يقوم مصرف لبنان بخلق كميات كبيرة من النقد (طباعته) في سبيل تمويل كلفة عملياته الجارية مع المصارف تحت اسم «الهندسة المالية». يعدّ الاقتصاديون هذا النوع من التمويل بمثابة «أبغض الحلال»، نظراً إلى انعكاساته التضخمية على الأسعار وآثاره السلبية على الاقتصاد وطابعه الريعي بامتياز. وعلى الرغم من ذلك، لم تثر هذه العمليات الجدل نفسه الذي أثارته سلسلة الرتب والرواتب للعاملين في القطاع العام. ففيما ترحّب القوى المسيطرة على الاقتصاد بالعمليات المذكورة، تتكتل في الوقت نفسه ضد السلسلة بحجّة آثارها التضخمية، علماً بأن تمويل السلسلة سيكون عبر الضرائب، وليس عبر خلق النقد، وكلفتها ستتوزع على عدد كبير من الأسر، وليس على عدد محدود جداً من كبار المصرفيين المودعين، كما هي حال أرباح «الهندسة المالية»

محمد وهبة
 

جدّدت الهندسات المالية التي ينفذها مصرف لبنان نقاشاً قديماً يتناول اهداف السياسة النقدية. ففي الأصل تقوم هذه السياسة، كما حدّدها مصرف لبنان، على استقطاب الدولارات من الخارج من أجل تمويل الاستهلاك المحلّي. هذا الكلام يعني أن لبنان يستهلك سلعاً بقيمة 18مليار دولار ويصدّر بقيمة 3 مليارات دولار، أي إنه بحاجة إلى 15 مليار دولار لتمويل الفارق بين الاستيراد والتصدير. يحصل لبنان على حاجته من الدولارات بواسطة تحويلات المغتربين والاستثمارات المباشرة وأنواع أخرى من التدفقات الرأسمالية، أو بمعنى أوضح، يركّز جهوده على زيادة الودائع بالعملات الاجنبية.

هكذا حدّد مصرف لبنان هدفه الاول منذ مطلع التسعينيات بالحفاظ على التدفقات من الخارج، مكرّساً تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار كوسيلة من الوسائل لتحقيق هذه الهدف. وفي هذا الاطار ينفذ «هندساته»، وآخرها العمليات التي بدأ بتنفيذها منذ حزيران 2016 وتستمر إلى اليوم، والتي أدّت إلى خلق كمية كبيرة من النقد الدفتري تقدّر بنحو 32 ألف مليار ليرة، منها نحو 9000 مليار ليرة أرباحاً جُيّرت الى المصارف وكبار المودعين، وهم من أبرز المعترضين على إقرار سلسلة الرتب والرواتب للعاملين في القطاع العام، علماً بأن كلفة الاخيرة لا تتجاوز الفي مليار ليرة، ويمكن تمويلها من الضرائب على الريوع.

 

انطلاقاً من هذه المفارقة، يُطرح سؤال: لماذا يُسمح لمصرف لبنان بخلق النقد لتمويل سياساته النقدية التي تشجّع الريوع، وليس مقبولاً فرض الضرائب على الريوع لتمويل حقوق نحو 200 ألف مستفيد من السلسلة؟

لقد بات معروفاً أن مصرف لبنان يقوم منذ حزيران الماضي بشراء سندات دين بالليرة تحملها المصارف في مقابل أن تقوم المصارف بشراء سندات دين بالدولار يحملها مصرف لبنان أو شهادات إيداع جديدة يصدرها. الهدف المعلن من هذه العمليات هو استقطاب المزيد من العملات الاجنبية لزيادة موجودات البنك المركزي منها، الا انها تدرّ أرباحاً للمشتركين فيها تبلغ وسطياً معدّل 39%، ويجري تمويل هذه الارباح عبر طبع العملة اللبنانية. اللافت أن هذه الهندسة لم تتوقف بعد، ما يعني أن عملية خلق النقد والسيولة متواصلة، وهي تدفع مصرف لبنان إلى امتصاصها من خلال إيداعها لديه أو الاكتتاب بشهادات إيداع لخمس سنوات بفائدة 5.5%.

في المقابل، جمّد النقاش في شأن سلسلة الرتب والرواتب، المطروحة منذ عام 2012، بحجّة كلفتها المرتفعة ومصادر تمويلها، إذ يتذرع المعترضون بأن تمويلها من الخزينة العامة غير متاح بسبب العجز والقلق من ارتفاع وتيرة الدين العام، فضلاً عن محاذير نقدية واسعة من جراء خلق النقد لتمويل الاستهلاك، ولكنهم يعترضون على أي اقتطاع ضريبي يطال الأرباح العقارية والفوائد المصرفية وأرباح الشركات كبديل من خلق النقد لتمويل السلسلة.

يرفض المعترضون على السلسلة مقارنتها بالهندسة المالية الجارية. يقرّ هؤلاء بأن تسديد كلفة الهندسة من ميزانية مصرف لبنان ينطوي على عملية طبع للنقد أو خلق للنقد. إلا أنهم يقللون من الأثر التضخمي لهذه العمليات ذات الحجم الهائل، في ظل لجوء مصرف لبنان إلى امتصاص السيولة التي يخلقها سريعاً. ويكررون أن ضخّ السيولة بالليرة في السوق سيؤدي حكماً إلى زيادة الطلب على الدولار، وبالتالي رفع سعر الفائدة.

للأسف استُعمل القلق النقدي لإطاحة السلسلة، ولكنه يُستعمل اليوم لتبرير الهندسة المالية. السياسيون عاجزون عن رؤية هذا الأمر وفهمه، تماماً كما هم عاجزون عن فهم الهندسات المالية وأثرها!

لم تطرأ تعديلات واسعة على عقد العمل الجماعي، الذي وقّع أمس، بين نقابة اتحاد موظفي المصارف وجمعية مصارف لبنان. أبرز ما ورد في العقد الجديد هو الاتفاق على الآلية التنفيذية لتطبيق نظام استشفائي بعد سن التقاعد، فيما اتفق الطرفان، من خارج العقد، على معالجة خروقات المصارف للعقد

محمد وهبة
 

وقّعت جمعية مصارف لبنان ونقابة موظفي المصارف عقد العمل الجماعي عن الفترة 2016-2017. العنصر الوحيد المتغيّر في هذا العقد مقارنة مع العقد السابق 2013-2014 يتعلق بالمادة 49، التي كانت نقطة خلاف بين الطرفين، ومحورها إدارة الصندوق التعاضدي الاستشفائي الذي أنشأته النقابة، والذي يؤمّن لموظفي المصارف الاستشفاء بعد التقاعد.

الاتفاق يتضمن الصيغة التنفيذية لتطبيق نظام الاستشفاء بعد سن التقاعد، وهو يأتي بعد مفاوضات استغرقت سنوات حول إنشاء وإدارة الصندوق التعاضدي الاستشفائي.

في البدء كانت جمعية المصارف ترفض هذا الصندوق، إلا أنها تراجعت أثناء توقيع العقد الجماعي 2013-2014، إذ تضمن العقد اعترافاً منها بوجود هذا الصندوق وبحقوق الموظفين في الاستفادة منه بعد بلوغهم سن التقاعد.

رغم ذلك، لم تطبّق بعض المصارف هذا النظام، فضلاً عن أن جمعية المصارف كانت تنظر إلى إنشاء الصندوق على أنه كلفة إضافية لزيادة الأعباء على المصارف. لاحقاً، أعربت الجمعية عن قلقها من ضعف قدرة النقابة على إدارة الصندوق وعلى استعماله في الانتخابات النقابية لنقابة موظفي المصارف واتحاد موظفي المصارف. هواجس الجمعية تبدّدت في المفاوضات الأخيرة، بعدما أظهر اتحاد نقابات موظفي المصارف مرونة في النقاش حول إدارة الصندوق.

وتنصّ المادة 49 من عقد العمل الجماعي على الآتي:

ـــــــ تلتزم المصارف مباشرةً بعد توقيع عقد العمل الجماعي 2016- 2017 أن تؤمن للمستخدمين العاملين لديها حق الاستمرارية الاستشفائية المعروفة بالـCPO Conversion Privilege Options فيستفيدون بعد سن التقاعد من تغطية شركة التأمين المتعاقدة مع المصرف و/ أو الصندوق التعاضدي لموظفي المصارف للاستشفاء من الدرجة الثانية، على أن يتحمّل الموظف كلفة هذه التغطية (قسط التأمين) وأن يمارس هذا الحق كحدّ أقصى خلال فترة تسعين يوماً من تركه العمل. ويحق للموظف شراء الاستمرارية الاستشفائية (CPO) لزوجته على أن يتحمل كلفتها.

ـــــــ يلتزم المصرف بنقل المستخدمين العاملين لديه والذين بلغوا سن التقاعد ومارسوا هذا الحق ضمن المهلة المذكورة أعلاه الى شركة التأمين التي حلّت مكان الشركة المصدرة لحق الاستمرارية (CPO). كما يلتزم المصرف المتعاقد مع شركة التأمين المصدّرة للـ CPO أن يتضمن عقد التأمين البنود الآتية: عدم إدخال أي استثناء Exclusion لم يكن موجوداً من قبل أو عدم إلغاء موظفين مستفيدين من حق الخيار بعد بلوغهم سن التقاعد، تسعير بوليصة الاستشفاء في الدرجة الثانية للراغبين شراءها عند بلوغهم سن التقاعد وتركهم العمل بالاستناد إلى التسعيرة الواردة في جدول الأسعار (وفقاً للفئات العمرية) المصرح به إلى إدارة المصرف والمطبّق من قبل شركة التأمين على مستخدمي المصرف الذين ما زالوا في العمل وعلى المتعاقدين مع المصرف بعد بلوغهم سن التقاعد.

ــــــ إذا كان لدى المصرف نظام خاص (تغطية مصاريف الطبابة والاستشفاء) للمتقاعدين أكثر فائدة للمتقاعدين من نظام الاستشفاء بعد التقاعد الوارد في هذا العقد، يبقى هذا النظام معمولاً به.

