير القدرة الإنتاجية من خلال إنفاق ملياري دولار على إنشاء معامل، أما الحجّة بأن هناك حاجة لخطّة إنقاذية وطوارئ لصيف 2017، فهي لا تبرّر دفع هذه المليارات على استئجار بواخر. لأن الناس استعاضوا عن غياب الدولة – الموزع، بمولدات صغيرة مزروعة في كل أحياء لبنان، وهي موزعة أصلاً بحسب سيطرة الأحزاب و"قبضايات الأحياء" والمافيات الأصغر حجماً قياساً إلى مافيات السياسيين.

 


«حمّى» بواخر الكهرباء

اجتاحت حمّى استئجار بواخر الكهرباء، العقل السياسي في لبنان، منذ إطلاق عملية استدراج العروض للكهرباء. بهذه الخلفية اندلعت مواجهات تنطلق من اتهام تحالف التيار الوطني الحر – تيار المستقبل، بالانتفاع من التلزيم. وبادرت أحزاب الكتائب والقوات اللبنانية وأمل والحزب التقدمي الاشتراكي إلى هذه المواجهة بشكل متزامن. علّق رئيس مجلس النواب نبيه برّي على الصفقة همساً وعلناً، مشيراً إلى أنها «معوّمة للجيوب»، ولم يكلّ النائب وليد جنبلاط عن إطلاق تويتراته واصفاً إياها بـ«المزحة الكهربائية» ثم قال: «لا لصفقة السفن التركية» و«لا لبدعة السفن والهدر ولا لشركات تلزيم الجباية»، وقال مرّة أخرى: «ابنوا مصنعاً وكفى سفن وسمسرة». أما رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع فقد ضرب بيده على الطاولة وقال لزواره: «هذه الصفقة لن تمرّ» قبل أن يتولى مندوبوه في الحكومة والمجلس الهجوم المركّز على الصفقة أينما أتيحت الفرصة في مجلس الوزراء أو في اللجان النيابية أو حتى في جلسات خاصة. أما أول من تصدّر هذه المواجهات فقد كانت الكتائب اللبنانية التي تحدثت عن عمولات دفعت سلفاً بقيمة 200 مليون دولار.

الردّ على هذه الاتهامات جاء على لسان رئيس الجمهورية ميشال عون في مجلس الوزراء حين دافع عن الوزير سيزار أبي خليل، متمسكاً بالمادة 66 من الدستور، وذلك ردّاً على المطالبين بإجرائها في إدارة المناقصات لا في مكتب الوزير، وقال إن «الوزير سيد نفسه». كذلك، دخّل رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان على خطّ الدفاع عن أبي خليل، فاستدعى أبي خليل للإجابة عن الأسئلة والاستفسارات، لكن سرعان ما تبيّن أن أبي خليل استعمل منبر لجنة المال والموازنة لتسويق خطّته والدفاع عن الصفقة المثيرة للشبهات.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

 

تركت جلسة فضّ عروض استئجار بواخر لإنتاج الكهرباء انطباعاً لدى غالبية العارضين أن النتائج قد تكون محسومة سلفاً. تبيّن أن الجلسة، التي عقدت أمس، مخصّصة لفرز المستندات الإدارية، ولا سيما المذكورة عرضياً في دفتر الشروط، وهو أمر ينطوي على خفّة بالغة في التعاطي مع مناقصة قيمتها تتجاوز ملياري دولار. الانطباع بعدم وجود الشفافية وُلد من تشكيل لجنة فضّ العروض نفسها، إذ ضمت ثلاثة مستشارين لوزير الطاقة وقاضياً شاباً لم يجب عن السؤال القانوني الوحيد الذي سئل، أمس

محمد وهبة
 

انطلقت جلسة فضّ عروض «استئجار بواخر لإنتاج الكهرباء بقدرة تتراوح بين 800 ميغاوات و1000 ميغاوات» عند الساعة العاشرة والنصف من صباح أمس. يقول أعضاء في اللجنة إنه لم يكن هناك رئيس لها، لكن ممثلي الشركات العارضة كانوا متيقنين أن مستشارة وزير الطاقة ندى البستاني هي التي ترأس اللجنة، يعاونها مستشارا الوزير روبير سفيري وكريم عسيران.

كذلك دُعي إلى الجلسة ثلاثة ممثلين عن مؤسسة كهرباء لبنان، هم: بشارة عطية، حازم عاشور وهِبَة حاطوم، وكان لافتاً وجود قاض شاب اسمه غير متداول، بالإضافة إلى ممثلة عن مكتب رئيس الحكومة، زينة مجدلاني.

في بداية الجلسة، ألقى وزير الطاقة سيزار أبي خليل كلمة كرّر فيها موقفه مما أثير خلال الأيام الماضية عن انعدام الشفافية في المناقصة وضرورة إجرائها من قبل إدارة المناقصات، وقال إن مؤسسة كهرباء لبنان هي مؤسسة عامة لا تخضع في مناقصتها لإدارة المناقصات، مشيراً إلى أن النتائج سترفع إلى مجلس الوزراء يوم الأربعاء (غداً) بكل تفاصيلها.

ما فُهم من كلام أبي خليل أن النتائج ستبدأ بالظهور اليوم، لكن سرعان ما تبيّن أن الجلسة التي عقدت أمس هي جلسة مخصصة لدرس الشق الإداري والمستندات الإدارية العائدة للعارضين، الذين بلغ عددهم ثمانية، بينهم سبع شركات فقط أوفدت ممثلين عنها لحضور جلسة فضّ العروض، أمس، علماً بأن عدد الشركات التي سحبت دفتر الشروط يزيد على 30 شركة. أما الشركات الثماني فهي: «طاقة غلوبال» (شركة مسجلة في جبل علي في دبي ولم تقدم في عرضها سوى كاتالوغات)، «بي بي اينرجي» (هي شركة مملوكة من تجار النفط والمحروقات الذين يملكون شركة هيبكو ويسيطرون على استيراد الفيول أويل إلى لبنان)، شركة «MEP» (شركة هندية الأصل وتعمل في الإمارات العربية المتحدة)، شركة «والر مارين» (هي شركة أميركية)، «كارباورشيب» (الشركة التركية التي تعمل حالياً في لبنان من خلال باخرتين لإنتاج الكهرباء)، «سي باور» (شركة أميركية تمثلها في لبنان مؤسسة حمود)، «اف بي اس» (شركة نروجية متحالفة مع شركة داينمك مارين)، وهناك شركة ادفنس انجينيرينغ مانجمنت سرفيسز.

 

تقول مصادر في اللجنة إن عرض بي بي اينرجي وأدفنس انجينيرينغ يتضمن معامل كهرباء ثابتة وليس بواخر، وإن هناك نقاشاً حاداً جرى بين ممثل شركة أدفنس انجينيرينغ والبستاني بشأن رفضها القاطع لهذا العرض، ما أدّى إلى استنتاج واضح للجميع بأن هذين العرضين مرفوضان سلفاً، وإن لم تقله البستاني بهذا الوضوح. وتبيّن أن هناك عرضين لمعامل إنتاج على البواخر تعمل بواسطة الغاز المنزلي، ويعود العرضان لشركتي: «اف بي اس»، «والر مارين». ولم تتضح طبيعة العرض المقدم من الشركة الهندية، إلا أنه كان هناك عرضان فقط لمعامل عائمة على البواخر تعمل بواسطة الفيول الثقيل المنصوص عليه في دفتر الشروط، وهما يعودان لشركة «كارباورشيب» و«سي باور».