وبحسب رئيس جمعية المصارف، جوزف طربيه، فإن تطبيق هذا النظام يأتي «بعدما تحسّست المصارف قلق موظفيها لهاجس الاستشفاء بعد سن التقاعد»، لافتاً إلى أن «المؤسسات المصرفية باتت اليوم، بفضل إقرار آلية تطبيق النظام الاستشفائي للمتقاعدين، من المؤسسات الاقتصادية القليلة في القطاع الخاص التي تؤمن للعاملين فيها تغطية صحية أثناء مزاولة العمل وكذلك الحق بها بعد التقاعد إذا قرّر الموظّف ممارسة هذا الحق». وأضاف طربيه: «الجمعية تنظر بتقدير بالغ إلى صندوق التعاضد الاستشفائي وتتعاطى معه بإيجابية، وقد سبق لها أن عمّمت على المصارف دعوة لتشجيع الانتساب إلى الصندوق، خصوصاً في ضوء الضمانات المعطاة من اتحاد نقابة موظفي المصارف بأن تتعزّز إدارة الصندوق بأصحاب الكفاية والخبرة والنزاهة، وأن تعتمد في تسيير شؤونه أحدث قواعد الحوكمة والشفافية الكفيلة بتأمين توازنه المالي المستدام ومقوّمات استمراريته».

من خارج عقد العمل الجماعي، توصّلت النقابة والجمعية إلى اتفاق حول المشكلة الأكبر المتعلقة بالمصارف التي ترفض تطبيق بنود العقد الجماعي. وفي الواقع، إن هذا المطلب كان محور بحث دائم بين الطرفين، إلا أن موقف الجمعية لم يكن على قدر طموحات النقابة الساعية إلى استفادة كل موظفي المصارف من العقد الجماعي. نقابة المصارف حاولت مراجعة الجمعية، مراراً وتكراراً، عن هذه الخروقات، لكنها لم تتمكن من التوصّل إلى طريقة لمعالجتها. المشكلة تكمن في تملّص الجمعية من مسؤولية «الفرض» على أعضائها، وبالتالي كان الخيار متروكاً للتطبيق الكامل للعقد الجماعي أو التطبيق الجزئي أو التطبيق الكيفي، أو الامتناع عن التطبيق كلياً. بهذه الوضعية حدّدت نقابة الموظفين مجموعة واسعة من الخروقات التي تبدأ بالامتناع عن تطبيق سلم الرتب والرواتب (بعض المصارف تدفع رواتب أقل من المنصوص عنها في العقد) وصولاً إلى المنح العائلية الإضافية (50% إضافية من المنح التي يدفعها الضمان الاجتماعي)، ودوام العمل الذي يسمح بأن يزداد الدوام سبع ساعات أسبوعياً بشرط ألا يكون الأمر دائماً ومتواصلاً (غالبية المصارف جعلت الساعات الإضافية ثابتة ومتواصلة)، أما الزيادات الإدارية فهي الأكثر حراجة، إذ إن بعض الموظفين يحصلون على زيادات إدارية تبلغ قيمتها 7 آلاف ليرة في السنة، وبعضهم تصل كحد أقصى إلى 25 ألف ليرة!

إذاً، كيف ستعالج المشكلة؟ يقول رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف جورج حاج إن «العمل يداً بيد مع جمعية المصارف سيركز على موضوع الخروقات التي تزداد في تطبيق نصوص العقد. وبحسب مصادر مصرفية، فإن اتحاد المصارف تلقّى وعداً خلال المفاوضات بأن تصدر الأمانة العامة لجمعية المصارف تعميماً يوجّه لكل المصارف من أجل تطبيق نصوص العقد الجماعي وتطبيق كامل بنوده.

الحديث عن معالجة الخروقات يعني أنها موجودة منذ توقيع العقد السابق في 2013، وهذا يعني أن المشكلة قائمة منذ ذلك الوقت، فماذا فعلت الجمعية؟ يجيب طربيه: «السؤال مشروع، لكن الجواب مشروع أيضاً؛ فالجمعية ملتزمة بهذا العقد وتطبيقه بشكل كامل». الأمين العام لجمعية المصارف مكرم صادر يقول إن «الخروقات محدودة وليست بالحجم المثار».

تتحكّم شركة «نفتومار»، المملوكة من رجل الأعمال طلال الزين، باستيراد الغاز إلى السوق اللبنانية. يدير الزين كارتيلاً من خمس شركات تتولى التوزيع؛ أبرزها «صيداكو» المملوكة من النائب وليد جنبلاط. قدرة هذا الكارتيل تصل إلى حدود تحويل المديرية العامة للنفط في وزارة الطاقة إلى أداة لخدمة مصالحها، فتمنع منح إجازات الاستيراد للشركات المنافسة، وتسمح بالسيطرة على خزانات غاز تملكها الدولة اللبنانية وتتسع لنحو 700 ألف طن، بالإضافة إلى السيطرة على خزانات القطاع الخاص. يتيح هذا النفوذ تحقيق إيرادات قيمتها مليار دولار

محمد وهبة
 

قبل عام 1991، كان استيراد الغاز بنوعيه الغاز المنزلي «بوتان» والغاز الصناعي «بروبان» من مسؤولية الدولة اللبنانية. هي وحدها كانت تستورد هذه المادة الحيوية، أما التوزيع فكان يتم عبر شركات خاصة وفق كوتا محددة لكلّ منها.

وفي بداية عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، صدر مرسوم يمنح شركة خاصة (يملك أسهمها طلال الزين ورولان الهراوي وآخرون) حق استئجار أرض في منطقة الدورة بمبلغ سنوي 1.410 مليون ليرة لمدّة 99 سنة، وصدر مرسوم ثانٍ يمنح شركة استيراد مشتقات نفطية (يملكها سعدي غندور) حقاً مماثلاً في منطقة طرابلس بالقيمة نفسها. يومها، كان الزين (ولا يزال) هو المورّد الأكبر للغاز عبر البحر الأبيض المتوسط من خلال شركته "نفتومار" التي تأسست في بيروت، ثم انتقلت إلى اليونان.

وجاءت شراكة الزين ــ الهراوي، التي نجم عنها إصدار المرسوم المذكور، لتركّز القطاع بين يدي جهة واحدة عملت على إنشاء خزانات غاز تحت الأرض وفوقها على المساحات المستأجرة "مجاناً" من الدولة، ثم أسّست تجمع "شركات محاصة الغاز". خطّة الزين والهراوي قضت باحتكار استيراد وتوزيع الغاز من خلال احتكار التخزين. التجمّع كان الأداة المناسبة لاستئجار خزانات الغاز المنتشرة على الشاطئ اللبناني، أي تلك التي لديها منفذ بحري يتيح لها استقبال وتفريغ بواخر الغاز المستوردة. واستمرّ هذا الوضع حتى عام 1998 حين تمكّن الزين من الاستحواذ وحده على كل حصة الهراوي وباقي الشركاء، فأبقى على التجمّع كأداة تمنحه الغطاء السياسي والسوقي.

هكذا نشأ كارتيل الغاز في لبنان. هو كارتيل برأس واحد وأذرع عديدة. الرأس، أي نفتومار، كان وليد الوصاية السورية وعهد الهراوي، أمام الأذرع، المؤلفة من: «نوردغاز»، «يونيغاز»، «كالميد غاز»، «صيداكو» و«غاز الشرق»، فقد ولدت كنتيجة للبزنس الناشئ في اقتصاد الحرب الأهلية. استورد هذا الكارتيل الغاز بمعدّل وسطي يبلغ 200 ألف طن سنوياً. الكميات توزّع على 160 شركة تعبئة وفق معايير «السوق الحرّة» وعبرها تصل إلى المستهلك بالسعر الذي تحدّده وزارة الطاقة أسبوعياً. أما معايير التسعير، فتستند إلى جدول تركيب أسعار يحقق للشركات الخمس إيرادات طائلة تفوق 42 مليون دولار سنوياً، أي ما يوازي 1.055 مليار دولار على مدى عقدين ونصف عقد.

القبضة المحكمة

منذ 25 سنة، أحكمت الشركات الخمس قبضتها على التخزين لأهميته الحيوية في مجال الاستيراد، إذ إن تفريغ بواخر الغاز المستورد يتطلب خزانات مفتوحة على منفذ بحري. وهناك نوعان من هذه الخزانات؛ الأول مملوك من الدولة اللبنانية، والثاني من شركات القطاع الخاص:

ــ خزانات الدولة اللبنانية في طرابلس والزهراني تتسع لنحو 3 آلاف طن، وقد استأجرها التجمّع من «منشآت النفط» بمبلغ سنوي يقدّر بنحو 700 ألف دولار، ثم أقفلها لضمان عدم استعمالها من قبل أي شركة أخرى، وضمان عدم وجود خزانات تنافس تلك التي يملكها أو يستأجرها.

ــ خزانات الشركات الخاصة مملوكة بأغلبيتها من الشركات المنضوية في التجمّع، وهناك خزانات مستأجرة ومقفلة على طريقة استئجار خزانات الدولة اللبنانية مثل تلك التي يستأجرها التجمّع من «يونيفرسال غاز» في منطقة عمشيت، أو أنها خزانات مستأجرة وتدار لحساب التجمّع مثل تلك التي يستأجرها التجمّع من شركة ليكويغاز في منطقة نهر الكلب، وهي تتسع لنحو 5 آلاف طن غاز. وبحسب المعطيات السوقية، فإن «نوردغاز» تملك خزاناً يتسع لنحو 4 آلاف طن، ولدى «غاز الشرق» خزانات تتسع لنحو 25 ألف طن في منطقة الدورة، ولدى شركة «صيداكو» خزانات في منطقة الزهراني تتسع لنحو 2500 طن.

«أدوات» رسمية

السيطرة على خزانات الغاز ذات المنفذ البحري هي نصف الطريق. فالكارتيل يسيطر أيضاً على المنافذ البرّية أيضاً. فعلى الرغم من أن الاستيراد البرّي لمادة الغاز بنوعيه، بوتان وبروبان، مسموح بقرار من مجلس الوزراء الرقم 69 الصادر بتاريخ 20/5/2004، إلا أن المديرية العامة للنفط نجحت، حتى الآن في «سدّه» بطرق مختلفة. فهي رفضت منح أي إجازة استيراد برّي للغاز من سوريا أو من تركيا أو من السعودية. وفي الأسابيع الأخيرة، رفضت المديرة العامة للنفط، أورور فغالي، استقبال أي طلب ومنعت تسجيل أي طلب بهذا الخصوص في قلم المديرية. الذريعة الشفهية التي قدّمتها فغالي أنه لا يسمح باستيراد الغاز برّاً، لكن سرعان ما أبرزت الشركات القرار 69 الصادر عن مجلس الوزراء، لكنها لم تقتنع بالأمر. وصل الأمر إلى حدّ أن وزير الطاقة أرتور نظريان طلب استشارة القاضية هدى الحاج المكلفة بالاستشارات القانونية لدى وزارة الطاقة، التي اقترحت عليه «السماح للشركة المستدعية باستيراد مادة غاز النفط المسيل بروبان عن طريق البر، وذلك استناداً إلى قرار مجلس الوزراء...». فغالي ابتدعت طرقاً للامتناع عن التنفيذ، وبدأت تحيل طلبات الشركات إلى وزارة الداخلية والدفاع المدني ومديرية النقل في وزارة الأشغال لاستطلاع رأيهم بحجة السلامة العامة! اللافت أن الشركات التي طلبت إجازة استيراد الغاز تعمل حالياً في مجال نقل الغاز من منطقة إلى أخرى ومن محطة إلى أخرى، أي أن حجة السلامة العامّة ليست ثابتة، وهو ما يجعل موقف فغالي مريباً. تقول مصادر مطلعة إن وزير الطاقة فرض على فغالي استقبال طلبات إجازة الاستيراد، إلا أن المفاجأة كانت بتسجيل عشرات الطلبات في مدة يوم أو اثنين، فمن أين «نبعت» هذه الطلبات؟ لا أحد يملك أي جواب.