جلسة فضّ العروض امتدت لثلاث ساعات. وبحسب مصادر شاركت فيها، فإن الإشكالية التي واجهتها اللجنة مع العارضين تكمن في تشديدها على الشق الإداري والمستندات الإدارية، علماً بأن كل هذه التفاصيل مذكورة في دفتر الشروط لماماً، أي أنه لم يجر التركيز عليها ولم ينص دفتر الشروط على طلبها بصورة ضرورية، بل ربط إبراز بعض المستندات بعبارة «حيث يجب» (Where Applicable)، بالإضافة إلى عبارة ثانية تشير إلى «تسوية الوضع القانوني للشركة التي يرسو عليها الالتزام».

هذه النقاط بالتحديد أثارت حفيظة العديد من الشركات العارضة التي اعترضت على طريقة إدارة البستاني للجلسة وأسلوبها في الحديث مع العارضين. المشكلة بدأت مع شركة بي بي اينرجي التي طلبت منها البستاني إبراز صورة عن التوكيل الأصلي لممثليها في لبنان، علماً بأن مستنداً كهذا يتطلب أسابيع لإنجازه وتصديقه في خارج لبنان وفي الدوائر الرسمية المعتمدة أيضاً، فيما مهلة تقديم العروض كانت ضيقة إلى حدود بعيدة. في الحصيلة، تم التوصل إلى اتفاق على استكمال المستندات من الشركات التي سيتم تصنيف ملفاتها «مقبولة».

كان لافتاً في الجلسة أن أحد ممثلي الشركات سأل عن مسألة شكلية تتعلق بالتوكيل المطلوب، إلا أن القاضي لم يجب عن السؤال، بل قال بوضوح إنه لا يعلم. مصادر اللجنة برّرت للقاضي ردّه بالإشارة إلى أنه لم يطلع على الملف حتى يعطي رأيه القانوني!

تقول مصادر مطلعة إن لجنة فضّ العروض تركت الباب مفتوحاً على الاستنتاج والتأويل، بعدما تبيّن أن جلستها، أمس، كانت مخصّصة لفرز المستندات الإدارية من دون أن تبلغ العارضين بهذا الأمر، بل أبلغتهم بموعد فضّ العروض من دون أن تتطرق إلى أي تفصيل إضافي. إلا أن المشكلة لا تقتصر على هذا الأمر، فقد تركت البستاني انطباعاً لدى غالبية العارضين أن نتائج المناقصة شبه محسومة، ولفتت المصادر إلى أن الشركات التي قدمت معامل كهرباء ثابتة غير عائمة على المياه ستكون مرفوضة، ولم يتأكد ممثلو الشركات التي قدّمت معامل إنتاج كهرباء عائمة تعمل بواسطة الغاز المنزلي إذا كانوا ضمن المرفوضين أو المقبولين.

سبق جلسة، أمس، اعتراض من الرئيس نبيه برّي على إجراء المناقصة في وزارة الطاقة، واستياؤه من رفض رئيس التفتيش المركزي إجراءها لدى إدارة المناقصات. وبحسب المعلومات، تعمّد وزير الطاقة عدم إبلاغ مديرية الاستثمار في وزارة الطاقة بأي تفصيل عن هذه المناقصة، متذرعاً بأن تنفيذها يعود لمؤسسة كهرباء لبنان. لكنْ هناك رأي قانوني اطلع عليه الرئيس بري يشير إلى أن قرار مجلس الوزراء كان واضحاً لجهة تكليف وزير الطاقة بإجراء المناقصة والعودة إلى مجلس الوزراء بشأن كل مرحلة من مراحلها، وبالتالي فإن التكليف ليس منوطاً بمؤسسة كهرباء لبنان التي يتذرّع أبي خليل ورئيس التفتيش بأن لديها صلاحية خاصة تمنعها من تنفيذ مناقصاتها لدى إدارة المناقصات. ما أثار حفيظة الرئيس بري هو كلام رئيس الجمهورية في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة عندما أثار وزراء القوات والاشتراكي موضوع الكهرباء منتقدين طريقة التلزيم الجارية، ومطالبين بأن يطلع مجلس الوزراء على دفتر الشروط وأن يعاد التلزيم إلى إدارة المناقصات، إذ ردّ الرئيس عون متمسكاً بالمادة الدستورية التي تشير إلى أن الوزير سيّد نفسه، مانعاً عرض دفتر الشروط على مجلس الوزراء وإحالة المناقصة إلى إدارة المناقصات.

على أي حال، من هم المتأهلون؟ لا جواب بعد، إذ إن مصادر اللجنة تقول إن التقويم الفني لم يبدأ بعد. فهل سينتهي هذا التقويم خلال يومين لترفع النتائج يوم غد الأربعاء إلى مجلس الوزراء؟ هل المدّة كافية؟ لماذا لمحت البستاني إلى استبعاد شركات، وتركت شركات أخرى عالقة في استنتاجات مضللة؟ هل صحيح أن هناك معامل على الغاز قادرة على توفير مئات ملايين الدولارات خلال السنوات الخمس المقبلة؟ كل هذه الأسئلة بقيت معلّقة بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

واصلت شركة «سوليدير» سياسة التفريط بحقوق المساهمين من أجل تلميع صورتها. ميزانية 2016 فيها من الوقائع والأدلة ما يكفي للاستدلال على عمق الأزمة التي تضرب مفاصل الشركة، والتي احتاجت إلى عمليات تجميل حسابية للتستر عليها. من أبرز مؤشرات هذه الأزمة، أن سوليدير أُجبرت في عام 2016 على بيع 74 ألف متر مربع مبني على الواجهة البحرية لمدينة بيروت بسعر بخس يبلغ 218 مليون دولار، أي ما يوازي 2971 دولاراً للمتر الواحد وسطياً مقارنة بـ 4133 دولاراً للمتر الواحد في 2014!

محمد وهبة
 

قبل عشر سنوات كانت لهجة «سوليدير» تحاكي الغرور والتعالي، أما اليوم فقد تحوّلت إلى التلاعب بالأرقام والمناورة على الوقائع، بقصد تجميل حساباتها، ولو عبر التفريط بحقوق المساهمين والاضطرار إلى بيع الأراضي بأسعار متدنية قياساً بتوقعاتها في ميزانيتها.

يشير البيان الصادر عن «سوليدير»، أول من أمس، إلى هذا الأمر، فقد أعلنت الشركة أنها حققت أرباحاً صافية بقيمة 63.1 مليون دولار، وأنها دفعت ضريبة دخل بقيمة 18.2 مليون دولار. توصيف الشركة لهذه الضريبة أنها تأتي بعد «نتائج سلبية لعام 2015» وقد تلاها «في النصف الأول من عام 2016 انفراج ملحوظ في بيع الأراضي، حيث جرى توقيع وتحقيق 11 عقد بيع جديد بلغ مجموع مساحاتها المبنية الصافية نحو 73370 متراً مربعاً مبنياً بقيمة بيع إجمالية بلغت 218 مليون دولار».

غير أن محاولة الشركة تقديم هذه الصورة الإيجابية أو المتفائلة تبدّدت في الوقائع التي تطرق إليها البيان، إذ تضمّن الإشارة إلى «تخلّف البعض من المستثمرين والمطورين الذين وقعوا عقود بيع أراض مع الشركة في السابقة، عن تسديد أقساطهم المستحقة تعاقدياً في حينه، واضطرار الشركة إلى الموافقة على إعادة جدولة جزئية للبعض منها مع احتساب فوائد تأخير». واقتصر بيان الشركة على ذكر نتائج هذا التخلف عن السداد بالإشارة إلى «أخذ مؤونات مالية إضافية بما مجموعه 27 مليون دولار تحسباً لأي تأخير أو تخلف في تسديد سندات واستحقاقات مستقبلية من عقود أخرى... ومؤونات مالية أخرى بقيمة 17.4 مليون دولار لتغطية تكاليف ضرائبية محتملة». إنما ما لم تقله الشركة، أنّ قيمة المؤونات المتراكمة لهذه الشركة بلغت في نهاية 2016 نحو 226 مليون دولار، غالبيتها متصلة بالتخلف عن السداد، فيما قسم منها متعلق بقضايا قانونية تورّطت بها الشركة بسبب أطماعها وسياسة النكس بالاتفاقات التجارية الموقعة مع الزبائن، وهو ما حصل مع أصحاب محلات الصاغة والجوهرجية الذين فازوا بالدعوى على «سوليدير» بعدما تراجعت عن اتفاقها معهم، وهم يحاولون اليوم الحصول على تعويض قيمته 250 مليون دولار عن المحال التي اشتروها ورفضت سوليدير تسليمهم إياها.

يقول بيان الشركة إنها «استمرّت في سياسة خفض النفقات التشغيلية التي تشمل صيانة المباني المؤجرة وإدارتَها، كذلك أيضاً المصاريف الإدارية والعمومية، بما فيها تقليص عدد العاملين ضمن مختلف الأجهزة التشغيلية والإدارية للشركة، وذلك تماشياً مع انخفاض حجم الأعمال بشكل عام وتجميد و/أو إلغاء العديد من المشاريع التطويرية الأخرى، بسبب الأوضاع العامة الصعبة والتباطؤ الاقتصادي وضعف السوق العقاري».

إذاً، الشركة قلصت أعمال التطوير وخففت المصاريف الإدارية والنفقات التشغيلية. على الأقل هذا ما يقوله البيان، لكن النتائج المدققة للشركة والمنشورة أمس تعاكس هذا القول تماماً. بحسب البيانات المالية غير الموحّدة، أي تلك التي لا تتضمن نتائج الشركات التابعة، فإنَّ المصاريف الإدارية والعمومية بلغت 31.52 مليون دولار في 2015، وارتفعت إلى 32.69 مليون دولار في 2016. أما النتائج الموحدة، أي التي تتضمن نتائج الشركات التابعة وأبرزها سوليدير إنترناشيونال، فإن المصاريف العمومية والإدارية كانت تبلغ 33.8 مليون دولار في 2015، وارتفعت إلى 34.8 مليون دولار في 2016.

زيف ادعاءات سوليدير ليس له حدود. ففيما تقوم الشركة بإعادة جدولة ديون الزبائن وتضطر إلى بيع الأراضي بأسعار متدنية لتجميل حساباتها المالية، هي تعترف بأنَّ المستثمرين والمطورين لديهم مشاكل من دون أن تدقق في عمليات البيع لزبائن غير مليئين! أليست هي الحاجة للبيع؟ لكن المشكلة ليست محصورة بهذا الأمر، فالشركة جمّدت وألغت العديد من المشاريع التطويرية. لماذا؟ السبب غير واضح، فالزبائن الذين اشتروا أراضي وهم لا يتمتعون بملاءة مالية تتيح لهم استكمال مشاريعهم، من المتوقع أن يوقفوا أعمال التطوير، لكن لماذا تقوم الشركة بالتوقف عن التطوير، فيما هو علّة وجودها الوحيدة، وهي العلّة التي استعملها السياسيون وأصحاب النفوذ السياسي لتبرير السطو على حقوق أصحاب الأملاك في وسط بيروت.

هذا البيان يمثّل النسخة الأحدث من خطاب «سوليدير» المتعالي والمتكبر. لهجة تبرير التفريط بحقوق المساهمين الذين حصلوا على أسهم بسعر 8 دولارات للسهم حالياً، مقابل أمتار من الأراضي تساوي ملايين الدولارات. أين مشروع التغيير والإصلاح من عملية السطو المتواصلة من 1994 إلى اليوم؟

التذكير بلهجة سوليدير في السنوات السابقة مفيد جداً في هذا المجال. في تقرير الإدارة عن نتائج أعمال 2006 ورد الآتي: «كان للأحداث التي شهدها لبنان اعتباراً من تموز 2006 أثر سلبي في حركة الطلب والإقبال على شراء العقارات في منطقة وسط بيروت التي شهدت منذ ذلك التاريخ تراجعاً ملحوظاً. في المقابل، يواصل العديد من المستثمرين أعمال تطوير عقارات ومشاريعهم، رغم الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان». يومها باعت الشركة 225 ألف متر مربع بقيمة 253.3 مليون دولار، أي ما يوازي 1125 دولاراً للمتر الواحد. وفي عام 2008 بدأت موجة المضاربات الجنونية التي رفعت سعر المتر الواحد في «سوليدير» إلى 3000 دولار وسطياً بعدما أعلنت الشركة بيع 56 ألف متر مربع مبني بقيمة 168 مليون دولار. وفي عام 2009 أعلنت الشركة تحقيق أرباح بقيمة 189.2 مليون دولار وبلغت قيمة مبيعاتها 305 ملايين دولار. يومها جاء في بيانها الآتي: «تأتي هذه النتائج الإيجابية كما في العام السابق لتؤكد قدرة الشركة على الاستمرار في تحقيق أرباح بالرغم من تداعيات الأزمة المالية على الأسواق العقارية في المنطقة والعالم ككل، وانهيار عدد كبير من الشركات العقارية العملاقة في المنطقة. تميز وضع سوليدير عن غيرها في الشركات العقارية في المنطقة من حيث حجم سيولتها النقدية وانعدام المديونية وصلابة قيمة مخزونها من الأراضي والأملاك المبنية... بعكس أوضاع الشركات الأخرى التي تعاني من ضعف السيولة وارتفاع حجم ديونها وانهيار قيمة أصولها العقارية والمالية».

وفي السنوات التالية لم تغيّر سوليدير من لهجتها، بل على العكس كانت تفاخر بأدائها الذي بلغ ذروته في عام 2014 حين بلغ سعر المتر المبني 4133 دولاراً وسطياً. انحسار هذه اللهجة يأتي فيما يتساءل أصحاب الحقوق عمّا إذا كان رئيس الجمهورية ميشال عون ما زال يناصر قضيتهم.

 


مخزون «منفوخ» ومديونية مخففة

كالعادة تدرج سوليدير فقرة كاملة عن مخزون الأراضي الذي تملكه في محاولة للتملص من صورة وضعها المالي المأزوم. تدعي الشركة أن لديها مخزوناً من الأراضي الباقية المعدة للبيع أو التطوير التي تتكوّن من 1.7 مليون متر مربع مبني في نهاية عام 2016، وتقدّر قيمتها بنحو 6 مليارات دولار. فمن المثير للسخرية أن الشركة التي تبيع سعر المتر المربع المبني بقيمة 2971 دولاراً، تدّعي أن قيمة مخزونها تصل إلى 6 مليارات دولار بمعدل 3529 دولاراً للمتر المربع المبني الواحد. الشفافية تستدعي أن يكون تقويم الشركة لأصولها موازياً لأسعار المبيعات السوقية، لا «نفخ» السعر بنسبة 19%!