النفوذ السياسي

ما هو مصدر نفوذ الشركات المحتكرة؟ ملكية الشركات الخمس وحصصها السوقية تكشف عن هذا الجانب بوضوح:

ــ الحصّة الأكبر تستحوذ عليها شركة صيداكو، إذ تبلغ نحو 100 ألف طن من الغاز سنوياً، أي ما يوازي 40% من الكميات المستوردة إلى لبنان. هذه الشركة مملوكة من النائب وليد جنبلاط، والنائب نعمة طعمة وجورج متى و«غاز لبنان هولدينغ». هذه الأخيرة مملوكة أيضاً من جنبلاط ونعمة ومتى، إلا أن بين مؤسسيها نبيه الصيداني ومحمود الصيداني ونزيه الصيداني الذين يملكون شركة «يونيغاز». وتملك «غاز لبنان»، أيضاً، مجموعة شركات متخصصة بالعمل على الغاز؛ أبرزها "ناتغاز" التي يبرز بين مؤسسيها بيار ميشال فرعون وبيار هنري حلو، إلى جانب جنبلاط وطعمة وغيرهم. أما مالكو «غاز لبنان»، فهم جنبلاط وابنه تيمور وطعمة إلى جانب شركات أجنبية مصدرها «غير محدد» في السجل التجاري وهي: «جستمار أنترناشيونال» (23.88%)، «الوود فيننس انك» (32.99%)، «بندر أوفرسيز انك» (6.99%)، «ارنال فيننس» (36.12%)، وبالتالي تنتهي الملكية في مكان في العالم.

ــ «يونيغاز» مملوكة من محمود الصيداني وغالبية أسهمها مملوكة من شركة يونيغاز غروب ليمتد المسجلة في بريطانيا. وملكية الصيداني لا تقتصر على هذه الشركة في مجال الغاز، بل تمتد إلى شركة «نيوغاز» أيضاً التي تملك 94.6% من أسهمها «مجموعة الصيداني هولدينغ» ويحمل نزيه محمود الصيداني 5% من أسهمها. حصّة «يونيغاز» السوقية تقدّر بنسبة 10% من واردات الغاز.

ــ «غاز الشرق» هي ثاني أكبر الشركات الخمس المحتكرة للغاز في لبنان، إذ تصل حصّتها السوقية إلى 25% من الواردات، وأسهمها مكوّنة من 3 ملايين سهم تتوزّع على «رومسي انترناشيونال» بنسبة 99.99% وعلى رئيس مجلس الإدارة قيصر شحادة رزق الله (سهم واحد) وجورج متى (سهم واحد). «رومسي انترناشيونال» هي شركة أجنبية ويتردد بين مستوردي وتجار الغاز أن ملكيتها تعود إلى طلال الزين نفسه وإلى شركائه متّى ورزق الله.

ــ «نوردغاز» هي الشركة الوحيدة في الشمال، وهي مملوكة من عبد الرزاق حجّة المحسوب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة. حصّتها السوقية تصل إلى 10% من مجمل واردات الغاز.

ــ «كالميد غاز» مملوكة من مارون شماس الذي يرأس مجلس إدارة جمعية مستوردي النفط في لبنان، وهو يملك شركة «مدكو» التي تستحوذ على حصّة سوقية واسعة من تجارة النفط في لبنان. هذه الشركة تعمل منذ عقود في مجال تجارة النفط، ولديها نفوذ واسع مع السياسيين. حصّتها السوقية تبلغ 10% من واردات الغاز.

جدول تركيب الأسعار

الكارتيل يحوّل مصدر النفوذ إلى إيرادات هائلة. المتوسط السنوي لأرباح الشركات يبلغ 42.2 مليون دولار، أي ما يوازي 1.055 مليار دولار خلال السنوات الـ 25 السابقة. هذا المكسب مصدره جدول تركيب الأسعار. الجدول، كما يمكن تعريفه، هو مجموع الأكلاف التي تتكبدها الشركات مقابل استيراد وبيع الغاز في لبنان بالسعر الذي تحدّده وزارة الطاقة أسبوعياً. الجدول يشبه جدول تركيب الأسعار الخاص بالبنزين والمازوت، إلا أن بعض عناصره تختلف لأسباب تقنية.

الجدول يتضمن المصاريف والنقل البحري والتوزيع وأرباح الدكان. من كل طن غاز يدخل إلى لبنان، هناك 25 دولاراً كلفة تخزين، و40 دولاراً تعبئة، و64 دولاراً مصاريف، و55 دولاراً نقل بحري، و27 دولاراً جمارك. مجمل هذه الأكلاف يبلغ 211 دولاراً، يتقاضى المستورد معظمها، بالإضافة الى الأرباح المعلنة. الفرق بين جدول تركيب أسعار الغاز وجدول تركيب أسعار البنزين كبير جداً. كلفة التخزين في البنزين تبلغ 2.70 دولار عن كل طن، أما التعبئة التي تحصل عليها الشركات المستوردة فهي مدرجة في جدول البنزين ضمن «عمولة صاحب المحطة» بقيمة 1900 ليرة عن كل ليتر. أما كلفة النقل فتبلغ 20 دولار عن كل طن، والمصاريف المصرفية تبلغ 1.17 دولاراً... مجموع المصاريف التي تتضمن تأمين وغرامة تأخير ورسم مرفأ ومعاملات جمركية ومراقبة ومختبر وإجازة استيراد ومصاريف بنكية وغيرها، لا تزيد على 12 دولاراً في جدول البنزين، مقارنة مع 64 دولاراً في جدول الغاز. نقل البنزين لا يزيد على 83 دولاراً للطن الواحد، مقابل 55 دولاراً في جدول الغاز.

في المجمل، إن جدول تركيب الغاز أغلى بنحو 127 دولاراً من جدول تركيب البنزين. ليس هناك مبرّر واضح لهذا الفرق، وخصوصاً أن المعاملات والأكلاف متشابهة بينهما تقريباً، مع فارق أساسي أن صاحب المحطة يحصل على جعالة بيع البنزين، وأصحاب الشاحنات يحصلون على جعالة نقل البنزين، وشركات التوزيع تحصل على جعالتها أيضاً، أما جعالة معامل تعبئة الغاز فهي تذهب إلى جيوب الشركات الخمس. الـ 127 دولاراً على الطن الواحد تساوي 25.4 مليون دولار سنوياً، وهي تساوي 635 مليون دولار على مدى السنوات الـ 25 الماضية.


نقابة أصحاب معامل التعبئة

تحاول معامل تعبئة الغاز المنزلي أن تتكتّل لتحصيل حقوقها من المديرية العامة للنفط والشركات المستوردة للغاز. تبيّن لشركات التعبئة أن سعر الغاز الذي تحدّده وزارة الطاقة يكبّدها خسائر تراوح بين 25 دولاراً و40 دولاراً على الطن الواحد. الطريقة الوحيدة لتحقيق ربح في مجال تعبئة الغاز المنزلي للمستهلك، هي في الحصول على حقّها المنصوص عليه في جدول تركيب الأسعار. هو الحق الذي استولت عليه شركات الاستيراد منذ 25 سنة وحققت بفضله أرباحاً بقيمة 40 دولاراً عن كل طن، أي ما يساوي 200 مليون دولار عن السنوات الـ 25 الماضية. شركات التعبئة تعاني من هذه المشكلة، فيما تعلم أن هذه الطريقة الصحيحة للبيع من دون خسارة أو من دون غشّ. الغشّ يعني أن المواطن يدفع الثمن مرتين؛ في المرّة الأولى، يدفعها من خلال جدول تركيب الأسعار، والثانية عندما تستولي شركات الاستيراد على حقوق الغير الواضحة في الجدول. النقابة يرأسها أنطونيو يمّين، ونائب الرئيس حسين أكومي، وأمين السرّ علي زغيب، وأمين الصندوق بول نجّار.

محمد وهبة
 

«ع السكين يا بطيخ». هذه العبارة تختصر تعيينات مديري الفئة الأولى في الضمان. 14 مديرية تسيّر بالوكالة، ما يفسح المجال أمام القوى السياسية والحزبية لتقاسم المديريات كأنها «مغنمة» أو ملكية خاصة لهذه الفئة أو تلك. كل سنة تتطلّب الوكالة قراراً تجديدياً في مجلس إدارة الضمان، ما يجعل المديرين واقعين حكماً تحت سيطرة مجلس الضمان وإدارته ولجنته الفنية.

هكذا عادت كرة تعيين 10 مديرين إلى الضوء مجدداً. إدارة الضمان رفعت، بعد اتصالات سياسية، اقتراحاً يرمي إلى تعيين 10 مديرين بالوكالة هم: حسن شكر لمديرية الإحصاء وتنظيم أساليب العمل، مصطفى عمشة لمديرية ضمان المرض والأمومة، سعيد القعقور لمديرية الإعداد والتدريب، منال شكر للمديرية المالية، ريمون حنا للمديرية المالية، سميرة فارس لمديرية التخطيط والتطوير، منى أندراوس لمديرية شؤون مجلس الإدارة، عايدا معوض لمديرية التفتيش المالي والياس الخوري حنا لمديرية الجودة.