إذا كان عنوان الشفافية في إدارة سوليدير أن تُنفَخ الأصول، فهل يمكن أن يثق أحد بما تقوم به في عملية إدارة الديون؟! فمن بعد مرور سنوات على الاستدانة بواسطة حسابات مكشوفة، بدأت الشركة تحوّل ديونها إلى قروض متوسطة وطويلة الأجل «انخفضت المديونية تجاه المصارف من 683 مليون دولار في عام 2015 إلى 606 ملايين دولار في نهاية عام 2016 بعد إتمام برنامج إعادة جدولة 50% من التسهيلات المصرفية من آجال قصيرة إلى آجال متوسطة وطويلة الأمد».

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

كرر مجلس شورى الدولة، في تقرير جديد، بطلان عملية تلزيم المرحلة الأولى من مرفأ عدلون. وقال إنَّ قرار وزير الأشغال السابق غازي زعيتر رقم 2012/6، الذي ألغى نتائج المناقصة واستبدل بها استدراج عروض محصوراً فازت فيه شركة «الخوري للمقاولات» بسعر يزيد 3 مليارات ليرة على سعر المناقصة الملغاة، قرار «غير شرعي». هذا التقرير الإعدادي يأتي بعد قرار سابق بوقف التنفيذ لم يلتزمه زعيتر حينها، إذ تواصلت الأشغال، وباتت في خواتيمها، ما يعني أنَّ الأثر الفعلي للقرار الجديد سيتمثل بمطالبة الشركة المدعية بعطل وضرر لتضاف كلفته إلى الكلفة الباهظة في التلزيم

محمد وهبة
 

صدر تقرير المستشارة المكلّفة من مجلس شورى الدولة، القاضية ثريا الصلح، في الشكوى المقدّمة من شركة «الجنوب للإعمار» ضدّ وزير الأشغال العامة والنقل (السابق غازي زعيتر) والطعن بقراره رقم 2012/6، الذي ألغى نتائج مناقصة تلزيم المرحلة الأولى من مرفأ عدلون، واستبدل بها استدراجَ عروض محصوراً.

خلص هذا التقرير إلى أنَّ قرار زعيتر «غير شرعي ومستوجب الإبطال»، وفنّد ذرائع وزارة الأشغال التي حاولت تبرير سلوكها بالاستناد إلى نظرية «السعر البخس»، إذ أشار إلى أنَّ «الكلفة التقديرية للمشروع مبالغ فيها».

يأتي هذا القرار بعد مرور سنة ونصف سنة على إصدار مجلس شورى الدولة قراراً إعدادياً فرض على زعيتر وقف تنفيذ قراره رقم 2012/6. يومها رفض زعيتر تنفيذ الحكم، مرتباً على الخزينة أعباءً إضافية بقيمة 3 مليارات ليرة، ولم يكترث للعبء الإضافي غير المباشر الذي قد يترتب على الخزينة جراء هذه الشكوى، ولا سيما أن فوز المدّعي بالقضية يرتب له حقوقاً بالحصول على مبالغ مالية نتيجة العطل والضرر اللاحق به بسبب قرار وزير الأشغال.

القصة بدأت في 23 كانون الأول 2014، حين عقدت جلسة تلزيم أشغال المرحلة الأولى في مرفأ عدلون في إدارة المناقصات. وبحسب محضر جلسة التلزيم، فإنه ورد خمسة عروض قُبلت جميعها نظراً إلى استيفائها الشروط المنصوص عليها. بعد فضّ العروض تبيّن أن العرض الأدنى هو من شركة «الجنوب للإعمار» بقيمة 4.88 مليارات ليرة، والعرض الذي يليها لشركة «الجهاد للتجارة والتعهدات» بقيمة 5.4 مليارات ليرة، والعرض الذي يلي لشركة «خوري للمقاولات» بقيمة 5.5 مليارات ليرة...

رغم ذلك، قرّر وزير الأشغال في حينه، غازي زعيتر، الاستعانة بالاستشاري الذي أبلغه أنَّ سعر الجنوب للإعمار هو أقل بنسبة 35% من الكلفة التقديرية. وبالاستناد إلى ذلك، أصدر زعيتر القرار 2012/6 الذي يلغي نتائج المناقصة ويستبدل بها استدراج عروض محصوراً دعا إليه الشركات الآتية: الشركة المتحدة للإنماء والتعهدات، مؤسسة يامن للتجارة العامة والمقاولات، مؤسسة نزيه بريدي للهندسة والمقاولات، شركة خوري للمقاولات، شركة فرحات غروب. وبحسب محضر التلزيم، فإنَّ ثلاث شركات قدّمت عروضاً مقبولة، وجرى فتح أسعارها على النحو الآتي: شركة خوري للمقاولات بقيمة 7.99 مليارات ليرة، مؤسسة يامن للتجارة العامة والمقاولات بقيمة 8.5 مليارات ليرة، عرض شركة فرحات غروب بقيمة 8.8 مليارات ليرة. وأُرسي التلزيم على شركة الخوري للمقاولات.

لا مجال للمقارنة بين أسعار المناقصة وأسعار استدراج العروض المحصور، ففي المناقصة التي فازت فيها الجنوب للإعمار، كان السعر 4.88 مليارات ليرة، أما السعر الذي فازت على أساسه الخوري للمقاولات، فهو يبلغ 7.99 مليارات ليرة، أي إنَّ الفرق بينهما 3.11 مليارات ليرة. استدراج العروض المحصور هو الباب الذي سلكته وزارة الأشغال العامة لإقصاء «الجنوب للإعمار»، لكنه باب لا تستطيع أن تخرج منه أمام القضاء، إذ إنَّ مجلس شورى الدولة أصدر في 15 تشرين الأول قراراً بوقف تنفيذ قرار زعيتر رقم 2012/6 الصادر في 16 آذار 2015، بعدما ثبت لديه أن المراجعة تنطوي «على أسباب جدية»، وأنَّ هناك «ضرراً بالغاً لحق بالمستدعي (الجنوب للإعمار)».

 

بالنسبة إلى زعيتر، تصرّف كأن قرار مجلس الشورى ليس موجوداً، واستمر بعملية التلزيم لشركة خوري للمقاولات. لكن القضية لم تنتهِ عند هذا الحدّ، فالتحقيقات لدى مجلس شورى الدولة استمرّت وفق المسار القانوني الذي ينتهي بصدور حكم نهائي ضمن المهلة التي تنتهي يوم السبت المقبل. ضمن هذا المسار، يصدر تقرير للمستشارة المكلفة إجراء التحقيقات، وهو التقرير الذي يحدّد وجهة القرار النهائي بالدعوى في أغلب الحالات، وهو تقرير ينشر في الجريدة الرسمية مقترناً بموافقة مفوض الحكومة أو برفض المعلل له.