الاتصالات التي سبقت الجلسة كانت تشير إلى أن وزير العمل يرغب في إجراء هذه التعيينات قبل تأليف الحكومة الجديدة ورحيله عن وزارة العمل، وهذا الأمر كان يتطلّب أيضاً أن تكون هذه التعيينات على قياس الأحزب والقوى السياسية الأخرى. لم يكن أحد ينظر إلى السيَر الذاتية للأسماء المقترحة، ولم يكن واضحاً ما هي الكفاءات التي تجعل من الاقتراح نهائياً ولا بديل منه أو لا نقاش فيه. القصّة كما بدت أمس واضحة، فقد جرى تبديل ثلاثة أسماء قبل انعقاد الجلسة بنحو 10 دقائق من أجل تفادي الإحراج الذي تسببه بعض الأسماء التي عليها عقوبات وسيتم تعيينها في مراكز قيادية ومن أجل إرضاء الحزب القومي السوري الاجتماعي.

فالأحزاب الباقية لم تكن تشكو من هذا القرار، إذ إن حصّة أمل معروفة وواضحة، وقد جرى تدارك الاعتراضات التي ساقها ممثلو المستقبل قبل فترة، فجرى منحهم ثلاث مديريات (ضمان المرض والأمومة، الإعداد والتدريب والتفتيش الإداري)، حتى إن القوات اللبنانية أعطيت المركز الأهم في الضمان وهو المديرية المالية وسط اعتراض «عوني» على حصّتهم المتمثلة بمديرية الجودة! والكتائب كان لديها حصّة أيضاً تكرّست بتمنيات وزير العمل بالفوز بالتفتيش المالي. حصّة أمل متوافرة من خلال مديريات لم يستحق أجلها بعد، بالإضافة إلى مديرية الإحصاء وأساليب العمل المشمولة بالاقتراح. أما المديرية الإدارية فكانت من نصيب أحد المطارنة الذي أجرى الاتصالات اللازمة لتعيين ممثّله في الضمان (!) وبالتالي استبدلت الأسماء لثلاث مديريات على النحو الآتي: جوسلين يوسف لشؤون مجلس الإدارة، يوسف أيوب للتخطيط والتطوير ورينيه نادر للتفتيش المالي.

هكذا عقدت جلسة الضمان يوم الخميس الماضي. في بداية الجلسة، عُرض الموضوع على اعتبار أن التصويت عليه كان «تحصيل حاصل» بعد جولة المشاورات والاتصالات التي سبقت عقد الجلسة والتي أدّت إلى اتفاق على الأسماء والتعيين. عندها اعترض عضو مجلس الإدارة فضل الله شريف، مشيراً إلى أن هذا التعيين هو «تهريبة» في عهد جديد وفي ظل حكومة تصريف أعمال، ومطالباً بمناقشة الموضوع. شريف تحدّث عن القرار 36 الصادر عن مجلس الوزراء والقرار 57 اللذين يتيحان إجراء مباريات لتعيين مديرين في الضمان، لافتاً إلى أن المفاوضات بين الضمان ومجلس الخدمة المدنية أفضت أيضاً إلى اتفاق مكتوب وموقّع من الطرفين على نظام للامتحانات. ولفت إلى أن المباريات أجريت منذ خمس سنوات لكل الفئات باستثناء الفئة الأولى، إلا أن الرغبات السياسية كانت أقوى وأبقت الوضع على حاله إلى أن ناقش مجلس إدارة الضمان هذا الأمر ورفع توصية بتعيين المديرين على أساس عدم المسّ بالأنظمة والقوانين والحفاظ على التراتبية والأقدمية «لكن هذا الاقتراح لا تنطبق عليه هذه الشروط ويثير الكثير من الشكوك كونه قراراً مستعجلاً. فهل يجب أن يكون التعيين انسجاماً بين الإدارة ومرؤوسيها أم أنها تركيبة حزبية؟ أليس من خرّب هذا البلد هم الأحزاب... حلّوا عن الضمان». وهدّد شريف بأن يلجأ إلى مجلس شورى الدولة للطعن بهذا القرار، فضلاً عن عقد مؤتمر صحافي يفضح فيه كل الأمور بتفاصيلها.

صرخة شريف لاقت صدى عند عضو مجلس الإدارة أنطوان واكيم الذي سأل: هل تؤدي هذه التعيينات إلى نهضة في الضمان؟

بعد ذلك، دار سجال حول اتخاذ قرار بالتعيين أو تأجيله، وكيلت الشتائم في وجهات عديدة، إلى أن انسحب من الجلسة الأعضاء: عادل عليق، مارون صيقلي، مهدي سليمان، أنطوان واكيم وفضل الله شريف. عندها فقدت الجلسة نصابها وانفرط عقدها.

جمع مصرف لبنان 12 مليار دولار من المصارف. كلّفته هذه العملية نحو 5 مليارات دولار ذهبت كأرباح إضافية إلى المصارف. مُوّلت هذه العمليات من المال العام، وأدّت إلى إغراق المصارف بالسيولة بالليرة، كما خلقت تنافساً «غير ودّي» على استقطاب كبار الزبائن، وهي أدّت إلى رفع مخاطر تركّز الدين السيادي لدى المصارف، فيما كانت فعاليتها ضعيفة في استقطاب دولارات «طازجة» من الخارج، بل خلقت آلية تحايل ضخمة استفادت منها مصارف محظية وكبار المودعين!

محمد وهبة
 

لم يرسم مصرف لبنان أي حدود معلنة للعمليات التي سمّاها «هندسات مالية». بقيت الآلية والأهداف شبه سريّة. أما النتائج، فكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يطلع المجلس المركزي ولجنة الرقابة على المصارف عليها «بالتقسيط».

لم تناقش الهيئتان أي مقترح أو فكرة أو هدف، بل كانتا متلقّيتين لما يقوم به سلامة وفريق عمله.

حصيلة خارج النقاش

على مدى أربعة أشهر، نفّذ مصرف لبنان عمليات مالية مع المصارف تنطوي على آلية معقّدة بدأت تظهر تدريجاً إلى أن اتضحت على النحو الآتي:

ــ اشترى مصرف لبنان سندات يوروبوندز من وزارة المال بقيمة ملياري دولار وسدّد ثمنها بسندات بالليرة اللبنانية يحملها في محفظته.

ــ اشترى مصرف لبنان من المصارف، سندات خزينة مقوّمة بالليرة اللبنانية، بسعر إصدارها، واشترط عليها أن تشتري منها سندات يوروبوندز وشهادات إيداع بالدولار، على أن تسدّد ثمن هذه السندات والشهادات بدولارات طازجة تستقطبها من الخارج.

ــ كان مصرف لبنان يدفع للمصارف، فوراً، الأرباح المرتقبة من سندات الخزينة ويحتفظ لنفسه بنصف الأرباح.

حصيلة هذه العمليات لم تكشف مباشرة، بل كانت تظهر تباعاً أيضاً، إلى أن أقفلت العمليات قبل أسابيع. يقول سلامة في مقابلة مع «لوريون لو جور» إن هذه الهندسة بدأت في أيار وانتهت في آب (علماً أن هناك أدلة كثيرة على أنها استمرت حتى نهاية تشرين الثاني)، وأشار سلامة إلى أن حصيلة العمليات جاءت على النحو الآتي: جمع مصرف لبنان 12 مليار دولار فيما حقّقت المصارف إيرادات بقيمة 5 مليارات دولار ومثلها لمصرف لبنان. وأضاف أن المصارف تمكنت من مراكمة 2.4 مليار دولار لتلبية متطلبات المعيار الدولي IFRS9، فيما قامت بعض المصارف بمنح زبائنها حصّة من هذه الإيرادات.

هكذا إذاً، صارت بعض الوقائع خارج أي تشكيك: المصارف وكبار الزبائن حصلوا على إيرادات فورية بقيمة 5 مليارات دولار. أما أرباح مصرف لبنان التي يتحدّث عنها سلامة، فهي إيرادات غير محققة لا يمكن تضمينها في ميزانية مصرف لبنان إلا بقدر ما يتحقق منها سنوياً، وقد تمتدّ فترة تحصيلها كلّها إلى أكثر من 15 سنة، لأن الأمر مرتبط بأجل السندات التي اشتراها مصرف لبنان من المصارف.

هذا ما قام به سلامة خلال الأشهر الماضية. وقد جرى التمهيد له عبر التركيز على العجز المتواصل لميزان المدفوعات؛ بين عام 2011 وأيار 2016 كان العجز المتراكم قد بلغ 11.1 مليار دولار، وهو ناجم عن ضعف التدفقات الرأسمالية التي تأتي إلى لبنان عن طريق تحويلات العاملين المغتربين المرتبطة جذرياً بأسعار النفط، أو تلك المسماة استثمارات أجنبية مباشرة. تأتي هذه التدفقات بالعملة الأجنبية، الدولار تحديداً، وتدخل إلى لبنان من خلال قناة أساسية هي المصارف، ثم يعمل مصرف لبنان على امتصاصها لتعزيز احتياطاته بالعملات الأجنبية. كذلك كان الحديث المتزايد عن ضرورة الوقاية من استمرار تدهور الأزمة السياسية المحلية وتدهور الاقتصاد العالمي. يومها لم يكن واضحاً مصير انتخاب رئيس للجمهورية، فيما الأزمات الأمنية والعسكرية تعصف بدول المنطقة على وقع تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.

في ظل هذا الضخّ، انطلقت التحليلات عن حاجة مصرف لبنان إلى الاحتياطات بالعملة الأجنبية، إذ أن مستوياتها كانت خلال السنوات الماضية تفوق 31 مليار دولار، ولكنها انخفضت في كانون الأول 2015 إلى 30 ملياراً. أما تحويلات المغتربين فكانت هي أيضاً على مسار انحداري، وكان نموّ الودائع الضعيف بنسبة لا تزيد عن 2.5% مؤشراً على ضعف التدفقات وعلى عجز ميزان المدفوعات. كذلك كان هناك حديث واسع عن عدم قدرة المصارف على تلبية متطلبات المعيار الدولي IFRS9.

ما لم يُقل، هو أن الدراسة التي أعدّتها لجنة الرقابة على المصارف تشير إلى أن حاجة المصارف لتلبية المعيار الدولي المذكور تبلغ ملياري دولار حتى نهاية عام 2018، وبالتالي كان يمكن للمصارف أن تقتطع من أرباحها السنوية لتعزيز رأسمالها. وما لم يناقش هو الحدّ الأقصى لحاجات مصرف لبنان. هل يكفي مبلغ 12 مليار دولار أم أنه رقم مبالغ فيه كثيراً في ضوء تراكم موجودات بالعملات الأجنبية لدى مصرف بلغت في نيسان 2015 نحو 33.7 مليار دولار.

في رأي عدد من المصرفيين، إن هذه الحاجة لا تبرّر حجم العمليات التي نفذها مصرف لبنان. بل كانت هناك حسابات أخرى في السوق متصلة بإتاحة الفرصة أمام المصارف لتطبيق المعيار الدولي من دون أن تتأثّر أرباحها. كان لا بدّ من أن تحقق المصارف أرباحاً فورية كبيرة.

إذاً، الأرباح المطلوبة ملياري دولار خلال السنتين المقبلتين. في المقابل، إن الإيرادات المحققة كانت أكبر بكثير وخلال أربعة أشهر فقط! هل يعني ذلك أن هناك حاجات أخرى في السوق؟ الإجابة لدى المصرفيين، تقول إن التوسّع بالعملات الأجنبية كان يستهدف إنقاذ بعض المصارف من الديون المشكوك بتحصيلها أيضاً. بعض المصارف مكشوفة على ديون كبيرة في السوق من دون ضمانات أو بضمانات عقارية لا يمكن تسييلها إلا بعد سنوات. من بين هذه الديون، كانت هناك ديون «سعودي أوجيه» وأخواتها والمتعاقدين من الباطن معها، والمقدّرة بنحو 800 مليون دولار. هذه الشركة لم تكن تدفع المستحقات عليها للمصارف منذ فترة طويلة، ما فرض على المصارف أن تصنّف ديونا مشكوكاً بتحصيلها وأن تأخذ مؤونات تغطّيها بشكل كامل. كذلك، كانت هناك خسائر لدى بعض المصارف في عدد من البلدان كان عليها أن تأخذ مؤونات تغطّيها بشكل كامل أيضاً. هذه الخسائر ناتجة عن تدني سعر العملة في تلك البلدان (المصارف اقتطعت مبالغ بالدولار من رؤوس أموالها وحوّلتها إلى عملة البلد الذي تنوي الاستثمار فيه، ومع تدني سعر صرف العملة تراكمت عليها الخسائر في أسواق مثل السودان ومصر وتركيا والجزائر وفي عدد من البلدان الأوروبية أيضاً). إطفاء هذه الخسائر كان مكلفاً جداً على المصارف، أما إبقاؤها في الميزانية فيرتّب عليها أخذ مؤونات تغطّيها، ويعرضها لمخاطر أعلى، وبالتالي يعرّضها محافظها لمخاطر التصنيف.

غير أن اللافت في هذه العمليات، أنها كانت تميّز بين مصارف محظية ومصارف ذات نفوذ أقل. المصرفيون يتداولون بأرقام مهولة عن حصّة مصرف واحد بقيمة تتجاوز ملياري دولار من الإيرادات الإضافية. لا بل إن حصّة خمسة مصارف من إيرادات «الهندسة» كانت تبلغ 70 % من الأرباح.

المصرف الأكبر أطفأ جملة من الخسائر التي كادت «تضرب» ميزانيته، فيما أحد المصارف تمكّن من سداد قرض كان قد حصل عليه من مصرف لبنان لقاء عملية دمج نفذت «على عجل». مصرف آخر حصل على حصّة 9% من الإيرادات فيما حصّته السوقية المقاسة على أساس الأصول تبلغ 3% فقط!

اختلال التوازن في السوق كان محور العديد من المناسبات. رئيس مجلس إدارة مصرف كبير اعترض أمام رياض سلامة بلهجة قاسية. يومها كان مجلس إدارة جمعية المصارف في مهمة مع سلامة خارج لبنان للمشاركة في اجتماعات صندوق النقد الدولي. هذا المصرف خسر بعض كبار الزبائن لديه الذي هربوا في اتجاه المصرف ذي الحصّة الأكبر. زميل له اعترض عند سلامة على «سرقة» زبائنه أيضاً.

ما حصل هو أن مصرفين اثنين خلقا منتجات لجذب ودائع بالدولار. عرض هذان المصرفان على الزبائن توظيف الأموال لديها مقابل 20% (على الأقل) من الأرباح المحققة من العمليات مع مصرف لبنان. المنتج الأول كان ينصّ على وديعة لا تقل قيمتها عن 20 مليون دولار مقابل «عمولة» فورية تدفع بالليرة اللبنانية بنسبة 20%، وعلى أن يحصل المودع في نهاية الاستحقاق على الفوائد السوقية المستحقة له عن وديعته. المنتج الثاني كان ينص على استقطاب وديعة لا تقل عن 10 ملايين دولار، وان تكون العمولة الفورية بالليرة 30% والفوائد السنوية 5%.

ومن مظاهر هذه الهندسة، لجوء بعض المصارف إلى عمليات تحايل أو التفاف للاستفادة من الأرباح المهولة التي يدفعها مصرف لبنان. بعض المصارف كانت تستدين من مصارف أخرى مبالغ بالدولار من أجل توظيفها في العمليات التي نفذها مصرف لبنان. أما بعضها الآخر فكان يشجّع مودعيه على تحويل أموالهم من الليرة إلى الدولار وتحويلهم إلى خارج لبنان للمشاركة في هندسات مصرف لبنان.

لم تبق هذه الوقائع محلية، بل وصلت إلى مسامع المسؤولين في صندوق النقد الدولي الذين سألوا عن الهدف الحقيقي من هذه الهندسة، ولم يكونوا راضين عنها. البنك الدولي أيضاً انتقد العمليات مشيراً إلى أنها زادت ديون الدولة ومصرف لبنان بالدولار، وهذا النوع من الاستدانة هو مصدر الخطر. المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في البنك الدولي فريد بلحاج، تحدّث في إحدى المناسبات عن وقف توسع مصرف لبنان في التدخّل الاقتصادي، أما تقرير البنك الدولي الفصلي فأشار إلى أثر هذه العمليات الكامن في الانكشاف أكثر على مخاطر سعر الصرف.

صدى العملية لدى بعض المصارف العالمية كان سلبياً، إذ تبيّن أن بعضهم سأل عن وجود حالة «إفلاس» في لبنان تدفع مصرف لبنان إلى بلوغ الفوائد المصرفية مستوى 25% وأكثر... وفي هذا الإطار، تلقت بعض المصارف في لبنان، أسئلة من مصارف المراسلة لديها عن حجم الإيرادات الكبير في ميزانياتها خلال الفصل الثالث وإمكان تحقيق هذه الأرباح في السنة المقبلة وانعكاس هذا الأمر على عوامل الثقة التي ستهتز في حال تدنّى مستوى الأرباح. كذلك تبيّن أن وكالة التصنيف العالمية «موديز» كانت لديها تحفظات كبيرة على مستوى السيولة الكبيرة بالليرة التي نجمت عن عمليات مصرف لبنان. سلامة يقول إنه تمكّن من امتصاص نصف السيولة الإضافية بالليرة التي خلقتها الهندسة بين أيدي المصارف، وأن النصف الباقي مخصص لتمويل القطاع الخاص ولتمويل الدولة.

إذاً، أرباح المصارف النهائية أو إيراداتها من «الهندسة» تحتاج إلى وقت أطول لاحتسابها بصورة كاملة. فالمبالغ التي دفعها مصرف لبنان أرباحاً للمصارف من شراء سندات الخزينة بالليرة، وظّفت المصارف نصفها لدى مصرف لبنان على خمس سنوات بفائدة 5%، وبالتالي فإن الأرباح ستزيد أيضاً، وعندما توظّف المصارف هذه الأرباح بسندات الخزينة سيتحقق لديها أرباحاً إضافية... الأرباح التي جنتها المصارف أكبر بكثير مما هي عليه.

الأهم من ذلك كلّه أن هذه الأرباح أو الإيرادات كلّها مموّلة من المال العام. مصرف لبنان يقول إن أحداً لم يخسر، لكن عليه أن يوضح كيف سدّد ثمن السندات وأرباحها للمصارف، ألم يدفعها من ميزانيته؟ أليست ميزانيته مالاً عاماً. سلامة يقول إن التسليف للقطاع الخاص سيبلغ 5 آلاف مليار ليرة في عام 2017، أي أن الأرباح المحققة من هذا المبلغ وحدها ستكون خارج أي تمويل من المال العام، فيما المبلغ الباقي المقدّر بأكثر من 18 ألف مليار ليرة سيتم توظيفه في الدين العام الذي تموّل كلفته من الخزينة العامة. التناتش بين المصارف والاعتراضات لا شأن لها سوى الحصول على «قضمة» من المال العام.

قضمة قدّمها مصرف لبنان للمصارف وفق حساباته. يشبه هذا الأمر ما يحصل في وزارة الأشغال العامة عندما يقدّم الوزير استدراجات عروض محصورة لمتعهدين محظيين وينأى بها عن متعهدين آخرين. الآليات تختلف لكن الطبق واحد: المال العام.

محمد وهبة

 

ما ورد في التقرير نصف السنوي للبنك الدولي عن «سلبيات» الهندسات المالية التي نفّذها مصرف لبنان أخيراً، يشي بأن المخاطر المالية والنقدية ازدادت ولم تتقلص. السبب هو «زيادة الانكشاف على مخاطر سعر الصرف»، إذ إن العمليات المنفّذة زادت ديون الدولة ومصرف لبنان بالدولار، وهذا النوع من الاستدانة هو مصدر الخطر.

اعتاد البنك الدولي أن يكون متحفظاً في تعليقاته على سياسات مصرف لبنان. منشورات البنك لا تقدّم أي استنتاجات، بل تكتفي بسرد مجموعة وقائع ذات طابع تقني تاركة التحليل والاستنتاج للخبراء ولمن يرغب من العامة. أما قراءة معطيات كهذه، فهي غالباً ما تكون محور نقاش بين الخبراء أنفسهم، فكيف إذا كانت تتضمن نموذجاً رياضياً لعمليات «سواب» كتلك التي نفّذها مصرف لبنان أخيراً! إلا أن البنك الدولي اختار هذه المرّة أن «يقلب» المعادلة ويكرّس صفحة جديدة من العلاقات مع مصرف لبنان. ففي الندوة التي أقامها البنك أمس في كلية عليان للأعمال في الجامعة الأميركية خصيصاً لمناقشة «نشرة لبنان الاقتصادية ــ خريف 2016»، أطلق المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في البنك الدولي فريد بلحاج، بكثير من التردّد، العنان لفكرة قوامها وقف توسع مصرف لبنان في التدخّل الاقتصادي. برّر بلحاج خطوته هذه بالإشارة إلى الصفحة الجديدة التي بدأت مع انتخاب رئيس للجمهورية، مشيراً إلى أنه «حان الوقت لتقوم المؤسسات بما نشأت من أجل القيام به. مصرف لبنان منخرط في الاقتصاد بمعناه السياسي الواسع، وهناك من يقول إن الأمر ضروري، لكن هناك من يقول إنه عمل يحمل الكثير من المخاطر. يجب أن تعود المؤسسات إلى دورها الأصلي».