وبالفعل، نُشر تقرير المستشارة في الجريدة الرسمية بتاريخ 6 نيسان الماضي، وجاء مذيلاً بموافقة مفوض الحكومة. درس القرار مجموعة من ادعاءات الشركة المدعية ومن ردود وزارة الأشغال عليها، وخلص إلى القول إنَّ محور هذه القضية يتعلق بما إذا كان «بوسع سلطة التصديق على المناقصات الامتناع عن التعاقد مع الملتزم الذي قدّم أسعاراً أدنى من الأسعار التقديرية للمشروع». ويشير التقرير إلى أنَّ دراسة الأسعار التقديرية الموضوعة من قبل «Liban consult» لإنشاء كامل السنسول الرئيسي لزوم مرفأ عدلون هي 19 مليار ليرة، غير أن أسعار الشركات العارضة كلها التي اشتركت في المناقصة الأولى جاءت أقل من الكلفة التقديرية للمشروع. لا بل تبيّن أنَّ «المناقصة الثانية رست على شركة خوري للمقاولات على أساس السعر المقدم بقيمة 7.882 مليارات ليرة»، أي أقل من الكلفة التقديرية!

لذا، خرجت القاضية ثريا الصلح باستنتاج واحد، مفاده أنَّ «الكلفة التقديرية للمشروع مبالغ فيها، إذ إنه في المناقصتين المنفذتين جاءت أسعار العارضين أدنى منها». وأوضحت القاضية في تقريرها أنَّ تدني أسعار العارضين بالنسبة إلى الكلفة التقديرية، إنما «مرده بحسب الدراسة المشار إليها (ليبان كونسيلت) إلى توافر مصادر للموارد الصخرية وقربها من موقع تنفيذ المرفأ، كما يعود لسياسة الشركة العارضة لجهة احتساب كمية الربح وتأمين العمل لمعدات الشركة ويدها العاملة وجهازها الفني».

وتشير القاضية إلى أنَّ تدني أسعار العرض بالنسبة إلى الكلفة الإجمالية للمشروع «له أسباب واقعية تبرره، وطالما أنَّ الإدارة في العقود الإدارية تمتلك سلطات واسعة تمكنها من مراقبة التنفيذ وفرض عقوبات بحق المتلكئ تأميناً لحسن التنفيذ، وطالما أنَّ القانون لم يعتبر التقدّم بأسعار أدنى من السعر التقديري سبباً لرفض الالتزام الراهن في مناقصات أخرى، فإنَّ قرار وزير الأشغال العامة والنقل المطعون فيه يكون بناءً على كل ذلك، غير شرعي ومستوجب الإبطال».

إذاً، ما هي الخطوة التالية لشركة الجنوب للإعمار بعد صدور تقرير المستشارة؟ يجيب وكيل الشركة المحامي علي كمال عبّاس، أن تقرير المستشارة هو تأكيد لصحّة قرار وقف التنفيذ الذي امتنع الوزير عن تنفيذه مرتين، وهذا يثبت ويحفظ حق الشركة بالمطالبة بعطل وضرر بعد صدور القرار النهائي المتوقع في خلال شهر أيار. «الشركة تعدّ حالياً الإجراءات للمطالبة بعطل وضرر نتيجة إلغاء المناقصة بقيمة توازي قيمة المشروع، وهذا الأمر يعني أنَّ كلفة المشروع باتت مضاعفة، وهو يستدعي تحرك النيابة العامة المالية للتحقيق في هدر المال العام».

 

المصدر : جريدة الاخبار

 

 

فُخّخت موازنة 2017 بمادتين عن صندوق الضمان الاجتماعي ستكون لهما مفاعيل سلبية على تدفقاته المالية. اكتشاف وجود هاتين المادتين جاء بعد إحالة مشروع الموازنة إلى مجلس النواب، وكان أمراً مفاجئاً لمسؤولي الضمان وللنقابات العمالية الذين بدأوا تحرّكاً اعتراضياً، بالتزامن مع عقد لجنة المال والموازنة أول جلسة لنقاش الموازنة

محمد وهبة
 

يمرّ مشروع موازنة 2017 بامتحان «خاص» في الشارع، تزامناً مع بدء درسه في لجنة المال والموازنة صباح اليوم. جلسة اللجنة النيابية مخصصة للنقاش العام في المشروع، فيما لدى نقابة مستخدمي الضمان جدول يتضمن إضراباً عن العمل واعتصاماً في ساحة رياض الصلح، بمشاركة اتحادات ونقابات عمالية عدّة، احتجاجاً على إدراج المادتين 54 و68 ضمن الموازنة بسبب تداعياتهما الخطيرة على التدفقات المالية للصندوق.

إلى جانب من سيقف النواب ابتداءً من اليوم؟ إلى جانب العمّال أم أصحاب العمل؟ الوقوف في الوسط يوازي الوقوع في ارتكاب «إثم» الوقوف إلى جانب أصحاب العمل، لأن ما هو على المحكّ اليوم يمسّ التدفقات المالية في صندوق الضمان وتقديماته التي يستفيد منها أكثر من 1.4 مليون شخص في لبنان.

القصّة بدأت بعملية «دسّ» لإمرار تعديلات على قانون الضمان تحوّله إلى صندوق على طريق الإفلاس. فالمادة 54 تلغي موجب استحصال أصحاب العمل على براءة ذمّة لإثبات تسديد متوجباتهم للضمان، وهي الأداة الوحيدة التي يستعملها الصندوق لضمان التزام أصحاب العمل بتسديد الاشتراكات، والمادة 68 تتضمن فقرة تلغي الفوائد المترتبة للصندوق عن تقسيط المبالغ المتوجبة على الدولة اللبنانية تجاه الضمان، وتتضمن فقرة ثانية تمنع فتح صناديق الضمان إلا بقرار مجلس الوزراء، أي ببساطة تتيح للسلطة السياسية إخضاع الصندوق لسيطرتها الكليّة بعد خنقه مالياً على مدى السنوات الـ 16 الماضية.

لن يفلس الصندوق، اليوم، بسبب هذه التعديلات، إلا أنه سيكون عرضة للإفلاس في السنوات المقبلة، تماماً كما حصل عندما قرّرت السلطة السياسية خفض الاشتراكات بنسبة 50% في عام 2001 بحجّة أن الصندوق فيه فائض من الأموال وأن أصحاب العمل يمرّون بضائقة مالية ويتوجب مساعدتهم، إلا أن السنوات اللاحقة كشفت عن تراكم العجز إلى يومنا هذا حتى بلغ مليار دولار، أي ما يوازي 81% من مجموع تقديمات الصندوق، من دون أن تتحرّك السلطة السياسية لتعيد مستوى الاشتراكات إلى مستوى يغطّي كلفة التقديمات في الصندوق.

في ظل هذا الواقع، تم إدراج المادة 54 ضمن مشروع الموازنة أثناء مناقشات مجلس الوزراء لمشروع الموازنة بشكل عرضي، علماً بأن المادة 86 كانت مدرجة في غالبية مشاريع قوانين الموازنة وكانت على مرأى من الجميع من دون أي اعتراض عليها.

هذه كانت المفاجأة الأولى، أما المفاجأة الثانية التي حسمت الشكوك بارتباط أصحاب العمل بعملية «دسّ» المادة 54 ضمن مشروع الموازنة بالاتفاق مع بعض السياسيين، أن ممثلي أصحاب العمل في مجلس إدارة الصندوق قدّموا اقتراحاً لضرب نظام براءات الذمة من خلال تحويل مطلب خاص بمستشفى الجامعة الأميركية إلى اقتراح الموافقة على منح براءات الذمّة قبل التدقيق في أرصدة الديون المتوجبة عليها عن فترات سابقة.

في الواقع، نجح ممثلو العمّال في إمرار جزئي لهذا الاقتراح، إذ إن هيئة مكتب الضمان «أخذت علماً» بالتدبير المتخذ والقاضي باعتبار الأرصدة والسندات غير الموجودة في محفظة السندات العائدة لفترات سابقة لما قبل عام 2007 والواردة في كشوفات حساب المؤسسات لن تحول دون إعطاء إفادة براءة ذمة محصورة إلى المؤسسات التي سبق أن حصلت على براءات ذمة محصورة أو شاملة، إلى حين الانتهاء من عملية التدقيق في هذه الأرصدة».

في هذا السياق، كانت نقابة مستخدمي الضمان قد دعت إلى تنفيذ إضراب عن العمل واعتصام في ساحة رياض الصلح، تزامناً مع انعقاد جلسة للجنة المال والموازنة، ودفاعاً عن الضمان الاجتماعي وحمايته من الأيدي الطامعة في أموال المضمونين وتعويضاتهم».

على أي حال، يقول مصدر نيابي إن جلسة لجنة المال والموازنة ستكون جلسة نقاش عام لن تتطرق إلى النقاش التفصيلي للمواد القانونية الواردة في المشروع، رغم أن بعض النواب قد يثيرون هذه المسألة إلى جانب مواضيع أخرى متصلة بالمالية العامة والضرائب وسواها. وقد سبقت هذه الجلسة اتصالات؛ أبرزها بين المدير العام للضمان محمد كركي ورئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان. وتبلّغ كركي من كنعان أنه فور تقدّم النقاش في الموازنة نحو المواد المتعلقة بالضمان، سيدعى كركي والمعنيون إلى حضور هذه الجلسة.

أهمية هذا الموضوع تستند إلى كون المادة 54 لم ترد في مشاريع الموازنات السابقة، بل كانت مجرّد فكرة حاولت وزارة المال أكثر من مرّة إمرارها إرضاءً لمطالب الهيئات الاقتصادية وأصحاب العمل الذين وضعوا ثقلهم لإلغاء هذا الموجب الذي يفرض عليهم تسديد اشتراكاتهم والتصريح للصندوق عن أجرائهم. هذا الإجراء القهري، أي موجب الاستحصال على براءة ذمّة من الضمان الاجتماعي لإثبات تسديد الاشتراكات، كان قد أقرّ في عام 1983 من أجل وقف تمادي أصحاب العمل في التهرّب من تسديد المتوجبات للضمان الاجتماعي ومن أجل إجبارهم على التصريح للصندوق، وبالتالي فإن إبطاله اليوم هو بمثابة إجراء قهري بحق صندوق الضمان.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

 

فُخّخت موازنة 2017 بمادتين عن صندوق الضمان الاجتماعي ستكون لهما مفاعيل سلبية على تدفقاته المالية. اكتشاف وجود هاتين المادتين جاء بعد إحالة مشروع الموازنة إلى مجلس النواب، وكان أمراً مفاجئاً لمسؤولي الضمان وللنقابات العمالية الذين بدأوا تحرّكاً اعتراضياً، بالتزامن مع عقد لجنة المال والموازنة أول جلسة لنقاش الموازنة

محمد وهبة
 

يمرّ مشروع موازنة 2017 بامتحان «خاص» في الشارع، تزامناً مع بدء درسه في لجنة المال والموازنة صباح اليوم. جلسة اللجنة النيابية مخصصة للنقاش العام في المشروع، فيما لدى نقابة مستخدمي الضمان جدول يتضمن إضراباً عن العمل واعتصاماً في ساحة رياض الصلح، بمشاركة اتحادات ونقابات عمالية عدّة، احتجاجاً على إدراج المادتين 54 و68 ضمن الموازنة بسبب تداعياتهما الخطيرة على التدفقات المالية للصندوق.

إلى جانب من سيقف النواب ابتداءً من اليوم؟ إلى جانب العمّال أم أصحاب العمل؟ الوقوف في الوسط يوازي الوقوع في ارتكاب «إثم» الوقوف إلى جانب أصحاب العمل، لأن ما هو على المحكّ اليوم يمسّ التدفقات المالية في صندوق الضمان وتقديماته التي يستفيد منها أكثر من 1.4 مليون شخص في لبنان.

القصّة بدأت بعملية «دسّ» لإمرار تعديلات على قانون الضمان تحوّله إلى صندوق على طريق الإفلاس. فالمادة 54 تلغي موجب استحصال أصحاب العمل على براءة ذمّة لإثبات تسديد متوجباتهم للضمان، وهي الأداة الوحيدة التي يستعملها الصندوق لضمان التزام أصحاب العمل بتسديد الاشتراكات، والمادة 68 تتضمن فقرة تلغي الفوائد المترتبة للصندوق عن تقسيط المبالغ المتوجبة على الدولة اللبنانية تجاه الضمان، وتتضمن فقرة ثانية تمنع فتح صناديق الضمان إلا بقرار مجلس الوزراء، أي ببساطة تتيح للسلطة السياسية إخضاع الصندوق لسيطرتها الكليّة بعد خنقه مالياً على مدى السنوات الـ 16 الماضية.

 

لن يفلس الصندوق، اليوم، بسبب هذه التعديلات، إلا أنه سيكون عرضة للإفلاس في السنوات المقبلة، تماماً كما حصل عندما قرّرت السلطة السياسية خفض الاشتراكات بنسبة 50% في عام 2001 بحجّة أن الصندوق فيه فائض من الأموال وأن أصحاب العمل يمرّون بضائقة مالية ويتوجب مساعدتهم، إلا أن السنوات اللاحقة كشفت عن تراكم العجز إلى يومنا هذا حتى بلغ مليار دولار، أي ما يوازي 81% من مجموع تقديمات الصندوق، من دون أن تتحرّك السلطة السياسية لتعيد مستوى الاشتراكات إلى مستوى يغطّي كلفة التقديمات في الصندوق.

في ظل هذا الواقع، تم إدراج المادة 54 ضمن مشروع الموازنة أثناء مناقشات مجلس الوزراء لمشروع الموازنة بشكل عرضي، علماً بأن المادة 86 كانت مدرجة في غالبية مشاريع قوانين الموازنة وكانت على مرأى من الجميع من دون أي اعتراض عليها.

هذه كانت المفاجأة الأولى، أما المفاجأة الثانية التي حسمت الشكوك بارتباط أصحاب العمل بعملية «دسّ» المادة 54 ضمن مشروع الموازنة بالاتفاق مع بعض السياسيين، أن ممثلي أصحاب العمل في مجلس إدارة الصندوق قدّموا اقتراحاً لضرب نظام براءات الذمة من خلال تحويل مطلب خاص بمستشفى الجامعة الأميركية إلى اقتراح الموافقة على منح براءات الذمّة قبل التدقيق في أرصدة الديون المتوجبة عليها عن فترات سابقة.

في الواقع، نجح ممثلو العمّال في إمرار جزئي لهذا الاقتراح، إذ إن هيئة مكتب الضمان «أخذت علماً» بالتدبير المتخذ والقاضي باعتبار الأرصدة والسندات غير الموجودة في محفظة السندات العائدة لفترات سابقة لما قبل عام 2007 والواردة في كشوفات حساب المؤسسات لن تحول دون إعطاء إفادة براءة ذمة محصورة إلى المؤسسات التي سبق أن حصلت على براءات ذمة محصورة أو شاملة، إلى حين الانتهاء من عملية التدقيق في هذه الأرصدة».