انتقادات بلحاج لم تكن سوى مقدّمة لما يتضمنه تقرير البنك الدولي بعنوان مثير ومضمون أراد معدّوه أن يظهر «حيادياً». العنوان حمل إشارة سلبية عن «هندسات» مصرف لبنان الأخيرة: «السواب الكبير: الدولارات للثقة». المقصود أن عملية السواب التي نفذها مصرف لبنان كانت كبيرة جداً، وهو ما يطرح تساؤلات عن الحاجة لعملية بهذا الحجم. أما مضمون التقرير الذي قدّمه الخبير الاقتصادي لدى البنك وسام الحركة، فقد كان أكثر هدوءاً وهو يشرح «السواب» أو «الهندسات» التي نفّذها مصرف لبنان منذ مطلع الصيف إلى اليوم، ليخلص إلى «إيجابيات» و«سلبيات» أبرزها أن الجهات المعنية بهذا السواب، أي مصرف لبنان والمصارف ووزارة المال، صارت مكشوفة أكثر على مخاطر سعر صرف الليرة.

توصّل الحركة إلى هذه النتيجة، كما يرد في التقرير، من خلال نموذج رياضي مبسّط يحتسب أصول ومطلوبات كل جهة من الجهات الثلاث المعنية بعمليات السواب التي نفذها مصرف لبنان. هذا الأخير، قام في البدء بعملية «سواب» بينه وبين وزارة المال، فهو كان يحمل سندات بالليرة اللبنانية وبادلها مع سندات يوروبوندز (سندات بالدولار) تحملها وزارة المال. العملية الثانية شملت قيام مصرف لبنان بشراء سندات خزينة من المصارف، في مقابل بيعها سندات يوروبوندز وشهادات إيداع بالدولار صادرة عن مصرف لبنان.

لم يتطرّق البنك الدولي إلى أي أرقام عن هذه العمليات أو الهندسات، بل اكتفى بتعداد نتائجها بالنسبة إلى كل جهة من الجهات الثلاث المعنية.

ــ بالنسبة إلى وزارة المال: إن الإيجابيات هي أنها استبدلت الديون التي جمعتها من السوق (سندات يوروبوندز)، بديون أرخص ومقوّمة بالليرة اللبنانية. إلا أن تسديد كلفة أقل لا يعني أنها لن تصبح «مكشوفة أكثر على مخاطر سعر الصرف»، وخصوصاً أن النتيجة تكمن في استمرار وزارة المال في استراتيجية الاستدانة بالعملات الأجنبية على حساب العملة المحلية.

ــ بالنسبة إلى مصرف لبنان: ارتفعت قيمة احتياطاته بالعملات الأجنبية، وهذا عامل أساسي لتعزيز «الثقة» بالنظام المالي وبعملية تثبيت سعر صرف الليرة. غير أنه في المقابل، ازدادت نسبة انكشاف مصرف لبنان على الديون بالعملات الخارجية، فضلاً عن أن بند «المطلوبات» (أي البند الذي يشير إلى حجم المطلوبات المترتبة على المؤسسة) توسّع بالعملة الأجنبية من خلال إصدار المزيد من شهادات الإيداع، وبالعملة المحلية أيضاً نظراً إلى أنه بات يحمل سندات خزينة اشتراها من المصارف. هكذا أصبحت ميزانية الاحتياطات بالعملات الأجنبية أقوى على حساب إضعاف الميزانية الإجمالية لمصرف لبنان وتآكل رأس المال أيضاً.

ــ بالنسبة إلى المصارف: تراجع انكشاف المصارف على الديون بالعملة المحلية (لأنها باعت سندات الخزينة لمصرف لبنان)، كما زادت السيولة لديها بالعملة المحلية، وتعزّزت رؤوس أموالها. أما في المقابل، فقد ازداد انكشاف المصارف على الديون بالعملات الأجنبية، وتقلصت أصولها الخارجية (بسبب نقل الدولارات من الخارج إلى لبنان لتوظيفها في الهندسات). صحيح أن السيولة بالليرة لدى المصارف تعزّز ميزانياتها، لكن هذا الأمر تمّ على حساب سيولتها بالعملات الأجنبية (الدولار تحديداً). مشكلة هذا النوع من السيولة أن الدولارات يمكن استعمالها في الخارج، أما السيولة بالعملة المحلية فلا يمكن استعمالها سوى في لبنان. (خبراء مستقلون يؤكدون أن الطلب على الدولار يزداد في كل المنطقة، وبالتالي فإن المنافسة على اجتذاب الدولارات مستقبلاً، بعد هذه الهندسات، ستكون صعبة على لبنان، ما قد يزيد كلفة الحفاظ على الدولارات المستقطبة).

ــ بالنسبة إلى تأثير الهندسات على الاقتصاد الكلّي: الإيجابيات تتلخص بوجود سيولة إضافية بالليرة ستعزز الإقراض بالليرة. إلا أنه نظراً إلى عدم وجود طلب إضافي يستهلك السيولة الإضافية، فيما هناك سعي للحفاظ على معدلات الفوائد الحالية، فإنه ستكون هناك تحديات في عملية إدارة السيولة.

أما في المستقبل، فإذا لم تنمُ التدفقات النقدية من الخارج بالشكل الكافي لتلبية الحاجات المحلية، فإن شهية المصارف لشراء سندات اليوروبوندز من السوق الأولية، أي الاكتتاب وقت إصدارها من وزارة المال، ستنكمش (قد تنتظر المصارف أن يقوم مصرف لبنان بعملية سواب أخرى لتوظّف أموالها فيها بدلاً من الاكتتاب بسندات الخزينة، وذلك طمعاً بفوائد وأرباح أكبر). كذلك انكشف الاقتصاد أكثر على مخاطر سعر الصرف والاستدانة بالعملات الأجنبية.

إزاء كلمة بلحاج وتقرير البنك الدولي، كان لمدير العمليات المالية في مصرف لبنان، يوسف الخليل، تبريرات «كلاسيكية» قائمة على أن هذه الهندسات أقرّت «قبل أن نعلم أن انتخاب الرئيس سيتم. في ذلك الوقت كانت هناك مؤشرات تنمو بشكل أقل مما كانت عليه سابقاً، فيما كانت هناك مؤشرات سلبية. نموّ الودائع كان يتباطأ، فيما كان ميزان المدفوعات عاجزاً منذ 2011 إلى اليوم، وعجز الحساب الجاري بلغ 19%. نفّذنا عمليات أدّت إلى جمع أكثر من 11 مليار دولار بفائدة متدنية نسبياً...». أما بالنسبة إلى المصارف، فقد أوضح الخليل أنها «حققت أكثر من 5 مليارات دولار أرباحاً، لكن ممنوع أن توزّعها على المساهمين قبل أن تنفذ التزاماتها الرأسمالية لتطبيق معيار المحاسبة الدولي IFRS9، وقبل أن تستحق اكتسابها كأرباح، أي أن تعيد توظيفها (سواء في سندات الخزينة أو في الاقتصاد)».

 

بدأت عمليات صرف الموظفين تظهر في القطاع المصرفي. «بنك البركة» قرّر صرف 18 موظفاً لأسباب اقتصادية. 11 بينهم تبلّغوا القرار، والباقون ينتظرون مصيراً مماثلاً في 2017. أسباب الصرف المعلنة أن المصرف الإسلامي ينفّذ إعادة هيكلة تستند إلى تقرير أعدّته شركة «بوز ألن» عن وجود فائض في الموظفين، أما الأسباب الفعلية فهي تكمن في قرار اتخذته إدارة مجموعة بنك البركة الأردنية بخفض الأعباء في لبنان

محمد وهبة

 

صار لجوء المؤسسات إلى الفقرة (و) من المادة 50 من قانون العمل، بهدف صرف الموظفين تعسفاً، أمراً روتينياً "تتقنه" الشركات وإدارات الموارد البشرية لديها وشركات التدقيق المتعاقدة معها.

تحت هذه المظلة أبلغت إدارة بنك البركة وزارة العمل أنها تريد التشاور معها بشأن صرف 18 موظفاً على دفعات قد تمتد إلى ثلاث سنوات. إلا أن الوزارة رفضت هذا التبليغ، ملمّحة إلى "تحايل" يمارسه البنك الذي لم يثبت أن لديه ظروفاً اقتصادية ينطبق عليها تطبيق الفقرة (و) من المادة 50 التي تتيح الصرف في ظل قوّة اقتصادية قاهرة، بل هو يقوم بصرف إداري تنطبق عليه المادة 74 من قانون العمل.

وبحسب بيان صادر عن وزارة العمل أمس، فإن إدارة بنك البركة أبلغت 11 موظفاً إنهاء خدماتهم في 15 تموز 2016، مشيراً إلى أنه "على ذمّة المصرف، فإن إنهاء العقود جاء نظراً للظروف الاقتصادية، التي لم تكشف موازناته للسنوات الثلاث الاخيرة وجود تراجع في الأرباح خلافاً لادّعائه. والدليل الاضافي أن الصرف يخضع للمادة 74 من قانون العمل، وليس للمادة 50 فقرة (و) منه كما ورد في طلب التشاور".

هذا يعني أن كتاب التشاور المرسل من بنك البركة إلى وزارة العمل تنطبق على أوصافه المادة 74، بحسب بيان الوزارة التي تتحدث عن خلفيات إدارية للصرف وليس خلفيات اقتصادية. ولذا تستغرب الوزارة "أن يلجأ المصرف إلى عمليات الصرف على مدى ثلاث سنوات متتالية لأسباب تنظيمية بحجّة إعادة هيكلة النظام الإداري، وإعادة التموضع في السوق المحلّية، ما يعني أن أسباب الصرف هي إدارية وليست اقتصادية. والصعوبة في إقرار الصرف تكمن في الوضع الشخصي والمهني للمصروفين الذين لا تقل خدماتهم في المصرف عن ست سنوات وتجاوزت ستة عشر سنة لبعضهم الآخر". ويخلص البيان إلى أن "وزارة العمل لم تقتنع بالأسباب الموجبة للصرف، ولهذا السبب كان رأي دائرة التحقيق في الوزارة عدم توافر شروط الصرف وفقاً للمادة 50 فقرة (و)، التي استندت اليها إدارة المصرف للتخلص من أجرائها بهدف استبدالهم. وحفاظاً على حقوق موظفي المصرف، كلّفت الوزارة تفتيش العمل إجراء التحقيق الفوري والضروري لبيان الأسباب وجلاء الظروف المدّعى بها تمكيناً لهذه الوزارة من تقرير المقتضى المناسب".

تقول مصادر مطلعة إن بنك البركة، المملوك من مجموعة بنك البركة في الاردن، اتخذ قراره بصرف الموظفين استناداً إلى تقرير أعدّته شركة "بوز ألن". هذه الشركة خلصت إلى نتيجة تتعلق بوجود فائض في الموظفين، مقترحة أن يتم الاستغناء عن بعضهم وإعادة هيكلة في بعض الأقسام. أوحت هذه الخلاصة بأن هناك عملية إعادة هيكلة إدارية مطلوب من شركة بوز ألن التمهيد لها، ليتبين لاحقاً أن المجموعة الأردنية طلبت تخفيف أعباء المصرف التابع لها في لبنان، فقامت شركة "بوز ألن" بما تقوم به عادة، أي إعادة تشكيل الموظفين في الأقسام واختيار عدد منهم للصرف استناداً إلى معايير تتعلق بالكلفة وبالفئات العمرية وسواهما. وقد اختير على هذا الأساس ثلاثة مديرين، واثنين يعملان على الصندوق، واثنين في خدمة العملاء وآخرين... في البدء قرّرت الإدارة أن تطلق عملية صرف تستبعد بروتوكولات الصرف المطبقة في القطاع المصرفي، فعرضت تسديد أدنى الحقوق المنصوص عليها في قانون العمل، إلا أن دخول نقابة موظفي المصارف على خطّ المفاوضات أدّى إلى تعديلات جذرية انتهت لمصلحة رفع التعويضات المعروضة، إضافة إلى منافع إضافية تمتد لفترة من الزمن.

في هذا السياق، تقول مصادر بنك البركة إن هذا المصرف الإسلامي مثله مثل كل المؤسسات في لبنان يعاني من الشلل الاقتصادي، وبالتالي لم يعد بإمكانه تحمّل الأعباء التي كان يتحملها في فترات الازدهار والنموّ، وبالتالي تم اختيار الفائض من الموظفين بالاتفاق والتراضي مع نقابة موظفي المصارف ومنحوا الحقوق المتفق عليها. هناك رغبة في تقليص النشاطات في لبنان انسجاماً مع تقلص النشاطات التي يعتمد عليها المصرف لتحقيق أرباحه، فضلاً عن إعادة تموضوع المصرف في اتجاه تحسين الإنتاجية.


الفقرة (و) من المادة 50

تستعمل غالبية المؤسسات الفقرة (و) من المادة 50 لتبرير عمليات الصرف التعسفي التي تقوم بها. الذريعة التي تقدمها هذه الفقرة تتعلق بأوضاع الشركة والقوّة القاهرة التي تفرض على الشركات التخلص من بعض الأعباء قبل الإفلاس أو الانهيار... لكن أصحاب العمل دأبوا على استعمال هذه الفقرة بالاستناد إلى اجتهادات قانونية صادرة بالتواطؤ مع الجهات المعنية، من أجل تقليص الأعباء سعياً للحفاظ على معدّلات نموّ أرباحهم. وتنصّ هذه الفقرة على الآتي: "يجوز لصاحب العمل إنهاء بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوّة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر، أو التوقف نهائياً عن العمل. وعلى صاحب العمل أن يبلغ وزارة العمل رغبته في إنهاء تلك العقود قبل شهر من تنفيذه، وعليه أن يتشاور مع الوزارة لوضع برنامج نهائي لذلك الإنهاء تراعى معه أقدميّة العمال في المؤسسة واختصاصهم وأعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي، وأخيراً الوسائل اللازمة لإعادة استخدامهم".


المادة 74: الصرف الإداري

المقصود بالصرف الإداري هو مجموعة من الأسباب التي يمكن أن تمثّل تبريراً إدارياً لصرف الموظف، وبالتالي لا يمكن استعمال هذه المادة إلا في سياق الحالات المنصوص عليها في هذه المادة، وبالتالي فإن الصرف الجماعي بالاستناد إلى هذه المادة أمر غير متاح. فهذه المادة تقول الآتي:

لرب العمل أن يفسخ العقد دونما تعويض أو علم سابق في الحالات الآتية:

ــ إذا انتحل الأجير جنسية كاذبة.

ــ إذا استخدم الأجير على سبيل التجربة ولم يرضَ ربّ العمل خلال ثلاثة أشهر من استخدامه.

ــ إذا ثبت أن الأجير ارتكب عملاً أو إهمالاً مقصوداً يرمي إلى إلحاق الضرر بمصالح ربّ العمل المادية، على أنه يجب على رب العمل ليتذرع بهذا السبب أن يعلم خطياً بهذه المخالفة وزارة العمل خلال ثلاثة أيام من التثبّت منها.

ــ إذا أقدم الأجير، بالرغم من التنبيهات الخطية التي توجه اليه، على ارتكاب مخالفة مهمة للنظام الداخلي ثلاث مرات في السنة الواحدة، إذا تغيّب الأجير بدون عذر شرعي أكثر من خمسة عشر يوماً في السنة الواحدة أو أكثر من سبعة أيام متوالية، ويجب أن يبيّن الأجير لربّ العمل أسباب الغياب خلال أربع وعشرين ساعة من رجوعه، وعلى ربّ العمل في كل مرة أن يبلغ الأجير خطياً عن عدد الايام التي تحسب عليه أنه تغيب فيها بدون عذر شرعي.

ــ إذا حكم على الأجير بالحبس سنة فأكثر لارتكابه جناية أو إذا ارتكب جنحة في محل العمل وأثناء القيام به أو إذا حكم على الاجير لأجل الأفعال المنصوص والمعاقب عليها في المادة 344 من قانون العقوبات، إذا اعتدى الأجير على ربّ العمل أو متولّي الإدارة المسؤول في محل العمل.

محمد وهبة- الأخبار

كان لافتاً بيان وزارة العمل أمس بشأن عمليات الصرف التعسفي. فالوزارة أقرّت بأنّ هناك مئات الأجراء يُطردون من عملهم أمام أعينها ومن دون أي تدخّل منها لحمايتهم، مستغلة ذلك لترويج أن الصرف من العمل سببه إحلال العمالة السورية بدلاً من العمالة اللبنانية. بيان الوزارة هو فضيحة بحدّ ذاته، لأنه يتغافل أو يتعامى عن سلوك الشركات وقيامها بعمليات صرف متواصلة تطاول الأُجَراء اللبنانيين الأكبر سنّاً والأعلى راتباً لإحلال عمالة شابة لبنانية وأجنبية بأجور أقلّ متسلحة بالفقرة (و) من المادة 50

 
أعلنت وزارة العمل، أمس، أن شركة «اميرالد وجتس» أقدمت على صرف طيارين لبنانيين ومساعد طيار لبناني، «قبل إنهاء التشاور مع الوزارة بمقتضى المادة 50 فقرة "و" من قانون العمل».

وأعلنت أيضاً أن جمعية إنقاذ الطفل الدولية ومجلس اللاجئين الدانماركي قدّما طلبين الأسبوع الماضي للتشاور بشأن صرف العمال، لكن بيان الوزارة استدرك تقديم الطلبات للإشارة إلى أن «الجمعية المذكورة صرفت 280 عاملاً لبنانياً من أصل 585 عاملاً، وصرف مجلس اللاجئين الدانماركي 386 عاملاً لبنانياً من أصل 728 عاملاً لبنانياً، فيما أُبقي على العمال الأجانب». وأعلنت الوزارة أيضاً وأيضاً أن «إدارة فندق "كورال بيروت" – الحمرا أقدمت على صرف 9 أجراء لبنانيين، رغم طلبها إجراء التشاور على أساس المادة "50"، إلا أن الإدارة لم تلتزم موجباتها القانونية وفق هذه المادة لإعطاء المصروفين حقوقهم». أما بالنسبة إلى طلبات التشاور التي تلقّتها الوزارة هذا الأسبوع استناداً إلى الفقرة (و) من المادة 50 من قانون العمل، فهي على النحو الآتي:
ــ جمعية الإغاثة الدولية تطلب صرف 103 أجراء.
ــ شركة المرافق والخدمات (أوسكو) المتعاقدة مع كهرباء لبنان، تطلب صرف 590 أجيراً.
ــ مطعم أوتار يطلب صرف 100 أجير.


الخفّة كانت سمة تعامل وزارة العمل مع طلبات الصرف الجماعية. حاولت الوزارة تحويل هذا الوضع المأسوي إلى «بطولات» من خلال ربطها بالنزوح السوري. فقد عبّرت الوزارة عن أسفها «لهذا النهج المعتمد في عمليات الصرف للعمال اللبنانيين واستبدالهم بالأجانب وتحديداً اليد العاملة السورية التي باتت تشكل أكثرية العاملين في سوق العمل اللبناني».
ولم تكتفِ الوزارة بتقديم استنتاجات خاطئة ترمي إلى تعزيز الموقف السلبي من اللاجئين، بل أشارت إلى أنها ستمضي «في مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة من منطلق حرصها على المحافظة على اليد العاملة اللبنانية، وهي تنبّه هذه الجمعيات إلى خطورة ما أقدمت عليه في هذا السياق، حيث لا يمكنها التغاضي عن هذا التصرف الذي يتنافى مع أهداف هذه الجمعيات في الإعانة والإغاثة والرعاية الاجتماعية، وهي ستضطر إلى اتخاذ التدابير القانونية اللازمة لحماية اليد العاملة اللبنانية».
سلوك وزارة العمل العنصري بات مألوفاً، ولا سيما في ظل تنامي ظاهرة الصرف الجماعي من العمل بذريعة وجود النازحين السوريين في سوق العمل المحلية. فبحسب وزير العمل السابق شربل نحاس، إن «الصرف الجماعي لم يبدأ أصلاً مع النازحين السوريين، وهذا النوع من الصرف المستند إلى الفقرة (و) من المادة 50 من قانون العمل، هو قصّة قديمة ومتمادية».
كان الأجدى بوزير العمل المستقيل سجعان قزّي، أن يكشف عن الإحصاءات الرسمية لعمليات الصرف الجماعي التي تقوم بها المؤسسات والشركات على مدار السنوات الماضية، وإجراء مقارنة واضحة بين الأرقام بدلاً من تقديم مبرّرات وذرائع الصرف الجماعي للشركات والمؤسسات. اللافت أن «وزارة العمل والدولة عموماً، لكونها لم تقم بأي عمل لتوثيق وجود اللاجئين في لبنان، لم يعد لديها وسيلة لمعرفة حجم ظاهرة استبدال العمالة السورية بالعمالة اللبنانية، وبالتالي ليس هناك صورة واضحة عن هذا الأمر».
أما بطولات وزارة العمل، فهي وهمية لأن الأدوات القانونية والإدارية التي تملكها الوزارة لا تتيح لها أي «مكافحة» لأي ظاهرة. ويقول نحاس إن «وزارة العمل تتدخل استباقياً في منح أو عدم منح إجازات العمل للعمال الأجانب. هذه الإجازة تعد شرطاً سابقاً لدخولهم إلى لبنان، إلا أن دخول النازحين السوريين جاء في إطار منطق النأي بالنفس الذي عطّل هذه الأداة الاستباقية بكاملها، فلم يتحدّد أي السوريين الذين أتوا للعمل أو الذين أتوا لسبب أمني». كذلك، كان يمكن أن تتدخل وزارة العمل من خلال عمليات التفتيش التي تقوم بها أجهزتها المعنية بناءً على شكوى أو على مبادرة جهازها «إلا أن هذه القدرة محدودة التأثير بشكل كبير، فالإجراءات بمستواها الأعلى هي وساطة عمل وإنذارات وسواها من الإجراءات التي لا تصل إلى المستوى الزجري والمنع» وفق نحاس. «القدرة الوحيدة المتاحة للمؤسسات تكمن في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث للتفتيش على المؤسسات القدرة على فرض غرامات واتخاذ تدابير أخرى».