في هذا السياق، كانت نقابة مستخدمي الضمان قد دعت إلى تنفيذ إضراب عن العمل واعتصام في ساحة رياض الصلح، تزامناً مع انعقاد جلسة للجنة المال والموازنة، ودفاعاً عن الضمان الاجتماعي وحمايته من الأيدي الطامعة في أموال المضمونين وتعويضاتهم».

على أي حال، يقول مصدر نيابي إن جلسة لجنة المال والموازنة ستكون جلسة نقاش عام لن تتطرق إلى النقاش التفصيلي للمواد القانونية الواردة في المشروع، رغم أن بعض النواب قد يثيرون هذه المسألة إلى جانب مواضيع أخرى متصلة بالمالية العامة والضرائب وسواها. وقد سبقت هذه الجلسة اتصالات؛ أبرزها بين المدير العام للضمان محمد كركي ورئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان. وتبلّغ كركي من كنعان أنه فور تقدّم النقاش في الموازنة نحو المواد المتعلقة بالضمان، سيدعى كركي والمعنيون إلى حضور هذه الجلسة.

أهمية هذا الموضوع تستند إلى كون المادة 54 لم ترد في مشاريع الموازنات السابقة، بل كانت مجرّد فكرة حاولت وزارة المال أكثر من مرّة إمرارها إرضاءً لمطالب الهيئات الاقتصادية وأصحاب العمل الذين وضعوا ثقلهم لإلغاء هذا الموجب الذي يفرض عليهم تسديد اشتراكاتهم والتصريح للصندوق عن أجرائهم. هذا الإجراء القهري، أي موجب الاستحصال على براءة ذمّة من الضمان الاجتماعي لإثبات تسديد الاشتراكات، كان قد أقرّ في عام 1983 من أجل وقف تمادي أصحاب العمل في التهرّب من تسديد المتوجبات للضمان الاجتماعي ومن أجل إجبارهم على التصريح للصندوق، وبالتالي فإن إبطاله اليوم هو بمثابة إجراء قهري بحق صندوق الضمان.

المصدر: جريدة الاخبار

 

أقرّت المادّة 54 من مشروع قانون موازنة 2017 من دون أي نقاش جدي في مجلس الوزراء، لا بل إن بعض الوزراء الذين استفسروا عنها قيل لهم إنها مادة تضمن حقوق الضمان (!) فيما هي تلغي موجب الاستحصال على براءة الذمة من الضمان الاجتماعي، أي أنها تلغي الأداة الوحيدة التي يستعملها الصندوق لضمان انتظام المؤسسات بالتصريح عن أجرائها وتسديد الاشتراكات. هذه المادة تندرج في سياق عمليات قضم الضمان التي بدأت مع خفض الاشتراكات بنسبة 50% في 2001، وتستكمل اليوم بإجراءات تخدم التهرّب الضريبي بدلاً من مكافحته!

محمد وهبة
 

لم يكن صدفة إدراج المادة 54 في مشروع قانون موازنة 2017، بل كانت عملية «دسّ» عن سابق تصوّر وتصميم، لا هدف لها سوى خدمة مصالح أصحاب العمل اللاهثين وراء القضمة الثانية من صندوق الضمان، بعد القضمة الأولى في 2001 حين أقرّت الحكومة مرسوم خفض الاشتراكات بنسبة 50%.

القضمة الأولى منحت أصحاب العمل زيادات كبيرة في الأرباح، إلا أنها أنهكت ضمان المرض والأمومة والتعويضات العائلية بديون هائلة مُوّلت بسحوبات مخالفة للقانون من فرع نهاية الخدمة حتى بلغت قيمتها المتراكمة 1510 مليارات ليرة حتى نهاية 2015. أما القضمة الثانية، المطروحة اليوم عبر المادة 54 من مشروع قانون الموازنة، فسيكون أثرها أكثر فتكاً لأنها تحرم الضمان من أداة الضغط الوحيدة لإجبار المؤسسات المسجّلة في الضمان على تسديد متوجباتها المالية للصندوق وإجبار المؤسسات غير المسجلة على التصريح عندما تضطر الى الاستحصال على براءة ذمة في تعاملاتها مع الدولة.

عبارة تشطب قانون!

يتضمن مشروع قانون موازنة 2017 المحال إلى مجلس النواب بعدما أقرّه مجلس الوزراء المادة 54 التي تنصّ على الآتي: «خلافاً لأي نصّ آخر، يُحصر موجب الحصول على براءة ذمة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المنصوص عليها في المادة 65 من قانون الضمان الاجتماعي الصادر بالمرسوم رقم 13955 تاريخ 26/9/1963 بحالتي تصفية وحلّ المؤسسات».

هذه المادة لم تكن واردة في مشروع موازنة 2017 الذي أحيل إلى مجلس الوزراء، بل أدرجت لاحقاً. طريقة «الدسّ»، واللغة القانونية المستعملة باختصار، تعيد إلى الأذهان سلوكاً دأبت عليه بعض القوى التي سيطرت على وزارة المال خلال العقدين الأخيرين. فقد استخدمت عبارة «خلافاً لأي نصّ آخر» مراراً لشطب وإلغاء مواد قانونية تعد أساسية في صلب بعض القوانين، لكنها شطبت بشحطة قلم من دون إثارة أي انتباه بعد تضمينها في مشروع الموازنة إلى جانب عشرات المواد القانونية.

 

هذا الأمر يتكرّر اليوم مع المادة 54. بعبارة واحدة، ألغيت مفاعيل المادة 65 من قانون الضمان التي تتضمن أربع فقرات تتحدث عن وجوب استحصال أصحاب العمل على براءة ذمّة لإثبات تسديد الاشتراكات والموجبات المالية المترتبة عليهم للصندوق، وتميّز بين براءة الذمّة المحصورة وبراءة الذمة الشاملة، وتحدّد المعاملات التي تستوجب الاستحصال على براءة الذمة على النحو الآتي:

معاملات السجل التجاري، معاملات التسجيل في غرف التجارة والصناعة، المعاملات العقارية، معاملات الاستيراد والتصدير وإعادة التصدير والمعاملات الجمركية، معاملات الاشتراك في المناقصات العمومية والمحصورة، استدراجات العروض والاتفاقات بالتراضي لدى إدارات الدولة والمصالح المستقلة والبلديات وسائر المؤسسات العامة، معاملات الاعتمادات المصرفية والقروض التجارية والصناعية والزراعية والسياحية التي تجريها مؤسسات القطاع العام، معاملات المساعدات التي تعطيها أو تمنحها الإدارات العامة وسائر مؤسسات القطاع العام، معاملات تسجيل مؤسسات التعليم الخاص لدى وزارة التربية الوطنية، معاملات دفع المنح للمدارس الخاصة المجانية، تجديد دفتر السيارة العمومية أو إخضاعها للمعاينة الميكانيكية، حالات نقل ملكية اللوحة العمومية أو حصول تغييرات في ملكيتها.