المشكلة الكبيرة التي تواجه الصرف الجماعي هي قانون العمل، ولا سيما الفقرة (و) من المادة 50 من قانون العمل. لطالما شكّلت هذه الفقرة السند الأكبر لأصحاب العمل في مواجهة العمال، فاستندوا إليها كلما أرادوا القيام بعملية صرف.
تنصّ الفقرة (و) من المادة 50 على الآتي: «يجوز لصاحب العمل، إنهاء بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوّة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية، هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر، أو التوقف كلياً عن العمل. وعلى صاحب المؤسسة أن يبلغ وزارة العمل رغبته في إنهاء تلك العقود، قبل شهر من تنفيذه، وعليه أن يتشاور مع الوزارة لوضع برنامج نهائي لذلك الإنهاء تراعى معه أقدمية العمال في المؤسسة واختصاصهم وأعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي، وأخيراً الوسائل اللازمة لإعادة استخدامهم».
هذه الفقرة استخدمت طوال سنوات لإنهاء عقود عشرات آلاف العمال والعاملات من دون أن تكون لوزارة العمل القدرة على مواجهة أصحاب العمل. ويشير نحاس إلى أن «قانون العمل فيه ثُغَر واسعة، فالفقرة المذكورة لا تحدّد الشروط الاقتصادية للصرف ولا تحدّد القوّة القاهرة أو الظروف الاقتصادية. فالمطلوب أن يتاح للوزارة الدخول إلى حسابات الشركات ومعرفة حجم الخسائر وتقدير إمكانية الاستمرار أو التوقف... كل حركة التشاور تصل إلى الصرف، سواء مرّت بتسوية أو من خلال مجلس العمل التحكيمي».
يشير نحاس إلى أنه خلال توليه الوزارة وضع مشروعاً لتفصيل وتحديد الشروط الاقتصادية للصرف، لكن جرى رفضها بكاملها من أجل الحفاظ على النظام المعمول فيه حالياً. «هذا الأمر هو لخدمة أصحاب النفوذ الفعليين في لبنان».

ترك العمل يزداد

يركّز بيان وزارة العمل على معطيات وردت إليها من دون أي مقارنة مع قاعدة المعطيات المتوافرة بين يديه. فمن المعروف أن وزارة العمل هي سلطة الوصاية على الضمان الاجتماعي الذي يملك إحصاءات دورية عن أعداد الأجراء الذي عمدوا إلى تصفية تعويضات نهاية خدمتهم بداعي «ترك العمل». وفق مصادر مطلعة، إن أعداد تاركي العمل كان يراوح بين 10 آلاف و11 ألفاً قبل الأزمة السورية، لكنه ارتفع اليوم إلى نحو 12 ألفاً ويتوقع أن يزيد العدد في نهاية هذه السنة على 13 ألفاً، وهذا مؤشّر على حجم الصرف في القطاع الخاص. الأسباب قد لا تكون مرتبطة أبداً بالعمالة السورية، بل بعوامل أخرى متصلة بطبيعة السوق المحلية ذات التركّز المرتفع والاحتكارات المختلفة وسلوك أصحاب العمل الساعين إلى زيادة درجة الاستغلال.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الشركات «تشدّ الخناق» على الصيدليات: أزمة الدواء إلى تفاقم

الشركات «تشدّ الخناق» على الصيدليات: أزم…

أيار 11, 2021 6 مقالات وتحقيقات

قبل الإنفجار الكبير؟

أيار 11, 2021 7 مقالات وتحقيقات

فليُرفع الدعم...

أيار 11, 2021 7 مقالات وتحقيقات

الفوضى الاستشفائيّة بدأت: وقف تغطية شركات التأمين

الفوضى الاستشفائيّة بدأت: وقف تغطية شركا…

أيار 11, 2021 5 مقالات وتحقيقات

وعود مصرف لبنان.. مساعٍ لتحصيل آخر دولاراتكم!

وعود مصرف لبنان.. مساعٍ لتحصيل آخر دولار…

أيار 11, 2021 8 مقالات وتحقيقات

رفع الدعم قبل ترشيده؟

رفع الدعم قبل ترشيده؟

أيار 11, 2021 6 مقالات وتحقيقات

الجامعة اللبنانية تلفظ أنفاسها: هل تُجرى الامتحانات؟

الجامعة اللبنانية تلفظ أنفاسها: هل تُجرى…

أيار 10, 2021 10 مقالات وتحقيقات

تسريب المسودة غير النهائية هدف إلى فتح النار على القانون تمهيداً لدفنه في مهده "لجنة المال": "الكابيتال" موجود... و"الكونترول" ممنوع

تسريب المسودة غير النهائية هدف إلى فتح ا…

أيار 10, 2021 13 مقالات وتحقيقات

رياض سلامة "يُفاوض"لإعادة أموال صغار المودعين..فقاعة لا أكثر

رياض سلامة "يُفاوض"لإعادة أموا…

أيار 10, 2021 10 مقالات وتحقيقات

تثبيت سعر الصرف مع «رَشِّة» دولارات للمودعين

تثبيت سعر الصرف مع «رَشِّة» دولارات للمو…

أيار 10, 2021 11 مقالات وتحقيقات

رجالات الاستقلال: الأوليغارشيّون الأوائل

رجالات الاستقلال: الأوليغارشيّون الأوائل

أيار 07, 2021 27 مقالات وتحقيقات

احتكارات المحاصصة الشاملة

احتكارات المحاصصة الشاملة

أيار 07, 2021 22 مقالات وتحقيقات

العاملات الأجنبيات يهجرن لبنان: هل بدأ عهد العاملات السوريات؟

العاملات الأجنبيات يهجرن لبنان: هل بدأ ع…

أيار 07, 2021 20 مقالات وتحقيقات

حلّت ساعة الصفر: اللحوم والدواجن بلا دعم وأسعارها تتضاعف

حلّت ساعة الصفر: اللحوم والدواجن بلا دعم…

أيار 07, 2021 26 مقالات وتحقيقات

محاكمة الرئيس وإمكانية ذلك

محاكمة الرئيس وإمكانية ذلك

أيار 06, 2021 23 مقالات وتحقيقات

«العربدات الماليّة» مستمرّة: المصارف تُكوّن مؤونات على «اليوروبوندز» من أموال المودعين

«العربدات الماليّة» مستمرّة: المصارف تُك…

أيار 06, 2021 21 مقالات وتحقيقات

فصل لبنان عن النظام المالي العالمي أصبح "قاب قوسين أو أدنى" نتيجة عدم مطابقة ميزانيات البنوك مع المعايير العالمية هل يكون "الكابيتال كونترول" المسلّة التي "تنكز" المصارف لإعادة الهيكلة؟ -

فصل لبنان عن النظام المالي العالمي أصبح …

أيار 05, 2021 25 مقالات وتحقيقات

خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر احتياطي مالي

خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر ا…

أيار 05, 2021 30 مقالات وتحقيقات

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبنان... هل دقّت ساعة "الدعم"؟

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبن…

أيار 05, 2021 22 مقالات وتحقيقات

عيد العمال؟ بأي حال!

عيد العمال؟ بأي حال!

أيار 04, 2021 25 مقالات وتحقيقات

تفاصيل خفض دعم البنزين والأدوية: "ا…

أيار 04, 2021 35 مقالات وتحقيقات

البطاقة الإجتماعية بدعة جديدة في أيدي السياسيين؟

البطاقة الإجتماعية بدعة جديدة في أيدي ال…

أيار 04, 2021 25 مقالات وتحقيقات

مقترح قانون يتضمّن صاعق تفجير ذاتياً في كل بند من بنوده  "الكابيتال كونترول" يضع "العصمة" بيد "المركزي"

مقترح قانون يتضمّن صاعق تفجير ذاتياً في …

أيار 04, 2021 22 مقالات وتحقيقات

نظام البطالة بعد الإفلاس: مساعدة مالية وتغطية صحية للعاطلين

نظام البطالة بعد الإفلاس: مساعدة مالية و…

أيار 04, 2021 24 مقالات وتحقيقات

المسوّدة النهائيّة للبطاقة التمويليّة: 137 دولاراً نقداً لكل أسرة بالعملة الخضراء

المسوّدة النهائيّة للبطاقة التمويليّة: 1…

أيار 04, 2021 26 مقالات وتحقيقات

عمال لبنان في العراء. الدولة خانتهم، برئيسها وحكوماتها وبرلمانها وحاكم مصرفها المركزي

عمال لبنان في العراء. الدولة خانتهم، برئ…

أيار 03, 2021 25 مقالات وتحقيقات

يمين حيت العمال عبر إذاعة لبنان: نعمل على نظام تأمين ضد البطالة

يمين حيت العمال عبر إذاعة لبنان: نعمل عل…

أيار 03, 2021 30 مقالات وتحقيقات