 

توسيع التهرّب

في الواقع، إن إقرار العمل بوجوب استحصال أصحاب العمل على براءة الذمّة من صندوق الضمان كان له مبررات واقعية لا تزال تنطبق اليوم. ففي عام 1982، وبسبب تراكم الديون على أصحاب العمل نتيجة الظروف القائمة أمنياً واقتصادياً ونقدياً، أقرّ العمل ببراءة الذمة لاعتبارها وسيلة تمنع تراكم الديون على أصحاب العمل، وتشجعهم على تسديد ما يتوجب عليهم للضمان، فضلاً عن كونها وسيلة تمثّل ضمانة للصندوق مقابل الديون بذمّة المؤسسات.

ظروف الثمانينيات لا تزال نفسها جاثمة اليوم على الصندوق، لا بل إنه في ظل تفشّي الفوضى والهدر والفساد والتدخلات السياسية في الضمان، أصبحت الحاجة أكبر إلى تطوير وخلق أدوات إضافية لتحفيز المؤسسات على التصريح للضمان والانتظام في تسديد المتوجبات المالية. براءة الذمّة بوصفها أداة قهرية وحيدة بيد الضمان في وجه المتهرّبين من التسديد لم تعد كافية، وهذا ما تدلّ عليه إحصاءات مصلحة براءة الذمة. ففي عام 2016 أصدر الصندوق نحو 36 ألف براءة ذمة في 7 مراكز من النوعين المحصورة والشاملة، أي ما يوازي 71% من المؤسسات المسجّلة في الصندوق والبالغ عددها 50689 مؤسسة؛ بينها 7881 مؤسسة تصرّح عن عدد أجراء يفوق العشرة، و42808 يقل عن عشرة أجراء.

هذه الأرقام تعني أن التهرّب من الضمان كبير جداً، ولا سيما مقارنة مع عدد المؤسسات الكبير المصرّح عنه لوزارة المال والذي تخطّى 200 ألف مؤسسة بينها 1100 مؤسسة في دائرة كبار المكلفين وحدها (تشمل هذه الأرقام المؤسسات المالية من مصارف وشركات تأمين ووساطة مالية وشركات الأموال)، وبالتالي فإن المؤسسات التي يفوق عدد أجرائها عن 10 يزيد بكثير عن 10 آلاف مؤسسة. لذا، كان الأجدر بالوزراء المعنيين وبمجلس الوزراء وبمجلس النواب أن يحاسبوا الضمان على هذا التقصير الفادح، وأن يسدّوا الثغرات التي تتيح التهرب عبر خلق وتطوير أدوات إضافية لإجبار المؤسسات المتهرّبة على التصريح للضمان عن أعمالها وعن أجرائها، إلا أن الوزراء المعنيين ومجلس الوزراء ذهبوا في اتجاه توسيع التهرّب!

الأثر المالي

إلغاء موجب الاستحصال على براءة الذمة المالية ستكون له مفاعيل خطيرة على التدفقات المالية في الضمان، فهو يعني أن المؤسسات التي كانت تحصل على براءات الذمّة إجبارياً بسبب اضطرارها إلى إبراز براءة الذمة ضمن أوراق الاستيراد والتصدير والمشاركة في المناقصات وسواها، لن تكون مجبرة بعد إقرار هذه المادة على الاستحصال على براءة ذمّة إلا إذا كانت ستغلق أبوابها وتصفّي أعمالها. هذا الأمر سيؤدي إلى انخفاض خطير في نسبة المنتظمين في تسديد الاشتراكات، ما يؤدي تلقائياً إلى تراجع الإيرادات السنوية لفرعَي ضمان المرض والأمومة، فيما ستلجأ إدارة الضمان إلى تمويل عجز التقديمات الصحية والعائلية بزيادة سحب الأموال من فرع نهاية الخدمة، أي من مدخرات الأجراء.

وبحسب قطع الحساب في الضمان، فإن مجمل إيرادات فرعَي ضمان المرض والأمومة في عام 2015 بلغت 1093 مليار ليرة مقابل تقديمات بقيمة 1416 مليار ليرة، أي أن العجز بلغ 322 مليار ليرة في 2015. وقد بلغت قيمة المسحوبات من فرع نهاية الخدمة لتمويل العجز المتراكم ما قيمته 1510 مليارات ليرة، فائدتها السنوية تبلغ 100 مليار ليرة، ما يعني أن إلغاء براءة الذمّة ستكون له مفاعيل سلبية قاسية على التدفقات المالية وعلى نموّ العجز. هذا العجز، بدأ أصلاً، بسبب خفض الاشتراكات بنسبة 50% التي مثّلت القضمة الأولى لمقدرات الضمان، أما القضمة الثانية المتمثلة في إلغاء براءة الذمة فقد تكون قاضية.


الوضع المالي في صندوق الضمان استناداً إلى قطع حساب 2015

 


كركي: الضمان في خطر شديد

يقول المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، محمد كركي، إن مشروع قانون موازنة 2017 تضمن مادتين قانونيتين تنطويان على درجة كبيرة من الخطورة على الصندوق لأنهما تعدلان ثلاثة أمور أساسية في عمل الصندوق على النحو الآتي:

ــ المادة 68 تتحدّث عن تقسيط ديون الدولة للضمان لعشر سنوات ابتداء من 2009 بالاستناد إلى القانون 753/2006 الذي يجيز للحكومة تقسيط المبالغ المتوجبة عليها، إلا أن هذه المادة أعفت الدين من الخضوع للفائدة القانونية ومن زيادات التأخير خلافاً لما ورد في القانون 753. وبحسب كركي، فإن ديون الدولة للضمان بلغت 1900 مليار ليرة في نهاية 2015، وهي مموّلة من تعويضات نهاية الخدمة، وتخضع لفائدة قانونية تساوي 100 مليار ليرة سنوياً، وبالتالي لا بدّ من أن تخضع هذه الديون للفائدة ولزيادات التأخير كما حصل أيام إقرار القانون 753 الذي كان يتضمن التقسيط لمدة 20 سنة بلا فوائد، لكن الرئيس السابق إميل لحود ردّه وفرض مهلة 10 سنوات للتقسيط وفائدة نسبتها 5%. «الأفضل أن يعالج هذا الموضوع من دون التقسيط، إذ بإمكان الدولة أن تدفع للضمان عبر سندات الخزينة» يقترح كركي.

ــ المادة 68 تضمنت أيضاً فقرة عن عدم الاستفادة من فتح الصناديق إلا بقرار يصدر عن مجلس الوزراء. في رأي كركي، إن هذه المادة غامضة، فلماذا يجب أن تكون مباشرة التقديمات في مطلع السنة بقرار من مجلس الوزراء، ألا يضرب هذا الأمر استقلالية الضمان ويربط حصول المضمونين على التقديمات بالقرار السياسي؟ أليست هذه محاولة لوضع اليد على الضمان؟

ــ المادة 54 هي الأكثر خطورة، لأنها تحصر إعطاء براءات الذمة في حالتَي تصفية المؤسسة وحلّها، وهاتان الحالتان نادرتان أصلاً في الضمان. إلغاء موجب الحصول على براءة ذمة من الضمان يتزامن مع امتناع الدولة عن تسديد المستحقات المالية عليها للصندوق، ثم تفتح الباب أمام المؤسسات الخاصة للامتناع أيضاً. المشهد خطير، فهناك قسم كبير من المؤسسات ستتوقف عن الانتظام في تسديد المتوجبات المالية للصندوق بعد إلغاء براءة الذمة وسيتأخّر التحصيل في الضمان لسنوات عديدة، ما يضعه في خطير شديد.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة